الدرس في كتاب النذر 1، كتاب النذر . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
النذر هو إلزام النفس بالتعبد لله ويصح إذا كان قربة، وينقسم إلى خمسة أقسام لكل قسم أحكامه. هذه الأقسام تشمل نذر مطلق، نذر اللجاج والغضب، نذر المعصية، النذر المباح، ونذر التبرر.
نذر المعصية لا يجوز ولا ينعقد، مثل التفريق بين الأولاد أو الورثة، والنذر على القبور يعتبر معصية وذريعة للشرك. يجب كفارة اليمين إذا صح الحديث في ذلك، ويمكن تحويل النذر إلى طاعة إذا خشي الفتنة.
النبي لم يأمر الرجل الذي نذر البقاء في الشمس دون استظلال أو تكلم بكفارة، مما يدل على عدم انعقاد مثل هذا النذر. يؤيده حديث "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: «كتاب النذر» قال: «إنما يصح إذا ابتغي به وجه الله، فلابد أن يكون قربة، ولا نذر في معصية الله». ومن النذر في المعصية ما فيه مخالفة للتسوية بين الأولاد أو مفاضلة بين الورثة، مخالفة لما شرعه الله. ومنه النذر على القبور، وعلى ما لم يأذن به الله. ومن أوجب على نفسه فعلًا لم يشرعه الله لم يجب عليه. وكذلك إن كان مما شرعه الله وهو لا يطيقه. ومن نذر نذرًا لم يسمه، أو كان معصية، أو لا يطيقه، فعليه كفارة يمين. ومن نذر بقربة وهو مشرك، ثم أسلم، لزمه الوفاء. ولا ينفذ النذر إلا من الثلث. وإذا مات الناذر بقربة، ففعلها عنه ولده، أجزأه ذلك. هذه مجموعة من المسائل ذكرها -رحمه الله تعالى- في هذا الموضع، تتعلق بأحكام النذر. فقال: «كتاب النذر» أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام النذر. والنذر هو إلزام النفس بالتعبد لله، بإلزام النفس بشيء يفعله. وهذا النذر منه ما هو طاعة، ومنه ما هو معصية، على ما سيأتي تفصيله. وبتتبع أنواع النذر وأقسامه في الشرع، وعرف الناس، وجد العلماء أنه خمسة أقسام. قسم منه نذر مطلق، وهو النذر الذي لم تحصل فيه تسمية، مثل أن يقول: «لله علي نذر»، ولم يسم شيءًا. فما كان كذلك -كما سيأتي إن شاء الله- ففيه كفارة اليمين، لحديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه- بصحيح مسلم: «كفارة النذر كفارة يمين». والثاني من أقسام النذر: نذر اللجاج والغضب، وهو النذر الذي يطلق أو يتلفظ به المتلفظ، ويعلقه بقصد المنع أو التصديق أو التكذيب. وهذا -كما سيأتي معنا إن شاء الله- الصحيح فيه التفصيل، فينظر ما هو الذي يحبه الله فيتتبعه. فإن كان بإمضاء النذر أمضاه، وإن كان بعدم إمضاء النذر كفر كفارة يمين. وإن كان في مباح أو ما لا إثم فيه، فهو فيه مخير بين فعله أو تركه، أو تركه والتكفير بكفارة يمين. والثالث من النذر: ما كان من نذر فيه معصية الله، كمن نذر أن يشرب الخمر أو الدخان، فهذا نذر فيه معصية، فلا يجوز الوفاء به. وهل فيه كفارة؟ فيه خلاف سيأتي الكلام عليه إن شاء الله. والرابع من أقسام النذر: النذر المباح، كمن نذر أن يلبس ثوبًا أو يدخل دارًا، ونحو ذلك. وهذا كذلك على إباحته في الوفاء بنذره، ما لم يتعلق به شيء مما يلحق هذا المباح بشيء. فإن تعلق به واجب ألحق بالواجب، أو تعلق به حرام ألحق بالحرام، وهكذا. فإن كان على إباحته، فهو مخير. فهو ملزم بفعله ما لم يعترض عليه شيء لم يستطع معه، فيكفر كفارة يمين. والخامس من أقسام النذر: وهو الذي تدور عليه أكثر الأحكام، ما يسميه الفقهاء بنذر التبرر، أي ما كان في البر. وهذا ينقسم إلى قسمين: مطلق ومعلق. المعلق مثل أن يقول: «علي كذا وكذا إن شفى الله مريضي». والمطلق أن يقول: «علي كذا وكذا» دون هذا القيد. فالأول -على القول الصحيح- مكروه، لما سيأتي من أحاديث، منها ما هي مطلقة، نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن النذر. ووجه الكراهة أنه -أي هذا الناذر- ألزم نفسه بشيء لم يلزمه الله، وهو لا يدري لعلّه لا يستطيع الوفاء بهذا الإلزام، فكان في عدم نذره فسحة وغنًى عن أن يدخل نفسه في الحرج. ولكن لما ألزم نفسه بما لم يلزمه الله، لزمه ذلك وفاء بما نذر به. ولهذا يقول العلماء: «النذر أوله بين الإباحة والمكروه، وبعد الدخول فيه يصير الوفاء به واجبًا» يعني إذا لم يكن في معصية. وأما المعلق أو المشروط، فهذا باتفاق -أو بقولي أكثر أهل العلم- أنه مكروه. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه أشد من ذلك، فكراهته كراهة تحريم. ووجه ذلك أن صاحبه أساء الأدب مع الله، فعامل ربه جل وعلا بالمقايضة، كأنه يقول: «لا أطيعك إلا أن تعطيني»، كأنه يقول: «لا أعطي حتى أعطى». وهذا كذلك معنى من معاني البخل، كما جاء في الحديث: «نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن النذر، وقال: إنه لا يرد شيئًا، وإنما يستخرج به من مال البخيل». يعني فيمن ينذر نذرًا مشروطًا ومعلقًا: «إن شفى الله مريضي فعلت كذا وكذا، أو تصدقت بكذا وكذا». فهذا النوع مكروه. وذهب بعض أهل العلم أن كراهته كراهة التحريم، يعني أشد من الكراهة التنزيهية. ثم قال -رحمه الله-: «إنما يصح إذا ابتغي به وجه الله، فلابد أن يكون قربة». ومعنى أن النذر لا ينبغي أن يكون في غير الطاعة والقربة. ومر معنى أنه قد يأتي في غير الطاعة والقربة. فإن كان في معصية، فلا يجوز الوفاء بالنذر. وإن كان في مباح أو في شيء مما قد يصدر في الغضب، يراد به التصديق والتكذيب أو المنع، فإن لم يمضه كفر كفارة يمين. «كفارة النذر كفارة يمين». وأشار بالشرح إلى حديث ابن عمر في الصحيحين، ونحوه من حديث أبي هريرة: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن النذر، وقال: إنه لا يرد شيئًا، إنما يستخرج به من مال البخيل». وهذا يحمل على النذر المشروط والمعلق. وحمله بعضهم على كل نذر، خصوصًا رواية: «نهى عن النذر» من دون هذا القيد. وحديث عائشة -رضي الله عنها- كذلك عند البخاري وغيره: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصه فلا يعصه». ومعنى أن النذر يكون في الطاعة لا في المعصية. وسأتي معنا إن شاء الله كذلك حديث ثابت بن الضحاك نحوه. ثم قال -رحمه الله-: «ولا نذر في معصية الله». ومن النذر في المعصية ما فيه مخالفة للتسوية بين الأولاد، أو مفاضلة بين الورثة، مخالفة لما شرعه الله. يعني من معاني النذر -من معاني النذر في المعصية- أن ينذر بما يكون فيه معنى الوصول إلى المخالفة الشرعية، كعدم العدل بين الأولاد. فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- سماه جورًا، وأمر بتقوى الله في ذلك، فهو من المعاصي كذلك. ونبه على المعاصي كثيرة. يعني كما مر معنا من نذر -مثلًا- أن يشرب الدخان أو الخمر، أو مثلًا يرجع إلى أكل القات. قد يقول قائل: كيف يقع هذا؟ يقول: معًا ممكن أن يقع. بعضهم يريد أن يؤدب نفسه، فيندر مثل هذه النذور العجيبة. وهذا خطأ لا يجوز. لا يكون التأديب بالنذر بالشيء الحرام، فهو لا يجوز. وذكر -رحمه الله تعالى- أمر التسوية بين الأولاد، لأنه كثيرًا ما يقع، ولا يظن الكثير من الناس أنه مما يدخل في نذر المعصية. كثير من الناس يندر فيقول -مثلًا-: «هذا المال أو هذه الغرفة أو هذا البيت أو هذه المزرعة جعلتها نذرًا لأولادي فلان وفلان، أو لبنتي أو لبناتي فلان وفلان وفلان». فمثل هذا لا يجوز، ما دام أنه لم يعط الآخرين. لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالعدل بين الأبناء، فلا يجوز للمسلم أن يفعل مثل ذلك. بل الواجب عليه أن يحرص قدر المستطاع على العدل فيما يمكنه العدل فيه. ولا شك أن النذر يستطيع العدل فيه، إلا أن يكون عند أحدهم -كما مر معنا- وصف ومعنى يكتب تخصيصه بالعطاء دون غيره، كأن يكون مريضًا أو فقيرًا، وبقية الأولاد أغنياء أو نحو ذلك، فهذا يجوز. فالصدقة عليه أولى من الصدقة على الغريب. كون الأب يتصدق على ولده الفقير أولى من أن يتصدق على الغرباء. مع أنه يجب عليه أن يغنيه من أصل المال، إن كان عنده مال يستطيع أن يغنيه به. فإن كان لا، وهذا هو غالب حال الناس، فلا بأس أن يتصدق عليه ويخصه بالصدقة دون غيره، ما دام غيره من الأولاد أغنياء. وهكذا المفاضلة بين الورثة، المفاضلة بين الورثة كذلك. وهذا مما يجهله الكثير من الناس، فيجعل بعضهم نذرًا مع الوصية بأنه نذر لفلان -وهو من الورثة- أن يكون له كذا وكذا. وبعضهم يتحايل ويقول: «هذا نذر وليس بوصية، الوصية لابد أن تكون بالثلث، أما النذر فلا». وهذا غير صحيح. فقد نص العلماء أن هذا يشمل الوصية ويشمل كذلك النذر. فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين في قصة كعب بن مالك حين أنزل الله عز وجل فيه التوبة في قصة تبوك، قال: «يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله». فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك». فاستدل العلماء بهذا الحديث -وهو حديث صحيح أصله بالبخاري ومسلم، وجاءت له روايات خارج الصحيحين- أنه لا يجوز أن ينفذ النذر إلا من الثلث. لا يجوز أن ينفذ ماله إلا من الثلث. قالوا: العلماء فإذا كان هذا فكذلك بالنسبة للورثة، لا يجوز له أن يفاضل بين الورثة. لأن نذر الناذر عومل في الشرع كالعطية عند مرض الموت. وقد تقدم معنى حكمه. وهكذا كذلك الوصية، لأنه لا يجوز له أن يفاضل بين الورثة. وأن نذر طاعة من الطاعات، فإذا كان يريد به ما عند الله سبحانه وتعالى، فعليه أن يجعله موافقًا لشريعة الله. وتقدم أنه ذكر في أول هذا الكتاب أنه يصح إذا ابتغي به وجه الله. ومن ابتغاء وجه الله أن يكون في طاعة. وأشار في الشرح إلى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله». وهو حديث حسن. وليس من ابتغيء وجه الله المفاضلة بين الورثة. ثم ذكر -رحمه الله- أن من النذر -أي المعصية- كذلك النذر على القبور. لأن النذر على القبور يفضي إلى تعظيمها. إذا لم يقع الشرك الصريح، وقع ما يفضي إلى معاني الشرك، وفتح ذرائعه. وكل ذلك لا يجوز. وأشار في الشرح إلى عدد من الأفعال التي تفعل من النذور على القبور، وكله من النذور المحرمة. فلا يجوز النذر -لا- أن يجعل صدقة على القبور. لأن أهل القبور لا يحتاجون إلى هذه الصدقة. إلا أن إن أراد أن يشتري مقبرة، فيجعلها وقفًا لدفن المسلمين فيها، فنعم. أما يجعلها للأموات، فالغالب أنها تستعمل في الحرام، أو ما هو أعظم من الحرام، من البدع والشرك. فمثلًا بعضهم يندر للقبور، فيستعمل هذا المال إما ببناء وتجديد البناء، وهذا محرم لا يجوز. فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من أوجه كثيرة أنه نهى عن ذلك. ومر معنا كثيرًا حديث علي -رضي الله عنه- حين بعث أبا الهياج، قال: «لا أبعثك على ما بعثني به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ألا تدعى قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته». وهكذا نحو حديث جابر بن عبد الله. وهكذا كذلك ربما يستعمل في وضع القباب عليها، أو تجديد بناء القباب. وهذا أشد، بل هو ذرائع للشرك. أو يجعل كذلك لبناء السقائف، وتجديد السقائف -السقيفة الضخمة- تكون على أعمدة فوق القبور. أو تزيينها بالسرج والزخارف، وأنواع الألبسة والكساء الذي يوضع على تلك القبور. وكل هذا من البدع وذرائع الشرك، فهو لا يجوز. وأشار في الشرح إلى أثر رواه الإمام أبو داود -رحمه الله- بإسناد حسن، وصححه العلامة الألباني -رحمه الله- في قصة الأخوين من الأنصار، الذين كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: «إن عدلت تسأل للقسمة، فكل ماله في رتاج الكعبة» -يعني ينفقه في الكعبة- فقال له عمر: «إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك، ولا تنذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا في ما لا تملك». فإذا كان هذا في حق الكعبة، فكيف بالقبور؟ وما فيها من محرمات متنوعة، وما فيها كذلك من شرك وذرائع الشرك؟ فهذا أشد وأشد. فأولياء صاحب النذر أولى بالمال من مثل ذلك. فإذا كانت الكعبة غنية -يعني بما جعل فيها من مال، أو أنها أصلا لا تحتاج أن ينفق عليها- والناس أحوج أن ينفق بعضهم على بعض. وتعظيم الكعبة على الوجه المشروع ممدوح، من عمارتها وتجديدها، فإنه من أعمال البر المعلومة عند الكفار فضلًا عن المسلمين. حتى قال الله عز وجل: «أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ». فالشاهد: إذا كان مثل هذا لا ينبغي أن يكون على حساب من ينتفع به -من ينتفع بمال الحي، أو من أشرف على الموت- فكيف بأن يجعل في البدع والضلالات، وما هو ذريعة للشرك أو الشرك الصريح؟ فهذا أشد وأشد. فلذلك قال بعض أهل العلم -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وهو القول الصحيح: «أن ما كان من نذر بهذا المعنى، فهو لا ينعقد». فهو لا ينعقد لأنه يخالف الشرع. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد». أي: مردود على صاحبه، فلا يقبل منه، ولا ينعقد. خصوصًا إذا كان في الشرك. وأما حديث: «من نذر نذرًا في معصية الله، فكفارته كفارة يمين». فهذا اللفظ لم يروى بإسناد صحيح مستقيم. وأكثر الألفاظ التي رويت فيه هذا الحديث -أي ذكر كفارة اليمين في المعصية- وردت بأسانيد فيها ضعف. وبعض أهل العلم حسن هذا الحديث في مجموع طرقه. وأكثرهم انتقد هذه اللفظة، ولم يصحح أنها صحت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. ولهذا قالوا: «إن كفارة المعصية ليس فيه كفارة يمين». لأنها لا تنعقد أصلا. خصوصًا أن الحديث لم يصح عندهم. وعلى من صحح هذا الحديث، يجعله في المعصية. وأما في الشرك، فبعضهم أخرج هذا منه. والصحيح -والله أعلم- أن الأحاديث الواردة لا ترتقي إلى الصحة -أي في ذكر كفارة اليمين في المعصية- مع أن الروايات محل اختلاف وجهات النظر فيها، لكثرة ما روي في هذا الباب. لكن أكثره مما لا يصلح للشواهد والمتابعات عند التمعن والنظر فيه بدقة. وأما ما ذكره المؤلف -رحمه الله- في الشرح من أنه جاء في حديث ابن عباس في صحيح مسلم: «من نذر نذرًا في معصية، وكفارته كفارة يمين». فهذا خطأ. وقد نبه أهل العلم على هذا الخطأ. وأنه ليس كذلك في صحيح مسلم. وإنما الذي في صحيح مسلم: «كفارة النذر كفارة يمين». ليس في صحيح مسلم ذكر المعصية. وإنما جاء ذلك خارج صحيح مسلم. وعدد من الأئمة أعلوا هذا الحديث -يعني ذكر كفارة اليمين في نذر المعصية-. وكان شيخنا مقبل -رحمه الله- يعلو هذه الزيادة، ويضعفها، وينقلها عن عدد من الأئمة من أئمة الجرح والتعديل. فإنهم ذكروا نحو ذلك -أي بإعلال هذه اللفظة-. ولهذا فمن نذر على القبور -مثلًا- بنذر، فنذره لا ينعقد. والمال يرجع للورثة. حتى لو صرف سنين. بعض الناس يقول: «مثلًا عندنا مزرعة، أو عندنا أرض ريعها يذهب للمشاهد والقبور الفلانية، مما تقام فيها شرك وبدع وأشياء». فماذا نصنع بها؟ الجواب: إن خشيتم الفتنة، وأردتم السلامة والأحوط لكم والأجر لكم ولأبيكم، فحولوا هذا النذر من هذا النذر الباطل إلى نذر فيه طاعة وقربة. بأن يحول على مسجد من مساجد التوحيد والسنة. أو على مدرسة من المدارس -مدارس أهل السنة- وتحفيظ القرآن، ودور الحديث، وغير ذلك. أو للأيتام والمساكين، وغير ذلك من أبواب الخير والبر. وإن لم تخشوا الفتنة، وكنتم في حاجة وفقر ومسكنة، فأنتم أولى بهذا المال. لأن النذر -على الصحيح- لم ينعقد. «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد». فيجوز لهم أن يأخذوا المال ويقسموه فيما بينهم. ويقسموه فيما بينهم لعدم انعقاد هذا النذر. وهذا -كما مر معنا- اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وتلميذ ابن القيم. ثم ذكر -رحمه الله تعالى- فقال: «وعلى ما لم يأذن به الله». يعني كذلك من نذر المعصية: النذر فيما لم يشرعه الله من البدع. وهكذا كذلك منه: التشديد في تحليل الحرام. وذكر دليلًا لذلك قصة أبي إسرائيل التي رواها الإمام البخاري -رحمه الله- وغيره من حديث ابن عباس: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر برجل قائم، وقد ظلل، واجتمع الناس عليه». فقال: «وسأل عنه، فقالوا: يا رسول الله، نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، وأن يصوم». فقال عليه الصلاة والسلام: «مروه ليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه». يعني لو كان الصوم بغير الوصال -صوم يوم، أو على الوجه المشروع- يتم الصوم. أما تحريم الكلام، وتحريم الاستظلال، وتحريم القعود، فهذا مما لم يأذن به الله، فلا يجوز الوفاء به. وهكذا كذلك جاء نحوه في أحاديث أخرى عنه -عليه الصلاة والسلام- وعن عدد من أصحابه، في أناس حرموا على أنفسهم أشياء -كالكلام، والمشي حافيًا، وغير ذلك- فزجروا من صنع ذلك. وأن هذا ليس من القرب التي يحبها الله. فمن وضع ماله -مثلًا- فيما هو بمعنى ذلك، مما لم يأذن به الله، ولم يشرعه الله، فهو مما كان في معصية الله. ولهذا الصحيح أن النذر لا ينعقد. يعني يرجع كل شيء إليه. فإن كان فعلًا يترك الفعل، ولا شيء عليه. والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر هذا الرجل الذي نذر أن يبقى في الشمس، ولا يستظل، ولا يتكلم بكفارة أبدًا. وهذا يؤكد أن مثل هذا الصنيع لا ينعقد، حتى يقال: إنه تجب فيه كفارة. ويؤيده عمومات كثيرة، كقوله -عليه الصلاة والسلام-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد». نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.