الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 8، الدرس الثامن : وفيه الخمسة الأبيات ( وقل إن خير الناس بعد محمد ... ولا تك طعانا تعيب وتجرح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بالحديث عن فضل الصحابة وترتيبهم، مع التركيز على الخلفاء الراشدين وأفضليتهم بناءً على الأحاديث النبوية الصحيحة. يُبرز المقطع أهمية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي في الإسلام.
يتناول هذا الجزء ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل والخلافة، مؤكدًا على الترتيب المتفق عليه بين أهل السنة والجماعة، وهو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ويشرح الخلافات التاريخية حول هذا الترتيب.
يُشدد هذا الجزء على مكانة الصحابة وفضلهم، ويوصي بالكف عن الخوض في الخلافات بينهم والتركيز على ذكرهم بالجميل، مع الإشادة بالعشرة المبشرين بالجنة والخلفاء الراشدين.
يختتم الدرس بالتأكيد على أهمية ما تمت مناقشته والاستعداد لاستكمال الموضوع في الدرس القادم، مع شكر الله على ما أنعم به.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال ابن أبي داود رحمه الله تعالى: بِحَائِيَتهِ قَالَ وَقُلْ إِنْ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ وَزِيرَاهُ قَدْمَا ثُمَّ عُثْمَانُ الأَرْجَحُ أَوْ قَدْمَا وَرَابِعُهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ بَعْدَهُمْ عَلِيٌّ حَلِيبُ الْخَيْرِ لِلْخَيْرِ يَمْنَحُهُ قَالَ وَإِنَّهُمُ الرَّهْطُ لاَ شَكَّ فِيهِمْ عَلَى نُجُبِ الْفِرْدَوْسِ بِالْخُلْدِ تَسْرَحُ سَعِيدٌ وَسَعْدٌ وَابْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَتُهُ وَعَامِرٌ فَهْرٌ وَالزُّبَيْرُ مُمَدَّحُهُ فَقُلْ خَيْرَ قَوْلٍ لِلصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ وَلاَ تَكُنْ عَنِ الْعَيبِ تُجْرِحُ وَتَجْرَحُ فَقَدْ نَطَقَ الْوَحْيُ الْمُبِينُ بِفَضْلِهِمْ وَفِي الْفَتْحِ آيٌ مِنَ الصَّحَابَةِ تُمْدَحُ أورد رحمه الله تعالى هذه الأبيات الستة في الكلام على فضل الصحابة رضي الله عنهم أرضاه، وابتدأ بهذا البيت والذي فيه أثنى على خير الناس بعد نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنهما وزيره، ويريد بذلك أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على فضل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فهذا هو منزلة هؤلاء الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم أرضاهم، وأفضلهم أبو بكر ثم عمر. وقد جاء ذلك كما قلنا في أحاديث، كما جاء في البخاري من حديث ابن عمر أنه كان يقول: كنا نخير بين أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر وذكر عثمان. وهكذا ما جاء في تبشير الجنة، فقد بشر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن من دخل على صاحب البستان بشره بالجنة، فدخل أبو بكر أولا ثم عمر ثم عثمان. وهذا كذلك ما جاء صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذكر خير الناس أنه أبا بكر، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن». وهكذا ما جاء من فضل خاص بالصحابيين أبي بكر وعمر، بما جاء من حديث ابن عمر وأنس وبي جحيفة وبي سعيد وجماعة من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة». فَهَذِهِ الأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى فَضْلِ هَذَيْنِ الصَّحَابِيَّيْنِ الْجَلِيلَيْنِ، وَأَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ أَفْضَلَ النَّاسِ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرُ، ثُمَّ أَفْضَلَ النَّاسِ بَعْدَ عُمَرَ عُثْمَانُ. وَهُوَ رَحِمَهُ اللهُ أَفْرَدَ هَذَيْنِ لِاجْتِمَاعِ كَلِمَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ: «إِنْ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ وَزِيرَاهُ قَدْمَا» إِمَّا هُوَ يَأْمُرُ يَعْنِي يَا صَاحِبَ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَةِ يَا مَنْ تَمَسَّكَ بِحَبْلِ اللهِ وَاتَّبَعَ الْهُدَى وَدَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَالسُّنَنِ الَّتِي جَاءَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم اعْلَمْ أَوْ قُلْ إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَزِيرَاهُ قَدْمَا يَعْنِي قَدِمَ هَؤُلاءِ اثْنَيْنِ. أَوْ قَدْمَا يَعْنِي اعْلَمْ أَنَّهُمَا قَدْ قَدِمَا إِذَا أَرَدْتَ الْعَقِيدَةَ السَّلَفِيَةَ، فَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا مِنْ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَةِ أَنَّهُمَا قَدْ قَدِمَا بِالأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «ثُمَّ عُثْمَانُ الأَرْجَحُ». وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ عُثْمَانُ» يَعْنِي ثَالِثَ أَصْحَابِ الْفَضْلِ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عُثْمَانُ. وَقَوْلُهُ: «الأَرْجَحُ» يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ عُثْمَانَ عُثْمَانَ الأَرْجَحَ أَيْ وَصْفًا وَمَدْحًا أَنَّ عُثْمَانَ صَاحِبُ الرَّجَاحَةِ رَجَاحَةِ الْعَقْلِ رَجَاحَةِ التَّصَرُّفِ، فَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ الرِّجَالِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «ثُمَّ عُثْمَانُ الأَرْجَحُ» فِي هَذَا التَّرْتِيبِ أَيْ أَنَّهُ هُوَ الثَّالِثُ. وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلافٌ. وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ وَقَعَ الْخِلافُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ فِي الْفَضْلِ فِي أَوَّلِ أَهْلِ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْنِي فِي عَهْدِ أَتْبَاعِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ. ثُمَّ اسْتَقَرَّ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَأَنَّ تَرْتِيبَهُمْ فِي الْفَضْلِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلافَةِ. إِلَى أَنْ صَنَعَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَرْضَاهُمْ فِي تَرْتِيبِهِمْ عَلَى الْخِلافَةِ يَدُلُّ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الْفَضْلِ. وَأَنَّ هَذَا يَقْدَحُ فِي إِجْمَاعِهِمْ وَيَقْدَحُ كَذَلِكَ فِي عِلْمِهِمْ وَفِي اتِّفَاقِهِمْ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ هِيَ السَّبَبَ فِي رُجُوعِ بَعْضِ مَنْ كَانَ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ التَّوَقُّفُ أَوْ تَقْدِيمُ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ رُجُوعُهُ إِلَى قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ جَمِيعًا فِي الْفَضْلِ. وَهَاهُنَا مَسْأَلَتَانِ اثْنَتَانِ يَنْبَغِي أَنْ نَنْتَبِهَ لَهُمَا: مَسْأَلَةُ الْفَضْلِ، فَأَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ بِلاَ شَكٍّ. ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأَدِلَّةُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ فِعْلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ. وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ مَسْأَلَةُ الْخِلافَةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لاَ خِلافَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَدِيمًا وَلاَ حَدِيثًا مِنْ أَنَّ تَرْتِيبَهُمْ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلافَةِ أَوَّلاً أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ. وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلاَّ ظَالِمٌ مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بَلْ خَارِقٌ لإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، لأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي الْخِلافَةِ حَتَّى عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَرْضَاهُ هُوَ مِمَّنْ بَايَعَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَرْضَاهُ عَلَى هَذِهِ الْخِلافَةِ. فَيَنْبَغِي أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَلِهَذَا كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ يَرَوْعُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ فِي مَسْأَلَةِ الْخِلافَةِ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ، لِمَاذَا؟ لأَنَّهُ خَارِقٌ لإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ. بِخِلاَفِ مَا إِذَا وَقَعَتِ الْمُخَالَفَةُ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ فَهِيَ اجْتَهَدَ فِيهَا بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ. وَلَكِنِ اسْتَقَرَّ وَرَجَعَ قَوْلُهُ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ إِلَى قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، لأَنَّ تَرْتِيبَهُمْ فِي الْفَضْلِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلافَةِ. ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «وَرَابِعُهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ بَعْدَهُمْ عَلِيٌّ حَلِيبُ الْخَيْرِ لِلْخَيْرِ يَمْنَحُهُ». وَهَذَا هُوَ كَذَلِكَ ذِكْرٌ لِفَضْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَرْضَاهُ. قَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى فَضْلِ هَؤُلاءِ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ، وَمِنْهَا قَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ». وَهُمْ هَؤُلاءِ الْخُلَفَاءُ الأَرْبَعَةُ. وَهَذَا لَهُ كَذَلِكَ فَضَائِلُ عُثْمَانَ كَثِيرَةٌ وَفَضَائِلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَثِيرَةٌ. ثُمَّ قَالَ: «وَإِنَّهُمُ الرَّهْطُ لاَ شَكَّ فِيهِمْ عَلَى نُجُبِ الْفِرْدَوْسِ بِالْخُلْدِ تَسْرَحُ». وَبَعْدَ هَذَا يَقُولُ: إِنَّهُمْ أَيْ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ هُمْ الرَّهْطُ أَيْ الطَّائِفَةُ وَالْجَمَاعَةُ. وَالرَّهْطُ يُطْلَقُ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَيُرِيدُ بِذَلِكَ الْعَشَرَةَ الْمُبَشَّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ سَمَّى الصَّحَابَةُ أَيْ هَؤُلاءِ الْمَمْدُوهِينَ هُمْ خَيْرُ النَّاسِ وَهُمْ الَّذِينَ جَاءَ التَّبْشِيرُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وَأَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ هَؤُلاءِ الْعَشَرَةُ مُبَشَّرُونَ بِالْجَنَّةِ، وَأَخَصُّ مِنْ الْعَشَرَةِ كَذَلِكَ هَؤُلاءِ الأَرْبَعَةُ الْخُلَفَاءُ. وَهَكَذَا فَالْفَضْلُ الْعَامُّ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، أَوَّلاً عِنْدَنَا فَضْلٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم حَالَةَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ يُخَصُّ الْفَضْلُ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَفَضْلُ الْمُهَاجِرِينَ أَرْفَعُ مِنْ فَضْلِ الأَنْصَارِ، وَهُمْ أَفْضَلُ مَا ذُكِرُوا بِكِتَابِ اللهِ إِلاَّ وَقَدِمُوا عَلَى الأَنْصَارِ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ فَضْلُ أَهْلِ بَدْرٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «يَا عُمَرُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ الَّذِينَ بَشَّرَهُمُ اللهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ. وَهَذَا كَذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْ ذِكْرِ فَضْلِهِمْ أَقْرَانًا وَجَمَاعَاتٍ بِأَشْخَاصٍ أَوْ بِأَوْصَافٍ، وَمِنْهُمُ الْعَشَرَةُ وَمِنْهُمُ الأَرْبَعَةُ أَيْ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ. وَذَكَرَ الْعَشَرَةَ هَاهُنَا لأَنَّهُمْ جَاءَ ذِكْرُهُمْ فِي أَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بِأَنَّهُمْ مُبَشَّرُونَ أَوْ بُشِّرُوا بِالْجَنَّةِ، وَهُمْ الأَرْبَعَةُ الَّذِينَ سَبَقُوا، وَسَعِيدٌ وَسَعْدٌ وَابْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةُ وَعَامِرٌ فَهْرٌ وَفَالزُّبَيْرُ مُمَدَّحُهُ. وَهَؤُلاءِ هُمُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرُونَ بِالْجَنَّةِ، قَدْ جَاءَ حَدِيثُهُمْ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ جَمِيعًا وَأَرْضَاهُمْ. قَالَ: «وَقُلْ خَيْرَ قَوْلٍ لِلصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ وَلاَ تَكُنْ عَنِ الْعَيْبِ تُجْرِحُ وَتَجْرَحُ» يَعْنِي قُلْ خَيْرًا فِي الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَرْضَاهُمْ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لاَ يُذْكَرُونَ إِلاَّ بِالْجَمِيلِ، فَلاَ يُخَاضُ فِي شَيْءٍ مِمَّا وَقَعَ فِيهِمْ. وَقَدْ وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ مَا وَقَعَ أَيْ بَيْنَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَيَجِبُ أَنْ يُكُفَّ عَنْ هَذَا الَّذِي وَقَعَ. فَمِنْ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُمْ لاَ يُخَاضُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ لاَ يُذْكَرُونَ إِلاَّ بِالْجَمِيلِ. فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ وَقَعَ مِنْهُمْ مَا هُوَ خَطَأٌ مُحْضٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ مُحْضَةٌ، فَإِنَّهَا قَدْ تُغْفَرُ لَهُمْ بِسَابِقَتِهِمْ، كَمَا قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ فِي «مِرْقَاتِهِ» -أَوْ كَذَلِكَ بِسَابِقَتِهِمْ وَصُحْبَتِهِمْ- أَوْ كَذَلِكَ بِشَفَاعَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هُمْ أَحْرَى النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ. أَوْ بِطَاعَاتٍ يَعْمَلُونَهَا فَيُكَفِّرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ بِهَا، وَهُمْ أَحْرَصُ النَّاسِ وَأَسْبَقُهُمْ إِلَى هَذِهِ الطَّاعَةِ. أَوْ كَذَلِكَ بِتَوْبَةٍ. أَوْ كَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ خَطَأً. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ لَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ لَهُ أَجْرٌ». وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا وَقَعَ فَهُوَ لَهُ مَا يُكَفِّرُهُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى. فَالوَاجِبُ هُوَ الْكُفُّ عَنْ ذَلِكَ. فَإِنَّ مِنْ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُمْ لاَ يُذْكَرُونَ إِلاَّ بِالْجَمِيلِ أَيْ لاَ يُذْكَرُونَ إِلاَّ بِالشَّيْءِ الْجَمِيلِ، لاَ يُذْكَرُونَ بِسُوءٍ أَبَدًا، وَلاَ يُذْكَرُ عَنْهُمْ إِلاَّ كُلُّ خَيْرٍ طَيِّبٍ نُثَابُ بِهِ عَلَى هَذَا الِانْتِهَاءِ. وَنَكْتَفِي بِهَذَا الْوَقْتِ، وَنُكْمِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ مَا تَبَقَّى فِي دَرَسِ اللهِ حَقٌّ. وَإِلَى هُنَا وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.