شرح العقيدة الواسطية للهراس 87

شرح العقيدة الواسطية للهراس 87

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 87، الدرس السابع والثمانون:من( وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم ... فإنه لا يخلد خلود الكفار بل يخرج من النار ويدخل الجنة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

موقف أهل السنة والجماعة من الوعيد والمرجئة

أهل السنة والجماعة وسط بين المرجئة والوعيدية في باب الوعيد، حيث يرفضون نفي العقاب أو إيجابه دون اعتبار للأعمال. المرجئة فرق متعددة تختلف في تعريف الإيمان.

الاختلاف في مسائل الإيمان والعقاب بين الفرق

المرجئة والوعيدية يختلفون حول تأثير الأعمال على الإيمان، بينما يعتقد أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص بالأعمال، مما يجعلهم وسطًا بين الطرفين.

موقف أهل السنة من مرتكب الكبيرة وتصور التصديق

أهل السنة يعتبرون مرتكب الكبيرة مؤمنًا ناقص الإيمان، وأمره إلى الله، كما يوضحون مفهوم التصديق الذي لا يقتصر على اللسان وحده كما عند بعض الفرق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: قال: «وفي باب وعيد الله بين المرجئة وبين الوعيدية من القدرية وغيرهم». قوله: «وفي باب وعيد الله» الوعد هو معنى الإثابة، والوعيد هو معنى العقاب. فأهل السنة في باب العقاب بين المرجئة الذين ينفونه، وبين الوعيدية، وهم من غلب أدلة الوعيد على أدلة الوعد. وعلمنا ما الوعد وما الوعيد، وهم المعتزلة والخوارج ومن سلك مسلكهم من بعدهم، ولو انتسبوا إلى فرق أخرى. فإن مذهب الوعيدية ربما طرأ على بعض فرق الضلال الأخرى، فتجد بعض الشيعة عندهم شيء من هذا الباب، أو بعض كذلك العقلانية عندهم شيء من هذا الباب. قال: «من القدرية وغيرهم»، ومراده بالقدرية المعتزلة. وهذه الضلالات والبدع كانت من قبل تنسب لطوائف معلومة، ولكن تشعبت بعد ذلك، فصارت فرق تدخل فيها البدع والأقوال بعضها فوق بعض. قال الشارح، رحمه الله تعالى: قوله: «وفي باب وعيد الله» إلى آخره، يعني أن أهل السنة والجماعة وسط في باب الوعيد بين المفرطين من المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وهؤلاء المرجئة هم طوائف كثر، ومن أشهر هذه الفرق الجهمية، وهم غلاة المرجئة الذين زعموا أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط. وقد كفرهم جماعة من الأئمة، كما روي عن أحمد ووكيع وجماعة، وذكره غير واحد كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. وهكذا من فرق المرجئة قول الكرامية، وهم من المرجئة، يعني أنهم اجتمعت فيهم ضلالات، ومن ضلالاتهم قولهم بالإرجاء. وإرجاء الكرامية زعمهم أن الإيمان قول فقط، وأن المطلوب إيمان الظاهر والباطن، فالمنافق عندهم مؤمن، لكنه مخلط في النار، وهذا مخالف لأدلة الكتاب والسنة. قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وكيف يقول هؤلاء أنهم من المؤمنين؟ وهكذا كذلك من قول المرجئة قول أخف أهل الإرجاء إرجاء، وهم مرجئة الفقهاء الذين يقولون: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، وهو الذي روي عن حماد بن أبي سليمان، وإليه كان يميل ابن كلاب، فأخذ الأشعري شيئا منه، فصار في عقيدة الأشاعرة شيء من الإرجاء من هذا الباب. وهكذا نحوه ما روي عن أبي حنيفة فيما أخذه عن شيخه حماد بن أبي سليمان. وهذا القول قول باطل، لكنه أخف من قول من سبق. وبالجملة أقوال المرجئة كثيرة، أوصلها بعضهم إلى أكثر من اثني عشر قولا، وأنهم على هذه الأقوال فرق أكثر من اثني عشر فرقة، أي فرق الإرجاء. قال رحمه الله تعالى: «وزعموا أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب». وعلمنا أن هذا قول من الجهمية، وإن لم ينطق به، وسموا بذلك نسبة إلى الإرجاء، التأخير؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان، سواء من أخر القول والعمل كالجهمية، أو من أخر العمل كسائر فرق المرجئة. فإنهم اتفقوا على تأخير العمل عن مسمى الإيمان، لكنهم يختلفون. فمرجئة الفقهاء مثلا هم يقولون: أن تأخير العمل يضر، وإن كانوا لا يدخلونه بمسمى الإيمان. قال: «ولا شك أن الإرجاء بهذا المعنى كفر يخرج صاحبه عن الملة؛ فإنه لا بد في الإيمان من قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، فإذا اختل واحد منها لم يكن الرجل مؤمنا». وهذا التكفير نقل عن أحمد ووكيع وغيرهما في تكفير الجهمية في القول الذي قالوا في الإرجاء. وأما غير الجهمية فلم يكفروهم، ولكن بدعوهم وظللوهم. وقوله رحمه الله: «فإذا اختل واحد منها لم يكن الرجل مؤمنا»، ليس معنى أنه لا يكون مؤمنا فيكون كافرا؛ لأن ترك بعض العمل لا يستوجب الكفر. وقد مر معنا قريبا ما حكاه ابن رجب رحمه الله في اختلاف سلف الأمة في مباني الإسلام ما دون الشهادتين: هل تركه كفر يعني أكبر أم ليس بكفر على قولين مشهورين، كل منهما قد رويا عن عدد من السلف كما ذكره في كتابه جامع علوم الحكم. والمؤلف هنا لم يفرق بين فرق المرجئة لكون الجميع متفق على عدم حصول الوعيد. على العكس أن المرجئة يقولون: لا يحصل الوعيد مع الإيمان، لا يضر مع الإيمان معصية. وإن كانوا يتفاوتون في هذه المقولة على تفاصيل ذكرها العلماء. ولذلك إذا ذكر الإرجاء يذكر أهله وفرقه بالإجمال. وأما عند التفصيل يتبين للناظر أنهم ليسوا على قول واحد. وهكذا كذلك العكس الوعيدية من الخوارج المعتزلة ومن وفقهما، فيذكر قولهم بالجملة، ولكن عند التفصيل يجد الناظر أن لهم أقوالا تختلف. فالمرجئ مثلا يقولون في العاصي أنه لا يعذب، على التفاصيل في الخلاف فيه. والوعيدية كذلك على الضد يقولون: أنه يعذب، وعلى تفاصيل ستأتي إن شاء الله في الحكم عليه في الدنيا وفي الآخرة. فقد اختلف الوعيدية الخوارج المعتزلة في مسألتين واتفقوا في مسألتين. وأما أهل السنة فقالوا: يعذب بقدر معصيته ما دام مسلما، وهذا التعذيب تحت المشيئة، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. قال رحمه الله: «أما الإرجاء الذي نسب إلى بعض أئمة من أهل الكوفة كأبي حنيفة وغيره، وهو قولهم: إن الأعمال ليست من الإيمان، ولكنهم مع ذلك يوافقون أهل السنة على أن الله يعذب من يعذب من أهل الكبائر بالنار ثم يخرجهم منها بالشفاعة وغيرها، وعلى أنه لا بد في الإيمان من نطق باللسان، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة يستحق تاركها الذنب والعقاب». فهذا النوع من الإرجاء ليس كفرا، وإن كان قولا باطلا مبتدعا؛ لإخراجهم الأعمال عن الإيمان. فهم يرون التفاضل في الأعمال لا في الإيمان الذي في القلوب. هؤلاء الذين يسمون بمرجئة الفقهاء يرون التفاضل في الأعمال، ولا يرون التفاضل في الإيمان الذي في القلوب. وهذا ليس بالصحيح، بل إن الإيمان الذي في القلب يزيد وينقص بقدر زيادة العمل ونقصانه. قال الله عز وجل: ﴿وَيَزِيدُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». فدل أن الإيمان درجات، فدرجة المنكر بقلبه أضعف من درجة المنكر بلسانه، ودرجة المنكر بيده أقوى من درجة المنكر بلسانه. وهكذا كذلك قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هذا ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، خلافا لما ظنه مرجئة الفقهاء من أن الناس يتفاوتون ويتفاضلون في الأعمال، ولا يتفاوتون ويتفاضلون في الإيمان؛ لأنهم ظنوا أن الإيمان شيء واحد إذا ذهب ذهب كله، وإذا بقي بقي كله. وهذا قطع، وهذا السبب الذي لأجله ضل من ضل من المرجئة والوعيدية؛ فإن الوعيدية زعموا أن وقوع المعصية سبب لذهاب الإيمان بالكلية؛ لأنهم زعموا لا يجتمع إيمان مع معصية. والضد قال المرجئة: وأهل السنة كانوا وسط في هذا الباب، قالوا: يمكن أن يجتمع إيمان ومعصية، فيكون مؤمن ناقص الإيمان، كما أنه ممكن أن يكون مؤمن كامل الإيمان، كما أنه يمكن أن يكون لا مؤمن بل هو معدوم الإيمان إن كان كافرا أو منافقا. قال رحمه الله تعالى: «وأما الوعيدية فهم القائلون بأن الله يجب عليه عقلا أن يعذب العاصي كما يجب عليه أن يثيب المطيع». وهذا تألي على الله سبحانه وتعالى، بل الله عز وجل يفعل ما يشاء. قال: «فمن مات على كبيرة ولم يتوب منها لا يجوز عندهم أن يغفر الله له». وهذا باطل، دلت أدلة الكتاب والسنة على خلافه. قال: «ومذهبهم باطل مخالف للكتاب والسنة». قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. بل قال سبحانه في ذكر محرمات كثيرة ما يدل على أن صاحب هذه المحرمات مؤمن ناقص الإيمان. فمن ذلك حين ذكر الخمر والميسر، قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إشارة إلى أن فعل ذلك لا يبطل الإيمان؛ لأن مسمى الإيمان بقي، فناداهم بمسمى الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخره، ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾. ومعناه ممكن أن يكون مؤمن وهو شارب خمر ومتعامل بميسر، ولكن مؤمن ناقص الإيمان. فإذا أراد الفلاح فعليه أن يستجيب لأمر الله ويترك ما حرم عليه. قال: «وقد استفاضت الأحاديث في خروج عصاة الموحدين من النار ودخولهم الجنة»، يعني أحاديث الشفاعة، وهي كثيرة. قال: «فمذهب أهل السنة والجماعة وسط بين نفاة الوعيد من المرجئة وبين موجبيه من القدرية». نفاة الوعيد من المرجئة كما تقدم، وهم على درجات. وهكذا كذلك القدرية، المراد بهم المعتزلة ومن سلك مسلكهم ممن غلا في أدلة الوعيد كالخوارج. قال: «فمن مات على كبيرة عندهم فأمره مفوض إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه كما دلت عليه الآية السابقة». قال: «فمذهب أهل السنة والجماعة وسط». هذا الوسط هو أن صاحب الكبيرة أمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه كما دلت عليه الآية السابقة، يعني: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال: «وإذا عذبه بها فإنه لا يخلد خلود الكفار، بل يخرج من النار ويدخل الجنة»، يعني يعذب بقدر معصيته كما دلت الأدلة على ذلك، وكما كذلك هو مقتضاء العدل ألا يعذب إلا بقدر معصيته. وكما مر معنا أن أهل السنة وافقوا الدليل، وهكذا كذلك كان قولهم مقتضاء كذلك العقل الصحيح، فهو موافق للمنقول والمعقول. وأصل شبهة المرجئة والوعيدية كما سبق أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا إذا زال زال كله، وإذا ثبت ثبت كله. وعلى هذا كان قول طرفي من ضل في هذا الباب المرجئة والوعيدية. وكان أهل السنة في هذا وسط بمقتضاء ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وهنا يأتي التعبير ببعض ما ينبغي أن ينبه عليه من أن فاعل المعصية والكبيرة مؤمن ناقص الإيمان، إن شاء الله نوقف على كلام شيخ الإسلام في هذا، ذكر في موضع فرق الإرجاء وأنهم على اثنتي عشرة فرقة، وأشار إلى تفاصيل في هذا الباب. والله تعالى أعلم. قالوا: ذكرتم أن مرجئة الفقهاء هم الذين يقولون: الإيمان قول وتصديق، فما قولكم فيمن يقرر ذلك في هذا العصر ويرد على كبار أهل العلم؟ ما اتضح لي السؤال: ماذا يريد بمن يقرر ذلك؟ يعني هل يوجد أحد يقرر هذا من أهل العلم في هذا العصر؟ ما أظن أن أحدا يقرر هذا. ومن يتهم أحدا من أهل العلم من أهل السنة أنه يقول بهذا فهو جاهل. كما قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله حين ذكر له أن بعض الناس يتهم الشيخ الألباني بالإرجاء، فقال: «هذا أحد رجلين: إما رجل لا يعرف الإرجاء، وإما رجل لا يعرف الشيخ الألباني». فالشيخ الألباني حارب الإرجاء من سنين طوال قديمة، فله تعليقات على كتب العقيدة تدل على سلامة مذهبه وعقيدته في باب الإرجاء. فهذا الجواب أظنه يكفي في هذا السؤال. قال: «قولهم ليس شيء واحد، لكن بالجملة قولهم أن الإيمان تصديق، لكن ليس معنى تصديق كقول الجهمية». سواء سمي الأشاعرة جهمية نعم، لكن ما سمي الأشاعرة جهمية. هل هنا مسمى الأشاعرة؟ إيش الإشكال؟ القول بالمعرفة هم غلاة الجهمية، والجهمية يقولون: أن الإيمان هو التصديق. فرق الجهمية تقول: إيمان هو التصديق. وبعض الأشاعرة وافق الجهمية في هذا. ومن قال بهذا كفره العلماء، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وغيره في التصديق أنه تصديق فقط، تصديق باللسان فقط، بالقلب فقط، ليس باللسان. حتى قول الشيخ على الجهمية ما نقل عن الجهمية. لكن من الأشاعرة من يقول بقول الجهمية، فهو يكفر؛ لأن الأشاعرة ليس لهم قول واحد، فأفرادهم لهم أقوال ربما بعضهم موافق قول الجهمية. جمهورهم التصديق فقط، التصديق فقط، ليس قول اللسان. ابن كلاب وهو شيخ الأشعري قوله قول مرجئة الفقهاء. فالأشاعرة ليس قولهم جميعا التصديق، فإن شاء الله نوقف على كلام شيخ الإسلام في هذا. ذكر في موضع فرق الإرجاء وأنهم على اثنتي عشرة فرقة، وأشار إلى تفاصيل في هذا الباب. والله تعالى أعلم.