الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 121، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش ابن تيمية تفسير الآيات التي توحي بظهور الله على الأرض ويبين أنها لا تعني حلول الله في أحد. يشرح أن هذه الآيات تشير إلى ظهور معرفة الله في قلوب العارفين.
يفسر ابن تيمية معنى ظهور الله في المسيح وغيره، ويبين أنه يعني ظهور معرفة الله ومحبته في قلوبهم. ينتقد النصارى لاعتقادهم الحلول والاتحاد بسبب خلطهم بين المثال العلمي والمعنى العيني.
يناقش المقطع الفرق بين المثال العلمي والحسي ويبين أن عدم التمييز بينهما يؤدي إلى ضلال في العقائد. يشير إلى أن بعض التعبيرات قد تؤدي إلى اعتقاد الحلول والاتحاد الباطل.
يفسر هذا الفصل معنى كلام معين ويؤكد أنه يتفق مع المعنى العلمي السابق ذكره. يبين أنه لا يتضمن معنى الحلول والاتحاد.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: فصل. قالوا: وقال حبقوق النبي: «إن الله في الأرض يتراءى ويختلط مع الناس ويمشي معهم». وقال أرمياء النبي: «الله بعد هذا في الأرض يظهر وينقلب مع البشر، فيقول: أنا الله رب الأرباب». والجواب: أن هذا يحتاج إلى تثبيت نبوة هذين، وإلى ثبوت النقل عنهما، وثبوت الترجمة الصحيحة المطابقة. وبعد هذا يكون حكم هذا الكلام حكم بقية الكلام. ففي التوراة ما هو من هذا الجنس، ولم يدر ذلك باتفاق المسلمين واليهود والنصارى على أن الله حل في موسى، ولا في غيره من أنبياء بني إسرائيل. بل قوله: «يتراءى» هو: منزلته يتجلى ويظهر. وقد ذكر في التوراة أنه تجلى وتراءى لإبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام، من غير أن تكون ذاته حلت بأحد منهم. وما في القلوب من المثال العلمي، وبمعرفته ومحبته وذكره، يطلق عليه ما يطلق على المعروف بنفسه، لعلم الناس أن المراد به المثال العلمي. وما في القلوب من معرفة المعروف ومحبته، ليس المراد به نفس المعروف المحبوب. فإذا قال القائل: «أنت والله في قلبي»، أو «في سويداء قلبي»، أو قال له: «والله ما زلت في قلبي، وما زلت في عيني»، ونحو ذلك، علم جميع الناس أنه لم يرد ذاته. فإذا رأوا من يذكر عالما مشهورا، أو شيخا مشهورا، فيذكر علمه وعمله، ويحيي ذلك بين الناس، قالوا: «قد صار فلان»، يعني المعروف المذكور عندنا وبين أظهرنا، لعلم المخاطبين بالمراد. ويقول أحدهم لمن مات ولده: «أنا والدك»، أي: قائم مقامه. ويقولون للولد القائم مقام أبيه: «من خلف مثلك، من خلف مثلك، ما مات». وإذا رأوا عكرمة مولى بن عباس الذي معه علمه، يقولون: «جاء بن عباس، وابن عباس بين الناس»، لأن مولاه نائب عنه، وقائم مقامه. وإذا بعث الملك نائبا قائما مقامه، يقولون: «جاء الملك الفلاني»، لأن هذا النائب قائم مقامه، مظهر لأمره ونهيه وأحواله. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله: «عبدي مرضت فلم تعدني». فيقول العبد: «يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين». فيقول: «أما علمت أن عبدي فلانا مرض، فلم تعده؟ أما لو عدته لوجدتني عنده». «عبدي جعت فلم تطعمني». فيقول: «يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين». فيقول: «أما علمت أن عبدي فلانا جاع؟ فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي». «عبدي أعطشت فلم تسقني». فيقول: «ربي كيف أسقيك وأنت رب العالمين». فيقول: «أما علمت أن عبدي استسقاك فلم تسقه؟ أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي». فجعل جوع عبده جوعه، ومرضه مرضه، لأن العبد موافق لله فيما يحبه ويرضاه، ويأمر به وينهى عنه. وقد عرف أن الرب نفسه لا يجوع ولا يمرض. ومعلوم أن وصفه بالجوع والمرض أبعد من وصفه بالمشي بين الناس والاختلاط بهم. ولهذا نظائر كثيرة موجودة في كلام الأنبياء وغير الأنبياء، من الخاصة والعامة. ولا يفهم عاقل من ذلك أن ذات المذكور اتحدت بالآخر أو حلت فيه، إلا من هو جاهل كالنصارى. والناس يرون الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك في الماء الصافي، وفي المرآة المجلوة ونحو ذلك، ويقول أحدهم: «رأيت وجه فلان في هذه المرآة»، «ورأيت الشمس والقمر في المرآة أو في الماء». وما علم كل عاقل أن نفس الشمس والقمر وغيرهما لم تحل لا في المرآة ولا في الماء، ولكن هذه رؤية المقيدة، رآها بوسط المثال الذي تمثل في المرآة أو الماء، سواء كان ذلك شعاعا منعكسا أو غير ذلك. ومن هذا الباب قول القائل: إذا ظهر الغدير على صفاء ... وجنب أن يحركه النسيم ترى فيه السماء بلا امتراء ... كذاك الشمس تبدو والنجوم كذاك قلوب أرباب التجلي ... يرى في صفها الله العظيم فقد أخبر أن الله يرى في قلوب العارفين، كما ترى الشمس والنجوم في الماء الصافي. بل تصور أحدهم صورة من يعرفه بحمرة أو خضرة أو سواد، فيقول: «والله هذا هو فلان بعينه»، مع علمه وعلم كل من سمعه أنه مثاله المطابق لصورته لعينه، وذلك لمماثلة تلك الصورة لصورته، يريد أن هذا تمثيل مطابق له لا مخالف. ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من رآني في المنام فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي». لم يرد أنه رأى جسدي الذي في القبر، فروحي التي في الجنة حالة في ذاته، فإن هذا ممتنع لوجوه كثيرة. فلهذا قال: «فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي». ولما دخل جماعة من الصحابة على المقوقس ملك النصارى بمصر، واستخبرهم عن دينهم، فأخبروه بذلك، فإذا عنده شبه الربع العظيمة مذهبة، وإذا فيها أبواب صغار، ففتح منها بابا، فاستخرج منه خرقة حرير سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل طوال أكثر الناس شعرا، فقال: «أتعرفون هذا؟» قال قلنا: «لا». قال: «هذا آدم». ثم عاد وفتح بابا آخر، فاستخرج حريرة سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل ضخم رأسي عظيم له شعر كشعر النبط أحمر العين، فقال: «أتعرفون هذا؟» فقلنا: «لا». فقال: «هذا نوح». ثم عاد فتح بابا آخر، فاستخرج حريرة سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أبيض الرأس واللحية كأنه يبتسم، قال: «تعرفون هذا؟» وقلنا: «لا». قال: «هذا إبراهيم». ثم عاد فتح بابا آخر، فاستخرج حريرة سوداء فيها صورة بيضاء، قال: «تعرفون هذا؟» قلنا: «النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «هذا والله محمد رسول الله». قال: «والله يعلم أنه قام ثم قعد». ثم قال: «الله بدينكم، إنه نبيكم». قلنا: «الله بديننا، إنه نبينا». كأنما ننظر إليه. ثم قال: «أما إنه كان آخر الأبواب، ولكني عجلته لكم لأنظر ما عندكم». ثم عاد فتح بابا بابا، وهو يقول: «هذا موسى، هذا هارون، هذا داود، هذا سليمان، هذا عيسى». وهذا كله لظهور المراد به، ومعرفة الناس مقصود المتكلم، كما يقال لمن كتب اسمه في كتاب: «هذا فلان». ومعلوم أن الموجود في الكتاب اسمه المكتوب، لا ذاته الموجود في الخارج. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾، وإنما في الزبر ذكر أعمالهم، وكتابة ذلك. ويقال في كتابة الوثائق: «هذا ما أصدق فلان»، «وهذا ما يقاض عليه فلان وفلان». ويقال: «هذا ذكر ما أصدق فلان، أو يقاض عليه فلان وفلان». فيشار إلى الموجود تارة، وإلى ذكره تارة. ومعلوم أن الموجود في الكتاب ذكره، لا عينه. بل ذلك وجود الخط في الأذهان المطابق لذكره باللفظ. والشيء له وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البنان، ووجود عيني، وعلمي، ورسمي، ولفظي. وفي كل من الأربعة يذكر ويشار إليه، مع القراءات والضمائر التي تبين تارة أن المشار إليه هو الخط المطابق للفظ، وتارة تكون الإشارة إلى اللفظ المطابق للمعنى. ومعلوم أن المعنى الذي في القلب أقرب إلى الموجود في الخارج من اللفظ والخط. فإذا أشير إلى ما في قلب العارف بعين المحب له الذاكر له بأنه المعروف المحبوب، كان أقرب. لا سيما وقد يغلب الذكر والمعرف والمحبة على القلب، حتى يغيب بوجوده بموجوده عن وجوده، وبمعروفه عن معرفته، وبمذكوره عن ذكره. حتى يقول أحدهم في هذا الحال: «سبحاني»، أو «ما في هذه الجبة إلا الله». ومعلوم أن ذات الله تبارك وتعالى ليست الذي في قلبه، بل في قلبه مثاله العلم ومعرفته ومحبته. فغاب بذلك عن نفسه. هذا وإن كان يقوله الغالط، فيقول: «ليس بغالط». «الله في قلب فلان»، «ففلان ما عنده إلا الله». «ومن أراد الله فليذهب إلى فلان». وليس مرادهم أن ذات الله في قلبه، بل مثاله العلم ومعرفته وذكره ومحبته، وأنه لا يعبد إلا الله، ولا يرجو إلا إياه، ولا يخاف إلا إياه، ولا يعمل إلا لله، ولا يأمر إلا بطاعته. فيفنى بعبادته عن عبادة ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه. فما قيل في المسيح عليه السلام وأمثاله من هذا، فهو حق. لكن الاختصاص للمسيح بهذا. وإذا كان هو مثل هذا الكلام كثيرا موجودا في كلام الأنبياء وغيرهم، بل هو المعروف في كلامهم. ولا يوجد قط على أحد من الأنبياء أنه جعل ذات الله عند أحد من البشر. ولا يوجد قط عن أحد من الأنبياء أنه جعل ذات الله في قلب أحد من البشر. علم أن النصارى تركوا المحكم من كلام الأنبياء عليهم السلام، وتمسكوا بالمتشابه. كأمثالهم من الضلال. فاشتبه عليهم المعلوم بالقلوب المذكور بالألسن، بالموجود في نفسه. فظنوا أن نفس المثال العلمي هو الموجود العيني. كما يظن ذلك كثير من الغالطين. وهؤلاء يقولون بالحلول تارة، وبالاتحاد أخرى. ولا يفرقون بين حلول الإيمان والمعرفة والمحبة والمثال العلمي في القلب، وبين حلول الذات المعلومة المحبوبة. ولهذا يعتقد كثير من هؤلاء أنهم يكلمون الله ويكلمهم. ويقول أحدهم: «أوقفني»، «وقال لي»، «وقلت له». وتكون مخاطبته ومناجاته مع هذا المثال العلمي، بحسب ما عندهم من الاعتقاد في الله تعالى. وكثير منهم يتمثل له الشيطان، ويقول: «أنا ربك». فيخاطبه ويظنه ربه، وإنما هو الشيطان. ومنهم من يرى عرشا عليه نور، أو يرى ما يظنه الملائكة، وهم شياطين، وذلك شيطان. وكثير من هؤلاء يظن أنه أفضل من الأنبياء، وأنه يدخل إلى الله بلا إذن، خلاف الأنبياء. ويكون ذلك الإله الذي يعتقده هو الشيطان. والذين لا يتمثل لهم الشيطان، يخاطب أحدهم من في قلبه، فتخاطبه تلك الصورة العلمية، ويقدر أنها تخاطبه، ويظن ذلك مخاطبة الحق له. وهذا كالرجل يذكر بعض أصحابه، فيمثله في قلبه، ويخاطبه مخاطبة من يعاتبه أو يعتذر إليه، ويقدر خطاب تلك الصورة. ويقول: «قلت لك كذا»، «وقلت لي كذا». ونفس الشخص لا يكلمه ولا يسمع كلامه، وإنما هو المثال. كما قد يصور صورة الإنسان، ويخاطبها الإنسان، ويقدر ذلك مخاطبة لصاحب الصورة. والنصارى أدخل في هذا أو أدخل في هذا من غيرهم، فإنهم يخاطبون الصور الممثلة في الكنائس، كصورة مريم والمسيح والقديسين، ويقولون: «إنما نقصد خطاب أصحاب تلك الصور، نستشفع بهم». وهذا مما حرمه الله على ألسن جميع النبيين، ولم يشرع لأحد أن يدعو الملائكة، وللأنبياء، وللصالحين الأموات. فكيف بالصور الممثلة لهم؟ كما قد بسط في موضع آخر. والمقصود هنا أنه كثيرا ما يوجد في كلام الناس، الأنبياء وغيرهم، من ذكر ظهور الله عز وجل. والمراد به ظهوره في قلوب عباده بالمعرفة والمحبة والذكر. ولهذا لما كان يقصد بذكر اسمه ذكر المسمى، صار يقول من يقول: «إن الاسم هو المسمى». أن المراد المقصود من الاسم هو المسمى. لأن نفس اللفظ هو الاسم، والمسمى هو المسمى. فإن هذا لا يقوله عاقل. وتنزيه الاسم وتسبيحه، تنزيه للمسمى وتسبيح له. كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اسْمِ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، وقال: ﴿وَتَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. وجاء في الحديث: «تقوم القيامة حتى لا يعبد الله، لا يعبد الله باسم من أسمائه». «لا تقوم القيامة حتى لا يعبد الله باسم». أي: لا يعبد الله باسم من أسمائه. فإنه إذا قيل: «دعوت الله»، «وعبدته»، فإنما في اللفظ الاسم، والمقصود هو المسمى. وهذا لما ذكرناه من تفسير ظهور الله في المسيح وغيره، بأن المراد ظهوره، ظهور ما في القلوب من توحيد الله ومعرفته ومحبته وذكره ونوره وهداه وروحه. هو مما يفسر به ذلك كثير من علماء النصارى. فإنما يفسرون اتحاد اللهوت بالناسوت، بظهور اللهوت فيه، كظهور نقش الخاتم في الشمع والطين. ومعلوم أن الحالة في الشمع والطين هو مثال نقش الخاتم، لأن في الشمع والطين شيئا من القاتم، بل ظهر فيه نقش الخاتم. وكذلك يظهر نور الله وروحه في الأنبياء والصالحين. وهذا المعنى لا يختص به المسيح عليه السلام، بل يشترك هو فيه وسائر الرسل، بل وكل مؤمن له من هذا نصيب، بحسب إيمانه. بسم الله الرحمن الرحيم. هذا الفصل كذلك، وتتم لما سبق في الفصول السابقة من شبه النصارى التي يستدلون بالمتشابه من الكلام، لو صح وثبت على أن المسيح عليه الصلاة والسلام اجتمع فيه معنى اللهوت - كما زعموا - والناسوت. وهذا ليس بصحيح. وقد بين رحمه الله هنا وفي الفصول السابقة أن الكثير مما يذكرونه يحتاج أولا إلى ثبوت. ثم إذا ثبت، فهو من المشتبه من الكلام الذي يحتمل ما ينبغي أن يحمل عليه الكلام بالمحكم المعروف الذي ينبغي المصير إليه. ويحتمل ما يزعمه هؤلاء، ولكنه مردود بأدلة أخرى كثيرة، شرعية وعقلية وحسية، تكذب ما ذهبوا إليه. وأطال رحمه الله هنا في مسألة بيان أن هذا - لو صح - فيحمل على المثال العلمي. وضرب أمثلة على ذلك كثيرة. وسبقت أمثلة، وهو من باب زيادة التأكيد. وكذلك بيان صور وكيفيات وأحوال المثال العلمي، بما يظهر لهؤلاء ولغيرهم أن المثال العلمي ليس من بعيد، ولا من قريب، يثبت به المثال الحسي. وما ذكره من أمثلتها هنا هو من هذا الباب. وما أشار إليه من حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «من رآني في المنام فقد رآني حقا». فهو كذلك، كما أشار بهذا المعنى. فإنه لا يرى ذاته عليه الصلاة والسلام، ولكن يرى المثال العلمي. فإذا كان كذلك، فما قيل في حق غير عيسى عليه الصلاة والسلام، هو جواب في حق عيسى عليه الصلاة والسلام. وإلا للزم من ذلك ثبوت معنى الألوهية ليس في عيسى عليه الصلاة والسلام فحسب، بل كل من ذكر في حقه معنى المثال العلمي. وهذا يتناول عددا من الأنبياء والرسل. والقصة التي أشار إليها قصة المقوقس، وهو ملك النصارى بالإسكندرية بمصر، ذكرها البيهقي في دلائل النبوة. وهكذا كذلك فألا صححاني في دلائل النبوة، وأنها وقعت في زمن أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أرضاه. وأشار ابن كثير إلى أن إسنادها جيد، لكن وقفت على إسناد البيهقي والأصبهاني، ووجدت في هذه الأسانيد من لا يعرف. ولهذا قال الحافظ ابن حجر - كما في الفتح -: «إسناد الأصبهاني إشارة إلى إسناد الأصبهاني أنه ضعيف»، يعني لا يصح. وعلى تقدير صحته، فيكون مما يتخيله بعض الناس، فيرسمون الأنبياء رسما في الورق. وهذا كثير ومشهور عن أهل الكتاب، خصوصا النصارى، فإنهم مولعون برسم صور الصالحين والأنبياء، ويتخيلون ذلك من خلال ما يروى في كتب أهل الكتاب في ذلك. فالشاهد: هو يريد أن يقول أن هذه الصور، وأراد بهذا التنبيه لأنه ذكر في القصة أن هذه الصور ورثت عن النبي دانيال. فحتى لو قيل أنها ورثت، فلا يعني ذلك أنها يعني من الأنبياء، بل أنبياء لا يقرون هذه الصور. وإنما يكون مما صورها بعض أهل الكتاب. فالشاهد: وأراد أن يمثل بهذا على المثال العلمي، وأنواع وجود الأشياء، وأن ذلك لا يعني أن وجوده بمعنى الصورة - مثلا - يعني أن الذات حلت في موضع الصورة. وإنما هذا فقط عبارة عن مثال له. وأشار بعد ذلك بقوله: «أن الموجود أنواع وأنواع». فمنه ما هو موجود في الأعيان، أو الأذهان، أو اللسان، أو البنان. ويريد أنه منه ما هو موجود في الحقيقة، ومنه ما هو موجود في الذهن. فوجوده في الذهن ليس معنى أن ما في الحقيقة اختلط بالذهن. ووجوده في اللسان ليس معنى أن ما في الحقيقة اختلط باللسان. ولا وجوده كذلك في الخط والرسم، وما في القلب مما يتخيل. ولو كان بالصوت والصورة، يدل على أنه حصل شيء من المخالطة. وهذا سبق الكلام عليه من قبل. وأكثر الكلام هو بمعنى ما سبق، يعني ظاهر. وأما قوله: «ولهذا لما كان يقصد بذكر اسمه ذكر المسمى، صار يقول من يقول: إن الاسم هو المسمى». يريد أن بعض الناس عبر بهذا التعبير: «أن الاسم هو المسمى». فقد يحمل كلامه على أنه أراد المثال العلمي المتمثل في الاسم، وهو هذا اللفظ الملفوظ به، أو المكتوب، هو المسمى، أي: الذات الموجودة في الواقع. وكأنه يقول: ويعتذر أن هذا المعنى المروي عن بعض أهل الحق، هو بهذا التفصيل، يريدون المعنى العلمي، لا يريدون الذات. ولهذا فصل العلماء في قضية الاسم والمسمى، وهي من مسائل العقيدة، أن الصواب الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة: أن الاسم للمسمى. ولله الأسماء الحسنى. «إن لله تسعة وتسعين اسما». وأن ما سوى ذلك فهو خطأ، ليس بصواب. بل بعض الأقوال الأخرى: «الاسم عين المسمى»، «أو هو المسمى»، «أو ليس بالمسمى». هذه الأقوال خطأ. وبعضها مبني على عقائد فاسدة، إما عقائد الجهمية ومن تفرع منها، ممن ينفي الأسماء لله عز وجل، أو ما تضمنته من صفات. أو مبني على عقائد أهل الحلول والاتحاد. لكن من نقن عنه من أهل الحق: «أن الاسم هو للمسمى»، كما أشار شيخ الإسلام في مواضع أخرى: أن هذا روي عن بعض أهل الحق. فيكون تفسيره ومعناه هو هذا الذي أشار إليه هنا، أنهم أرادوا المثال العلمي، ولم يريدوا معنى الحلول والاتحاد الذي قالت به طوائف من أهل الضلال. وهذا مثله مثل قوله قبل ذلك في قول من يقول: «سبحاني». «سبحاني». فهذا قد يكون روي عن بعض المتقدمين من المتصوفة، وهم لم يريدوا معنى الحلول والاتحاد الذي قال به المتأخرون من المتصوفة. وإنما أرادوا معنى ما أشار إليه ها هنا، من حصول المعنى العلمي الذي أوجبه شدة الحب والتعظيم والتعلق. ومع أن هذه العبارات وأمثالها من التوسع في المثال العلمي، والتعلق كذلك بهذه الألفاظ ونحوها، هذا خطأ لم يكن من منهج السلف، ولا من تعبيرهم، ولا من اصطلاحاتهم. وإنما هو كما قال شيخ الإسلام نفسه رحمه الله: «هو من تعابير المولدين»، «هو من تعابير المولدين». يعني الإفراط بالحب، وذكر المقامات والمنازل، بالتوسع في ذكر الأشياء المعنوية. وإن زعموا أنهم يريدون المعنى العلمي، يعني جلاء الرب سبحانه وتعالى في القلوب وغير ذلك. لكن هذا لم يكن من منهج السلف، التوسع فيه والتساهل في بعض التعابير الموهمة المشكلة، لأن هذا يفضي إلى ما هو شر. وقد دلت الأدلة الشرعية على سد كل ذريعة توصل إلى ما هو محرم ومنهي عنه. وهذا منهم. فكأنه يقول: أن بعض ما دخل على بعض أهل الحلول والاتحاد، هو من عدم التفريق بين المثال العلمي والمثال الحسي. فكذلك النصارى. وأصل هذا كله في الحقيقة - كما أشار إليها هنا - دخل على الناس من قبيل بعض العقائد الفاسدة، من عقائد أهل الهند واليونان وغيرهم، مما فيه معنى الحلول والاتحاد الباطل. فصار بعض النصارى عندهم هذه العقيدة، ونسبوها إلى دين الله عز وجل، كذبا وزورا وخطأ. ومثلهم بعض ضلال المسلمين. فالخلاصة: هذا الفصل - كما أشار رحمه الله - لو قدر صحة هذا الكلام، يكون معناه على ما سبق من المثال العلمي. وليس فيه لا من قريب، ولا من بعيد، معنى الحلول والاتحاد. والله أعلم.