الصحيح المسند من دلائل النبوة  97

الصحيح المسند من دلائل النبوة 97

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 97، الدرس السابع والتسعون:من( فصل:في رميه صلى الله عليه وسلم بكف من حصى في وجوه الكفار ... وساق الحديث غير أن حديث يونس وحديث معمر أكثر منه وأتم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

رمي النبي بالحصى يوم حنين ودوره في المعركة

يروي مشهدًا من يوم حنين حيث رمى النبي صلى الله عليه وسلم الكفار بكف من حصى، فانهزموا، ويبين دور هذا الفعل في تغيير مجريات المعركة. يدل على سنة الله في الابتلاء والصراع بين الحق والباطل.

دروس وعبر من حادثة يوم حنين

يستخلص الدروس والعبر من حادثة رمي النبي صلى الله عليه وسلم الحصى، مثل أهمية الصبر والثبات وعدم التفرق عند النقص. يبين أهمية الاقتداء بالنبي في الشجاعة والإقدام وملازمة الأمير ونصرته.

ضوابط الطاعة وآداب الرد على المخالف

يحدد ضوابط الطاعة للخلق، حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويناقش أهمية الرد بأدب وحكمة لتجنب الخصومة والشقاق. يؤكد على ضرورة التوازن في التعامل عند مخالفة الآخرين.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله تعالى في كتابي «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال: «فصل في رميه صلى الله عليه وسلم بكف من حصى في وجوه الكفار». قال: قال مسلم رحمه الله: وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمر بن سرح، قال: أخبرنا ابن وهب -وهو عبد الله- قال: أخبرني يونس والأيلي عن ابن شهاب، ومحمد بن شهاب بن الزهري، قال: حدثني كثير بن العباس بن عبد المطلب، قال: قال العباس -يعني ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم-: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. فلما التقى المسلمون والكفار، ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض أو يركض بغلته قبل الكفار -يعني يقبل ولا يدبر-. قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلته أكفها إرادة أن لا تسرع -يعني يهدئها-. قال: وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي عباس، نادي أصحاب السمرة». فقال العباس -وكان رجلًا صيتًا- فقلت بأعلى صوتي -ومعنى صيتًا: أي مرتفع الصوت-: «أين أصحاب السمرة؟ أين أصحاب السمرة؟». قال: «فوالله، لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها» -ومعناه عطفة شديدة-. فكان ذلك النداء رادًا لهم أن يرجعوا إلى الجيش. قال: «فوالله، لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك». قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: «يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار». قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: «يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج». فنظـر رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو على بغلته كالمتطاول عليها- إلى قتالهم -ومعنى ذلك أنهم حمي عندهم القتال-. وكان حميه عند الأنصار ينادون: «يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار»، ثم صار على بني الحارث بن الخزرج -يعني على الخزرج من الأنصار خاصة-، ففي الأنصار الأوس والخزرج. قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم -هو على بغلته كالمتطاول عليها- إلى قتالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حينئذٍ، حين حمي الوطيس» -يعني اشتد القتال-. قال: ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات، فرماهم بهن وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا ورب محمد». قال: «فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى». قال: «فوالله، ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا» -ومعناه: أنه لما رماهم بالحصى ضعف قتالهم، فصارت الغلبة للمسلمين-. قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع، وعبد بن حميد -جميعًا- والقائل الإمام مسلم رحمه الله، قال: عن عبد الرزاق -وهو الصنعاني- قال: أخبرنا معمر -وهو بن راشد- عن الزهري بهذا الإسناد نحوه، غير أنه قال: فروى بن نعامة الجذامي، وقال: «انهزموا ورب الكعبة». وزاد في الحديث: «حتى هزمهم الله». قال: «وكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على بغلته». قال: وحدثنا ابن أبي عمر -هو العدني- قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، قال: أخبرني كثير بن العباس عن أبيه -يعني العباس بن عبد المطلب- قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وساق الحديث. غير أن حديث يونس وحديث معمر أكثر منه وأتم -ومعناه: روياه هنا مختصرًا، وفي رواية يونس التي قرأناها مطولة، ومعمر التي أشار إلى إسنادها وهي بمعنى حديث يونس، وفيه السياق بطوله-. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث، وهو يشير بهذا إلى موضع آخر من مواضع الاستدلال بما كان من سيرته عليه الصلاة والسلام مما فيه دليل من دلائل نبوته وصدق رسالته. وهذا هو فيما يتعلق برميه عليه الصلاة والسلام الكفار بالحصى فيصيبهم ويضعف أمرهم. وهذا وقع مرات وفي مواقع، وسيأتي معنا إن شاء الله شيئًا من ذلك. فمن ذلكم الشيء ما وقع يوم حنين، فإنه اشتد القتال بين المسلمين والكفار حتى أن المسلمين أصابهم ما أصابهم في أول القتال، كما أخبر الله عز وجل عنه بكتابه، وهكذا كذلك في أحاديث كثيرة، ومنها هذا الحديث. ثم إن الله عز وجل جعل الغلبة بعد ذلك للمسلمين، وكان لها أسباب، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بالحصى في وجوه الكفار، فما من رجل منهم إلا أصابه شيء منه، فكان في ذلك ضعفهم وإدبارهم عن القتال. وهذا الأمر نؤمن به كما جاء في هذه الأحاديث، وهو حق وصدق تكلم به من زكاهم الله من فوق سبع سماوات وأثنى عليهم ورضي عنهم، وهم الصحابة الأخيار رضي الله عنهم أرضاهم. وليس هذا على الله بعزيز، وهو على كل شيء قدير، فإنه يعذب طوائف من أمته بأصناف العذاب، فكل من في السماوات والأرض من جنده، وهو إذا شاء قال للشيء: «فيكون». فعذب قومًا بالمطر، وآخرين بالريح، وآخرين بالزلزال، وآخرين بأنواع من دواب الأرض، ولا مانع أن يكون بعض من يصيب الأعداء بما يكون من رمي الحصى في وجوههم، فيصل بعض ذلك الحصى إلى من يشاء الله، فيكون بذلك ضعفهم وإدبارهم، وعند ذلك تكون الهزيمة بورود المسلمين عليهم. وهذا الحديث كما ترون، الشاهد منه في آخره حين رمى النبي صلى الله عليه وسلم الحصى في وجوه الكفار. وفي الحديث مسائل أخرى، وقد مر معنا معناه، فعلى وجه الاختصار في هذا الحديث من المسائل: سنة الله عز وجل في الابتلاء، فإن الله عز وجل يبتل أهل الإيمان بأنواع البلاء، ومن ذلك ما يمتحنهم بمثل هذه المواقف التي يكون فيها الامتحان. وفيه سنة الله عز وجل في الصراع بين أهل الحق والباطل، فالله عز وجل قادر على أن ينصر أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام من دون قتال، وهو الذي إذا أراد شيئًا قال له: «كن فيكون». ولكن لله حكمة بأن يجري قضاءه وقدره بما فيه من الامتحان والابتلاء والصراع بين أهل الحق والباطل، بما يكون به تأييد المؤمنين وابتلاؤهم في بعض الأحيان. وفي هذا حكم كثيرة، يجعل الله عز وجل فيها آيات في الدنيا قبل الآخرة. وإذا كان هذا في حق النبي عليه الصلاة والسلام، فمن دونه من باب أولى أن يوطن نفسه على مثل ذلك، لأن من سنة الله عز وجل أن يكون النصر ليس بالراحة والرغد، ولكنه بما يكون من صراع أهل الباطل بالحجة والبرهان، وبالسيف والسنان. فلا يظن الظان أن نصر الله يأتي من دون أسبابه، ومن أسبابه الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، بل لا بد من مثل ذلك حكمًا من الله عز وجل. ومن مسائله كذلك: ما يجب أن يوطن عليه المسلمون أنفسهم من الصبر والثبات وعدم النفور عن الحق، سواء كان في شيء علمي أو كان في شيء عملي، ومن ذلك الجهاد في سبيل الله. وفيه كذلك: أن النقص قد يقع والتقصير، وعند ذلك لا ينبغي فعل ما يكون به التفرق، بل ينبغي فعل ما يكون به الاجتماع والحث على إصلاح ذلك النقص والتقصير، ومن ذلك التشجيع والتذكير بما يكون به قوة النفس والرجوع للحق. فنادى النبي صلى الله عليه وسلم أمر من ينادي: «يا أصحاب السمرة». وفي هذا تذكير بفضل الله عز وجل على أهل هذه الطائفة التي وفقت للبيعة، والمراد بها والله أعلم: بيعة الرضوان، أصحاب السمرة: أي أصحاب بيعة الرضوان. فكان في هذا تذكير لهم بما أخذ عليهم من العهد والميثاق، فكان هذا سببًا في رجوعهم وعطفهم كعطف البقر على أولادها. وهكذا كذلك في كل مقام يذكر الناس بما يكون حاثًا لهم للرجوع إلى الحق، وكذلك التشجيع لهم في الإقدام عليه. وفيه من المسائل كذلك: جواز الاستعانة بالأسباب المباحة، ولو كانت ليس فيها الصلة بمعنى من المعاني التعبدية، ما دام لا يخالف الشرع فهو مباح. ومن ذلك مثلًا: تقسيم الجيش إلى طوائف وقبائل، ويكون على كل قبيلة أمير، والجميع تحت أمير واحد. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فيخرج الأنصار، والأنصار الأوس والخزرج، ويخرج المهاجرون، وعلى المهاجرين كذلك أمراء. وفي هذا مصالح، خصوصًا إذا أحسن الأمير العام انتقاء الأمراء، فإنه أعرف بمن تحت يده من رعيته، بخلاف الخليط، فإن الخليط يدخل فيه الدخن. لكن إذا كان على هذا التمييز حصل معنى التنقية والتصفية، فإنه يحسن أمير أمثال هؤلاء أن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، لكثرة خبرته ومعرفته بأصحابه، بخلاف ما إذا كان خليطًا، فإنه لا يميز الكفاءات، فضلًا عن الأمانة والدين وقوته. وفيه من المسائل كذلك: ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من الشجاعة والإقدام. وهذا مثل ينبغي أن يحتدى لكل من اقتدى به عليه الصلاة والسلام، سواء في العلم، فينبغي أن يكون حملة العلم محل قدوة، أو كان كذلك في الإمارة والولاية، فينبغي أن يكون أرباب الإمارات والولايات أهل قدوة، قدوة بأقوالهم، وقدوة كذلك بأعمالهم. فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام أشجع الناس، فهو أقبل على الكفار في حين نفور من نفر وإدبار من أدبر. وهذا يدل على شجاعة عالية. وهكذا ينبغي أن يكون أهل الحق، فنبينا عليه الصلاة والسلام هو الأسوة الحسنة في جميع الأبواب. وصدق الله إذ يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وفيه كذلك من المسائل: ما ينبغي من ملازمة الأمير ونصرته وتأييده، ولزوم مكانه، فإن ذلك سبب لحماية الجيش. وما أكثر ما يقع أمر الهزيمة بانهزام الأمير. وقد كان خيار الصحابة رضي الله عنهم يلازمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه، أولًا لما فيه من شدة القتال، فكان أشدهم أقربهم منه. وهذا يدفعهم إليه حبهم في نصرة هذا الدين والدفاع عن حياضه. والمعنى الثاني: حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكل المعنيين محل اقتداء واعتبار. ينبغي الإنسان أن يكون في هذا المقام يسلك المسلك الوسط، فلا إفراط ولا تفريط. الإكثار من ذكر هادم اللذات حث عليه الشرع، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ليس إلى حد أن يضيع الإنسان الحقوق وينشغل عما ينبغي أن يشغل نفسه به. فالأمر في هذا وسط، والمقصود من التذكر هو الاتعاظ والاعتبار بما يكون إصلاحًا للأعمال، لا تعطيل الأعمال. حتى طلب العلم المقصود منه هو الوصول إلى العمل الصالح، فالعلم شجرة والعمل ثمرة، فإذا صار العلم سببًا لعدم العمل، فلا خير في هذا العلم، لأن المقصود من العلم هو الوصول إلى العمل الصالح. فكذلك تذكر الموت والآخرة والاتعاض بأحوال أهل القبور، المقصود منه هو إصلاح الأعمال وإصلاح الباطن والظاهر والاجتهاد في الخير، ليس معناه أن يبقى الإنسان حزينًا مهمومًا مغمومًا ويعيش في خيالات، فيضيع حقوق الأسرة ويضيع كذلك سائر الحقوق الأخرى، وربما يبقى حياته كلها أوهامًا وخيالات وغير ذلك من الخواطر التي لا تنقطع، هذا خطأ. وليس هذا هو المقصود من تذكر الموت، ولكن المقصود كما سمعت هو أن يكون عونًا لك لعدم الغفلة والركون إلى الدنيا، وأن تجتهد أكثر في أداء الحقوق التي أمرت بها، سواء ما كان من حق الله، ومنه عبادته وطاعته، ومنه طلب العلم، أو كان من حق المخلوقين، من الوالدين والأبناء والزوجة والأقرب فالأقرب. فالأمر وسط، بارك الله فيكم. فإذا استرسلت في هذا الاسترسال الذي يبعدك عن العلم والعمل، فهذا من مداخل الشيطان. وأما إذا أعانك على الاجتهاد في العلم والعمل، فهذا حسن. وبهذا تستطيع أن تميز هل ما أنت عليه صواب أم خطأ. لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكن بأدب رد هذا بأدب وبحسن تصرف وحكمة، بما يكون معه إعذارك واحترام موقفك. وأما إذا كان بقلة أدب وبذلك جرأة، فهذا يستدعي الخصومة والشقاق وغير ذلك من الفتن. والأمر وسط، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.