الدرس في تفسير سورة التغابن من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تتناول الآيات الأولى من سورة التغابن تسبيح جميع المخلوقات لله عز وجل، ويشرح معنى التسبيح واستخدام صيغة المضارع في القرآن. كما يوضح سبب استخدام "ما" بدلاً من "من" في الآية لتغليب الأكثر من المخلوقات.
الملك الحقيقي الكامل هو لله وحده، والحمد الحقيقي الكامل هو لله وحده، وهو على كل شيء قدير. كما تفسر الآية الكريمة خلق الله للخلق وتنوعهم بين كافر ومؤمن.
خلق الإنسان في أحسن تقويم يشمل صورته وفطرته، وأن الهداية والضلال يتوقفان على اختيار الإنسان نفسه. الله عز وجل عليم بكل ما يعمله الإنسان.
يشير إلى أهمية شكر الله تعالى على نعمه من خلال الاستجابة لأمره ونهيه والقيام بحقوقه. حسن العمل يكون سببًا في إكرام الله تعالى للمؤمنين ونيل الحسنى والزيادة في الآخرة.
﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ قال المفسر رحمه الله: سورة التغابن مكية أو مدنية، ثمانية عشرة آية. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ينزهه، فاللام زائدة، وأتى بـ"ما" دون "من" تغليبًا للأكثر، ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ في أصل الخلقة، ثم يميتكم ويعيدكم على ذلك، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ إذ جعل شكل الآدمي أحسن الأشكال، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذه سورة التغابن، سورة مكية، وفيها بعض الآيات مدنية، ثمانية عشر آية كما ذكر المفسر رحمه الله تعالى. فقوله: "مكية أو مدنية" أي: فيها آيات مكية وآيات مدنية، وسيأتي معنى ذلك إن شاء الله تعالى. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تقدم معنى الكلام عليه وعلى معناه في سورة الجمعة قريبًا. وقوله رحمه الله: "ينزهه"، فاللام زائدة، وكما تقدم معنى وتقرر وتكرر: ليس في القرآن شيء زائد، بل أتي بها لزيادة التأكيد في معنى الاستحقاق والاختصاص لله سبحانه وتعالى، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ لاستحقاقه سبحانه وتعالى واختصاصه جل وعلا بذلك. ومر معنا أنه في بعض السور جاء بصيغتي الماضي "سبح لله"، وفي بعض السور "يسبح لله"، وهذا من بلاغة وفصاحة القرآن، وليس هو من التعارض والتضاد كما استدل به بعض الملاحدة لجهلهم بعظيم هذه اللغة العربية، لغة القرآن، لغة الفصاحة والبيان. فإن الإخبار بتسبيح ما في السماوات والأرض لله عز وجل بصيغة المضارع لإثباته مضيًا خبرًا ثابتًا. فحين تقول: "الشجرة مثمرة"، و"أثمرت الشجرة"، فأنت تثبت هذا الإثمار على وجهي الصدق والحق والوجود الذي لا شك فيه. وإذا قلت: "ستثمر الشجرة"، فإنك ستخبر بشيء سيكون قد يكون ويقع وقد لا يقع. فإذا أخبرت به بصيغة الماضي ثم بصيغة المضارع أثبته في الزمانين، فكان زيادة في البلاغة والبيان. فكأنك قلت: "أثمرت وتثمر"، أي: الآن ولا تزال تثمر، فأنت تصف هذه الشجرة بوصف كمالها في الماضي الذي لم يتغير في الحاضر ولن يتغير كذلك في المستقبل. وهذا لا يمكن الوصول إليه بفعل الماضي دون فعل المضارع الذي يدل على التجدد والاستمرار. فحين تقول: "تثمر"، فإنك تثبت الإثمار في الحاضر وتثبته متجددًا للمستقبل. وهكذا كذلك "سبح لله ويسبح لله"، فتثبت التسبيح في الماضي الذي لا نهاية له كمالًا لله جل وعلا وجلالًا، وتثبته في الحاضر لأن صيغة المضارع تفيد التجدد والاستمرار، فأفاد هذه المعاني التي هي من الفصاحة والبيان. وقوله: "وأتى بـ"ما" دون "من" تغليبًا للأكثر"، لأن ما يدخل فيها العاقل وغير العاقل، والحي والميت، فكل ما في السماوات والأرض وما فوق ذلك ودون ذلك مما علمناه وما لا نعلمه يسبح لله عز وجل من الأحياء والأموات والشجر والنبات والجماد وغير ذلك، كله يسبح لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، ولكننا لا نفقه هذا التسبيح كما أخبرنا الله عز وجل. وقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، قال: "في قوله سبحانه وتعالى ها هنا له الملك وله الحمد تقديم ما حقه التأخير، وتقديم ما حقه التأخير يفيد في اللغة العربية الحصر، أي: الملك الحقيقي الكامل هو لله عز وجل وحده، والحمد الحقيقي الكامل هو لله عز وجل وحده، فكأنه قال: "لا ملك إلا لله ولا حمد إلا لله"، لأنه هو خالق السماوات والأرض وما فيهن، فكل ما وجد في الكون من ملك راجع لملك الله سبحانه وتعالى، فهو الذي ملك الملوك ما في أيديهم من ملك، ولذلك ينزعه متى شاء ويعطيه متى شاء، فهو سبحانه وتعالى مالك الملك كما قال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فهذه الآية مثل هذه الآية، فآية سورة آل عمران فيها معنى هذه الآية في سورة التغابن، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إثبات واسع قدرته سبحانه وتعالى الذي له الملك ولا يشارك في ملكه، وله الحمد فالمحامد كلها بيده ولا يشارك أحد فيها، فهو حقًا وصدقًا من يستحق التسبيح، وهو حقًا وصدقًا من بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، لأن كل ما في الوجود ملكه سبحانه وتعالى وتحت قدرته، فلذلك هو الإله الحق والرب الحق. وهذه المعاني من المعاني العظيمة التي تقرر للمؤمنين، وهكذا كذلك للكافرين. ولهذا قال بعدها سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾. قال المفسر رحمه الله: "في أصل الخلقة"، ثم يميتكم ويعيدكم على ذلك. قوله: "في أصل الخلقة" أي: خلقكم كذلك يوم خلقكم. وهذه الكلمة موهمة فيها ما فيها من قول الجبرية في من ضل في باب القدر. وقد اختلف قول الناس في تفسير هذه الآية، ففسروها تفسيرًا خاطئًا، فزعموا أن هذه الآية فيها دليل على القول بالجبر، وأن الإنسان طبع عليه يوم خلق كافرًا أو مؤمنًا لا يستطيع أن يغير مصيره، ثم استدلوا عليه بأدلة اشتبهت عليهم فيها ألفاظها، مثل حديث ابن مسعود فيما يحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق، وذكر خلق الإنسان أربعين يوم النطفة ثم مضغة إلى آخره، ومثل حديث زيد بن أرقم وفيه أن الله عز وجل حين خلق غلام الخضر طبع يوم طبع كافرًا، ونحوها من الأحاديث. والصحيح أن هذه الآية وهذه الأحاديث وما بمعناها في قول المحققين من أهل العلم في التفسير والحديث وغيره من أهل السنة والجماعة: أن الآية تفهم على معنيين اثنين. المعنى الأول: أن الله خلقكم وأعمالكم الصالح والسيئ، فالله خلق الخلق وخلق أعمالهم، وخلق المؤمن والكافر بمعنى خلقه في صورته وخلقه في عمله، فصورته مخلوق لله وعمله مخلوق لله، وليس معناه أن الله عز وجل خلقه ليكون كافرًا فلا يستطيع أن يغير ما هو عليه، وأنه مجبور على هذا الكفر أو مجبور على ذاك الإيمان، هذا غير صحيح. والمعنى الثاني الذي فسرت به هذه الآية في قول المحققين من أهل السنة والجماعة: هو ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ هو مثل قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾، أي: خلق أصل الخلقة ثم تنوعت الأفعال، نسبها لفعل العبد، وهو الذي خلق الخلق ثم الخلق فعلوا أفعالهم بمشيئة يملكونها لا تنافي مشيئة الله سبحانه وتعالى. ودليل هذا التفسير الثاني قوله سبحانه: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ﴾ فأضاف الكفر إلى فاعله، ويؤيده نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، كقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وقول الله عز وجل: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: الطريقين الواضحين البينين، وكقول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، وهكذا كذلك أحاديث كثيرة في هذا المعنى. فإن العبد يملك طريق الخير وطريق الشر، فإن هو اختار طريق الخير والإيمان والطاعة، فقد أعان نفسه على طريق الهداية، والله عز وجل يريد له الهداية. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: "يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه"، ومعناه: أن أصل خلقة الخلق على فطرة الإسلام، لولا أن هذه الفطرة تتغير بسبب إما ضلال الآباء والأمهات أو إهمال الآباء والأمهات، فيكون هذا الطفل مؤمنًا أو كافرًا، بارًا أو فاجرًا، تقيًا أو شقيًا. فمن اعتنى بابنه فأعانه على طريق الهداية هداه الله، ومن دفعه إلى طريق الشقاوة أشقاه الله، وهذا ينسب إلى العبد ولا ينافي ذلك أن الله عز وجل عليم في القدر. خلاصة هذه الآية أنها تفيد أن الكفر والإيمان في قدر الله عز وجل من أمره الكوني ومن خلقه، وأنها كذلك تفيد أن الكفر والإيمان من فعل العبد نفسه، ولا ينافي ذلك القدر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فأثبت للعبد مشيئة، وأنها لا تخرج عن مشيئة الله سبحانه وتعالى، ولا منافات بين ذلك والقدر. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيه دليل على ما تقدم، ورد على القول بالجبر، أي: خلقكم وأعطاكم القدرة لأخذ طريق الكفر والإيمان. ولهذا ابتدأ بذكر الكافر دون المؤمن للتهديد والوعيد من فعل الكفر، وختمت الآية: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: مطلع على أعمالكم، فهو يرى ما تعملون ويحصيه عليكم ويحاسبكم بها. فإذا كانوا لا يملكون تحديد الكفر من الإيمان كيف يحاسبهم عليها ويعاتبهم؟ فلا يكون العتاب والحساب والعقاب إلا فيما يملكه الإنسان، وهذا هو الصحيح في تفسير هذه الآية. وقول سبحانه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فيه تأكيد لما تقدم، أي: كما خلقكم فأحسن صوركم في أجسادكم، فقد خلق الله عز وجل الإنسان في أحسن التقويم، خلقه في غاية من الكمال والجمال، ليس هو بزاحف كالمخلوقات الزاحفة، ولا كذلك كالدواب التي تمشي على أربع، ولا كالأشجار الجامدة، ولا كذلك كالمخلوقات التي لا وجه لها، ولا كالمخلوقات التي لها وجه قبيح، بل خلق هذا الإنسان في أكمل صورة. وليس هذا فحسب، بل زينه بالعقل الذي هو الفارق بين الإنسان وسائر المخلوقات، فخلق الإنسان في أحسن تقويم. وكما خلقه في أحسن تقويم في صورته، كذلك خلقه في أحسن تقويم في فطرته، فطرة الإنسان تعرفها في طفولته. ولهذا يتفق المؤمن والكافر والبر والفاجر على أن الطفل عنده من البراءة وحسن السريرة ما يدل على أصل فطرة الله عز وجل. هل تعرف طفلًا حين يكون طفلًا يكذب؟ ما يعرف الطفل الكذب، ولا يعرف الطفل الحقد، ولا يعرف الطفل الحسد، ولا يعرف الطفل كذلك غيرها من الأخلاق السيئة. ولكنه إذا خالق غيره من أهل الكذب صار كذابًا، وإذا خالق خالط غيره من أهل الطمع صار طماعًا. ولكن إذا ربيته من صغره على السخاء والكرم والإيثار والكلام الجميل، فإنه يزداد جمالًا فوق الجمال الذي خلقه الله عز وجل عليه في أصل ماذا؟ في أصل فطرته الحسنة. وهذا مما يدلنا على هذا المعنى، فخلق الإنسان في صورته وكذلك في خلقته وظاهره، وكذلك في باطنه على أصل الفطرة. فما هو المطلوب؟ المطلوب أن تنعم الله عز وجل عليك بهذه النعم فاشكر الله على نعمه بحسن الاستجابة لأمره ونهيه والقيام بحقوقه في ربوبيته. وهذا هو قوله: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ إذا كان المصير والرجوع إلى الله، فإذا أحسن في عملك بما تلقى الله عز وجل، فيكون سببًا في إكرام الله عز وجل لك غاية الإكرام، أعظم مما أكرمك في هذه الدنيا، ﴿وَلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد عليه الصحب والسلام.