أحكام العمرة وصفتها 1

أحكام العمرة وصفتها 1

الدرس في أحكام العمرة وصفتها 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب العمرة وأحكامها العامة

العمرة واجبة على المسلم المستطيع وتشترط وجود محرم للمرأة. يجب على المسلم أداؤها عند توافر الشروط.

فضل الحج والعمرة واستحباب الإكثار منهما

الحج والعمرة لهما فضل عظيم ويستحب الإكثار منهما، خاصة العمرة في رمضان. النبي صلى الله عليه وسلم ربط بينهما وبين الجهاد.

أحكام العمرة في رمضان وفضلها

العمرة في رمضان لها فضل كبير وتستحب. هناك أحكام خاصة بها مثل جواز الفطر للمسافر ومراعاة الحالة الصحية.

حكم الصيام أثناء العمرة للمسافر

يفضل الإفطار أثناء العمرة إذا كان الصيام يشق، ويجوز الصيام إذا لم يكن هناك مشقة. هناك استدلال بفعل النبي صلى الله عليه وسلم لاستحباب الصيام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. هذا الوقت، كما قد سمعتم، نجعله إن شاء الله في مذاكرة صفة العمرة، خصوصًا في رمضان، وذلك لتهيئة الكثير من إخواننا للذهاب للعمرة، وهكذا بعض الآباء والأخوات، فناسب أن يذكر بذلك، وأن نتدارس شيئًا من أحكام هذه العمرة. وهذا كان من بعض هدي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه يعلم الناس ويدافِعُهم العلم الذي يحتاجون بحسبه، فقد ثبت في الصحيح في حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قعد في المسجد يعلم الناس أحكام الحج حين عزم في عام حجته عليه الصلاة والسلام على الحج. حتى بوّب البخاري رحمه الله تعالى في كتاب العلم بابًا يدل على ذلك، أي على من جلس في المسجد يعلم الناس العلم ويجيب عن أسئلة الناس، وذكر ذلك الحديث في سؤال الرجل: ماذا يلبس المحرم؟ الحديث، ونتذاكر كما قلنا في هذه اللحظات شيئًا من هذه الأحكام. أول ذلك أن نعلم أن العمرة فريضة من الفرائض التي فرضها ربنا عز وجل على المسلمين كما فرض الحج. فإن العمرة واجبة كوجوب الحج، يجب على كل مسلم أن يعتمر إذا كان لم يحج، فالعمرة واجبة كما أن الحج واجب. ومن قرن العمرة بالحج كمن حج متمتعًا أو قارنًا، سقط عنه ذلك من الوجوب. ويدل عليه أدلة من هذه الأدلة ما جاء في أحد روايات قصة جبريل عليه الصلاة والسلام، وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر، أو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي مسلم من حديث ابن عمر، عن أبيه عمر. وجاء في رواية ابن خزيمة في حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «به وأنت تحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء وتصوم رمضان»، فقال السائل: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «نعم»، فقال: «صدقت». وجاء كذلك في حديث ابن رزين، وذكره شيخنا رحمه الله في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، وهو رجل من بني عامر، أنه أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة والضعن -يعني السفر- ما يستطيع السفر ولا يستطيع الحج والعمرة. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «احجج عن أبيك واعتمر»، احجج عن أبيك واعتمر. فدل هذان الحديثان على وجوب العمرة، وهي تجب على كل مسلم بالغ عاقل مستطيع. فهي لا تقبل من الكافر ولا المشرك ولا المرتد، لو عمل ما عمل ما دام كافرًا أو مشركًا أو مرتدًا، ما قبلت منه أعماله، ومن ذلك العمرة، كما قال الله عز وجل: ﴿ولو أشركوه لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾، وكما قال ربنا عز وجل: ﴿وما منعهم من تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله﴾. وهكذا كذلك تجب على البالغ العاقل، ومعناه أن غير البالغ العاقل لا تجب عليه، وإذا فعلت له فإنها تقبل، لحديث المرأة كما في الصحيح الذي رفعت الصبي، فقالت: يا رسول الله، ألي هذا حج؟ قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «نعم، ولك أجر»، ومعناه أن حج الصغير مقبول، ولكنه لا يجزئه عن حجة الإسلام. وعمرة الصبي مقبولة، ولكنها لا تجزئه عن عمرة الإسلام، وهو يحتاج إلى تجديد حج وعمرة، أو حج مع عمرة إذا بلغ، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة، ومنهم الصبي حتى يحتلم». وهكذا كذلك المجنون لا يصح منه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الحديث، حديث ابن عباس، وجاء عن علي كذلك بمعناه: «المجنون حتى يفيق»، وهكذا المستطيع، لقول الله عز وجل: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾. فمن كان مستطيعًا وجب عليه الحج والعمرة، ومن لم يكن مستطيعًا فلا يجب عليه. وهنا ننبه إلى معنى الاستطاعة، فإن الاستطاعة ليست هي المال، بل هي المال والصحة والإمكان. فمن ذلك أن المريض لا يجب عليه، ولكنه ينوب كما في حديث أبي رزين المتقدم، وفي حديث المرأة القعنبية كذلك بمعناه. وهكذا كذلك إذا حصل ما يمنع الإنسان من الحج والعمرة، فإنه يوكل إن كان يستطيع التوكيل، وإن كان لا يستطيع لعدم وجود المال، فلا شيء عليه. ومن ذلك كذلك أن المرأة لا يجوز لها أن تذهب إلى الحج والعمرة بدون محرم، بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث عبد الله بن عباس، وفي البخاري وغيره: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها». وجاء معناه عن عدد من الصحابة: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها». ولهذا كان القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن من شروط وجوب العمرة والحج على المرأة أنها تكون عندها محرم. فإذا كان ليس عندها محرم يوصلها، أو محرم ولا يستطيع، أو لا تستطيع هي نفقة المحرم، فإنه لا يجب عليها الحج والعمرة. وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تذهب من دون محرم، فهي تأثم إذا فعلت ذلك، فضلًا عن أن يدعى أنها تأثم إذا لم تذهب للحج والعمرة، بل هي لا يجب عليها لعدم وجود المحرم. وهنا ننبه لشيء يذكره بعض الشافعية، وللأسف، وهو خطأ، يزعمون أنه يجوز للمرأة أن تذهب مع جماعة النساء، ولو لم يكن معها محرم، إذا كان بعض النساء عندهن محرم، ويستدلون على ذلك بحديث في البخاري أن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرجنا في عهد عمر مع عثمان للحج، إذ أمر عثمان -إذ أمر عمر عثمان- على الحج، فخرجنا معه، رضي الله عنهن. وقد أجاب العلماء عن هذا الحديث بأنه ليس فيه صراحة أن النساء اللواتي خرجن ليس معهن محرم، وما وقع فيه الاحتمال بطلا به الاستدلال. وكذلك يضاف أنه قد جاء في رواية أن عائشة رضي الله عنها خرج معها ابن الزبير، فهو محرمها لأنه ابن أختها. فإذا كان كذلك، لا مانع من أن يكون النساء الأخريات كذلك معهن محارمهن، وهذا الظن الحسن لهؤلاء الصحابيات. ولو قدر أنهن فعلن ذلك، لكان خطأً لا يوافق عليه. وكيف وهو ليس صريحًا؟ لماذا نقول: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها». وجاء في بعض روايات هذا الحديث أن سببه أن امرأة أرادت الحج، وزوجها قد اكتتب في الجهاد في غزوة من الغزوات، فأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يحجج امرأته، وذكر هذا الحديث. فإذا كان الجهاد في سبيل الله الذي هو واجب، أخره عن هذا الرجل لأجل أن يحجج امرأته، دل ذلك على وجوب سفر المرأة مع المحرم. وهكذا جاء كذلك في حديث عبد الله بن عباس خارج الصحيح هذا المعنى في قصة الرجل الذي أراد الحج، وأرادت امرأته الحج، فأمره أن يحج بها. فهذه الأحاديث وغيرها كثير يدل على أن المرأة لا يجوز لها أن تسافر إلا مع ذي محرم منها. ومن المسائل كذلك التي ينبه عليها في هذا المقام أن الحج والعمرة من أفضل الأعمال، ليس فقط هو فريضة، بل هو من الأعمال الحسنة العظيمة الفاضلة التي رغب فيها وحث المسلم على الاستكثار منها. فصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال، كما جاء عند أحمد وغيره من حديث عبد الله بن مسعود: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة». وجاء معناه من حديث عمر، ومن حديث عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهي أحاديث صحيحة. فتدل أولًا على فضيلة الحج والعمرة، وتدل ثانيًا على فضيلة واستحباب المتابعة -يعني الإكثار- منها في كل سنة إذا استطاع الإنسان المتابعة فيهما. ويدل ثالثًا أنهما سببا لتكفير الذنوب الخطايا، ويدل رابعًا أنه سبب كذلك لإزالة الفقر، كما صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجاء بصريح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». ويدل ذلك على فضيلة هذه العمرة. وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، والعمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». وهكذا كذلك جعله نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أفضل الأعمال، حتى أنه صار يقرن بالجهاد في سبيل الله. ففي الصحيح المسند لشيخنا رحمه الله تعالى في مسند أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «حج الكبير والضعيف والمرأة، أو قال: جهاد -جهاد الكبير والضعيف والمرأة- الحج والعمرة، جهاد الكبير والضعيف والمرأة، الحج والعمرة». ومعناه أن الحج والعمرة من الجهاد في سبيل الله. وجاء قريبًا منه حديث عمر بن عبسة رضي الله تعالى عنه الذي رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن يسلم لله قلبك، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك». قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: «الإيمان»، قال: وما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت»، قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: «الهجرة»، قال: وما الهجرة؟ قال: «ترك السوء»، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: «الجهاد»، قال: وما الجهاد؟ قال: «الجهاد أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم»، قال: فأي الجهاد أفضل؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أن يعقر جوادك ويُهراق دمك -أن يعقر جوادك ويُهراق دمك-». ثم قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثم عملان فاضلان هما من أفضل الأعمال، إلا لمن عمل بمثلهما: الحج المبرور والعمرة المبرورة». انظر: قرن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذان العملان بالجهاد في سبيل الله. قال: «ثم عملان فاضلان هما من أفضل الأعمال، إلا لمن عمل بمثلهما: الحج المبرور والعمرة المبرورة». وجاء عن ابن سعيد عند ابن حبان والبيهقي بإسناد حسن، ويحسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قال الله عز وجل: إن عبدًا صححت له جسمه ووسعت له في المعيشة، ثم تمر عليه خمسة أعوام لا يفد إليَّ لمحروم». قال علي بن المنذر عند ذكر هذا الحديث: «وحدثنا أصحابنا أن الحسن بن حيي كان يعجبه هذا الحديث ويكثر من التحديث به، ويقول: لا ينبغي لمسلم بلغه هذا الحديث أن تمر عليه خمسة أعوام إلا ويفد -أو قال: لا ينبغي أن يترك- بعد إذ بلغه هذا الحديث إلا ويفد في خمسة أعوام». ويدل هذا الحديث على أن من شكر نعمة الله عز وجل عليك في صحتك، وفي كذلك يسر معيشتك، أن تفد إلى البيت الحرام، ولو على أقل الأحوال في كل خمس سنوات مرة، ولو على أقل الأحوال في كل خمس سنوات مرة. ومما يذكر كذلك أن أفضل العمرة عمرة في رمضان، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «عمرة في رمضان كحجة»، وفي رواية لمسلم: «كحجة معي». وفي صحيح البخاري كذلك من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «عمرة في رمضان كحجة». وفي صحيح مسلم بقصة أم سنان أنها تخلفت عن الحج مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسألها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالت: إنه ليس لنا إلا ناضحان -ناضح يعني بعير وجمل-. قالت: ناضح حج عليه أبو ولدي وولدي، وناضح ننضح عليه -يعني ما عندنا شيء آخر- فقال: «فاعتمري، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة -فإن عمرة في رمضان تعدل حجة معي-». وفي رواية: «تعدل حجة معي». وعند ابن حبان بإسناد صحيح، وصححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل أم سليم عن تدللها في الحج، فأخبرته بنحو ما أخبرته أم سنان أنها لم تستطع، ليس عندهم ما يستطيعون، قد ذهب زوجها وولدها. فقال لها: «ألا أدلك على شيء مثل ذلك أو نحو ذلك؟ قال: عمرة في رمضان تعدل حجة معي، عمرة في رمضان تعدل حجة معي». وجاء في حديث عبد الله بن عباس في السنن، وذكره شيخنا رحمه الله في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، أن رجلًا عزم على الحج مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالت له امرأته: احجج بي معك. فقال لها: ليس لي ما أحملك عليه، فقالت: جملك فلان، فقال: إنه قد احتبس في سبيل الله، فإني احتبسته في سبيل الله. فقالت، رضي الله عنها: أما إنك لو حججتني به لكان ذلك من سبيل الله، واسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبلغه مني السلام. فسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «بلغ امرأتك مني السلام عليها السلام ورحمة الله»، قال: «وإنه لمن سبيل الله، أما إنك لو أخذتها على جملك فلان لكان من سبيل الله»، وأخبرها أن عمرة في رمضان تعجل حجة. وجاء كذلك عند أحمد وغيره من حديث معقل بن يسار، أو من حديث أبي معقل، أنه أراد أن يحج، وذكر نحو قصة حديث عبد الله بن عباس. قال المنذري رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الحديث فيه فضيلة العمرة في رمضان: «ويقال لأبي معقل: أم طليق، وأبو طليق»، والشاهد من هذه الأحاديث وهذه الطرق تدلنا على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكد فضيلة العمرة في رمضان في أحاديث كثيرة. أكد فضيلة العمرة في رمضان في أحاديث كثيرة، فإن دل ذلك على شيء، دل ذلك على أهميتها، وكذلك عظيم أجر العمرة في رمضان. ولهذا كان سلفنا رضي الله عنهم ورحمهم الله يحرصون عليها أشد الحرص. قال بعض أهل العلم: ومن مزايا فضيلة العمرة في رمضان أمور، أولها: جمع خصال الخير في هذا الشهر، ومضاعفة الأجور فيه. ومنها كذلك أن صاحبه في الغالب يستجمع قلبه على الله عز وجل، ما لا يكون في غيره من الشهور. فإن الصائم والقائم والمقبل على العمرة في رمضان يكون عنده من صحتي وصدق التوجه إلى الله عز وجل ما لا يكون في غيره من الشهور، فهي إعانة من الله عز وجل للعبد. وهكذا كذلك من المزايا أن العمرة في رمضان فيها من الجهد والتعب والنصب، وكذلك شدة الصبر مع الصيام وغيره، ما لا يكون في غيره من الشهور. فذلك وغيره من الأمور الأخرى كانت من الأسباب التي يكون بها الأجر العظيم الذي سمعنا. ومما يذكر من أحكام العمرة في رمضان أننا ينبغي أن نعلم أولًا أن الله عز وجل قد رخص للمسافر في سفره للفطر. فإن من أحكام العمرة في رمضان أن يراعي المعتمر مصلحته، وكذلك حاله مع الصيام في هذه العمرة. فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الصيام في السفر على ثلاثة مراتب: مرتبة أولى ليس فيها مشقة، ولا كذلك تعب ولا نصب، يرخص به الفطر، ويستحب به الصيام، لما جاء من الأحاديث الكثيرة التي تدل على ذلك. ومنها حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي جاء في الصحيحين قال: «وما منا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعبد الله بن رواحة». وحديث كذلك أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في يوم حار، فسقط الصوم، وقام المفطرون إلى آخره. وفيه كذلك أن الصيام يشرع في السفر، فإذا لم يكن مشقة، فهو يستحب لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإقراره. والمرتبة الثانية: إذا كان فيه مشقة تضر بالصائم، فهنا يستحب الفطر، بل قد يجب إذا كان في ذلك مضر عليه، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر». والمرتبة الثالثة: إذا وجدت مشقة، لكن المشقة لا تصل إلى حد الضرر، فهنا يستحب الفطر. وإذا كان يستطيع أن يتحمل بدون ضرر، فيجوز الصيام. وهذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث المتقدمة. ومما ينبه عليه كذلك أن العلماء نبهوا على مسألة مهمة يحتاجها المعتمر في سفر عمرته، وهو ما نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين أمر بعض أصحابه بالفطر في غزوة من الغزوات، فتأخروا بذلك، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة». الحديث، استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على أنه إذا عارض الصيام في السفر خصوصًا طاعة من الطاعات، فإنه ينبغي أن تقدم الطاعة على الصيام، لأن الصيام قد رخص بالفطر فيه. بل استدل به على أنه إذا كان الصيام سيؤدي إلى مفسدة ومضرة، فإنه يجوز الفطر، ولو كان في الحضر، ليس فقط في السفر. فإن الهزيمة وغلبة الأعداء من الأمور العظيمة، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم بالفطر، أمرهم بالفطر لأجل التقوي على الأعداء. قال رحمه الله: وهذا المقصد مطلوب حتى في الحضر، فلهذا صح عنه رحمه الله أنه أمر بعض الناس في أيام الفتنة بالفطر في نهار رمضان، ولو كانوا في الحضر، لأجل التقوي على دفع ومقاتلة هؤلاء الأعداء. وعلى هذا فالمعتمر قد يقول: أنا أستطيع أن أصوم في سفري العمرة، وفي أثناء أداء العمرة، ولكن اسأل نفسك: هل ستؤدي العمرة وأنت نشيط، وأنت كذلك مقبل محب لهذه العبادة، وهذا النسق؟ أم ستؤديها كالحمل الثقيل الذي تشرع فيه عن ظارك تريد أن تتخلص منه في أقرب وأسرع وقت؟ فإن كان الثاني، فليس من السنة على هذه النصوص التي سمعناها أن تؤدي العمرة وأنت صائم، بل السنة أن تؤديها وأنت مفطر، لأن الفطر في هذه الحالة سيعينك على أداء هذه العمرة على أحسن ما يكون من الأحوال التي بها يعظم لك الأجر، ويحصل لك المقصود. فأنت تعبت من بلد بعيد، وبدلت المال الكثير، وتعديت ونصبت، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث عائشة: «إنما أجرك على قدر نصبك ونفقتك». إذن أنت تبدل وتنفق وتنصب وتتعب، ليس لأجل أن تؤدي العمرة في عشر دقائق، أو نصف ساعة، أو ساعة، والمقصود من ذلك هو التخلص من عبء العمرة، لأنك منهك ومتعب، ولا تستطيع أن تسعى، ولا تستطيع أن ترمل، ولا تستطيع أن تتأخر في دعاء، ولا غير ذلك مما هو من أعمال العمرة. فإذا كان كذلك، فالأفضل لا شك أنك تفطر في عمرتك، لأجل أن تؤدي العمرة على أحسن ما يكون، بخلاف ما إذا كنت قد ارتحت بسفرك، أو ارتحت قبل عمرتك، وتهيأت براحة لا يكون معها مشقة في أداء العمرة مع الصيام، فإنه لا شك أن هذا جائز. ونرجع إلى ما سبق من أن الصيام في السفر إذا لم يكن فيه مشقة، ففيه خلاف، والصحيح أنه يستحب، لأنه أبرأ للذمة، ولأنه فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، نقف عند هذا الحج، ونكمل إن شاء الله بقية الأحكام في يوم غد، وذلك لأجل أن لا نشق على الإخوة، فنقسم هذا الدرس. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.