كتاب القضاء  1

كتاب القضاء 1

الدرس في كتاب القضاء 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام القضاء وصفات القاضي الشرعي

يتناول هذا الفصل أحكام القضاء وصفات القاضي الشرعي في الإسلام، حيث يشترط أن يكون القاضي مجتهدًا ومتورعًا وعادلًا. كما يبين بعض الأحكام المتعلقة بالقضاء مثل تحريم الرشوة والهدايا لأجل القضاء.

شروط تولية القاضي في الإسلام

يتناول هذا الفصل الشروط اللازمة لتولي القضاء في الإسلام، حيث يشترط أن يكون القاضي مسلمًا عادلًا مجتهدًا وذكرًا. كما يشدد على أهمية العدالة والاجتهاد في تطبيق أحكام الشريعة.

تحريم الحرص على القضاء وخطورة توليه

يُحرم الحرص على تولي القضاء أو الإمارة، ويجب على الإمام عدم تولية من يطلب ذلك. الأدلة الشرعية تشير إلى خطورة تولي هذه المناصب وضرورة التزام العدالة والخشية من الله.

أحكام المجتهد في الاجتهاد وأجره

المجتهد في البحث له أجران إن أصاب وأجر إن أخطأ بشرط عدم التفريط وبذل الجهد. الدليل على ذلك حديث عمر بن العاص في الصحيحين حول أجر الحاكم المجتهد.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: كتاب القضاء، قال: إنما يصح قضاء من كان مجتهدًا متورعًا عن أموال الناس، عادلًا في القضية، حاكمًا بالسوية. ويحرم عليه الحرص على القضاء وطلبه، ولا يحل للإمام تولية من كان كذلك. ومن كان متأهلًا للقضاء فهو على خطر عظيم. قال: وله مع الإصابة أجر، ومع الخطأ أجر إن لم يأل جهدًا في البحث. وتحرم عليه الرشوة والهدية التي أهديت إليه لأجل كونه قاضيًا. ولا يجوز له الحكم حال الغصب، وعليه التسوية بين الخصمين إلا إذا كان أحدهما كافرًا. والسماع منهما قبل القضاء، وتسهيل الحجاب بحسب الإمكان. ويجوز له اتخاذ الأعوان مع الحاجة، والشفاعة، والاستيضاح، والإرشاد إلى الصلح. وحكمه ينفذ ظاهرًا، فمن قضي له بشيء فلا يحل له إلا إذا كان الحكم مطابقًا للواقع. شرع المؤلف رحمه الله في ذكر كتاب القضاء. وكما تقدم، كتاب بمعنى مكتوب، فيأتي فعال كثيرًا بمعنى مفعول، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام القضاء. والقضاء واحد الأقضية، وهو كما يعلم معنى من اللغة، مأخوذ من الإلزام بالحكم. وفي اصطلاح أهل العلم، وما دلت عليه الأدلة الشرعية، يدور حول معنى تبيين الحكم الشرعي والإلزام به. ابتدأ رحمه الله هذا الكتاب بقوله: إنما يصح قضاء من كان مجتهدًا متورعًا عن أموال الناس. وأبان في الشرح إلى الأدلة التي تدل على هذا المعنى، وأن هذا فيه معنى أهلية القاضي وصفاته. وأشار إلى حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء معناه في أحاديث رواها أهل السنن الأربعة وغيرهم، وهو حديث صحيح. في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة، واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار». فهؤلاء ثلاثة، أحدهم عرف الحق وقضى به فهو في الجنة، والآخر قضى بجهل فهو في النار، والثالث يعني ولو أصاب الحق فكيف إذا لم يصبه، والثالث عنده علم لكن لم يعمل به فهو في النار، علم الحق ولم يقض به. وأشار رحمه الله إلى بعض العمومات من الأدلة في قضية التنبيه على الاجتهاد، وأنه من أعظم ما ينبغي أن يتصف به القاضي. وقد ذكر العلماء للقاضي صفات بل شروطًا من أهمها أن يكون مكلفًا، لأن ذلك مناط تحمل الشرع، أي عاقلًا بالغًا. وثانيها أن يكون مسلمًا، فلا يجوز أن يولى على القضاء كافر. وحين يقال كافر بمعناه الشرعي لا بمعناه كما يقال العرفي أو القانوني أو المدني، فميزان الإيمان والكفر في الشرع بالضوابط الشرعية. فلا يجوز أن يكون القاضي تارك صلاة، لأنه كافر. قال عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة»، رواه مسلم عن جابر بن عبد الله. فكيف بمن هو أعظم من هذا، كأن يكون متبنيا بعض الأفكار والمذاهب الكفرية، علمانيًا أو ماسونيًا أو كذلك اشتراكيًا شوعيًا، أو عنده الدعوة إلى وحدة الأديان، أو واقع في لوثة شركية صوفي قبوري أو رافضي وغير ذلك مما هو منافي لمعنى مسلم. وهكذا كذلك أن يكون ذكرًا، فلا يجوز أن يكون أنثى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة»، ليس في الإسلام امرأة تكون قاضية. وإنما هذا في اصطلاح من لم يعرف الإسلام مما تسمى بالحكومات المدنية التي وللأسف سلكت المسالك التي فيها التبعية المقيتة للكافرين. وهكذا والحديث رواه البخاري وغيره من حديث أبي هريرة: «لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة». وهكذا كذلك من شروطه أن يكون عدلًا، ومن ذلك أن يجتنب كل ما هو من خوارم المروءة، فضلًا عما هو أعظم من ذلك. ومنه الورع الذي أشار إليه الله عز وجل، يقول بكتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. ومعنى العدالة جاء الأمر بها في أدلة الكتاب والسنة بمعاني كثيرة، ولا يأمر بالعدل من ليس هو بعدل. وهكذا أن يكون مجتهدًا يحكم في الحكم بعلم من أدلة الكتاب والسنة، وهذا هو العلم. ولهذا كما ذكر غير واحد من أهل العلم، وأشار المؤلف رحمه الله في الشرح، المقلد ليس بمجتهد، فلا يجوز أن يكون قاضيًا. وأجمع أهل العلم على ذلك، نقل ابن حزم الإجماع أن المقلد ليس بمجتهد ولا يجوز أن يكون قاضيًا، لأن القاضي من شروطه أن يكون مجتهدًا بنص هذا الحديث وغيره من الأحاديث الأدلة الأخرى الكثيرة. والله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنْ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وليس أحد يدعي التقليد ينسب لنفسه الاستنباط، بل هو يعترف أنه ليس أهل للاستنباط. فإذا كان كذلك فليس أهل للقضاء. وهكذا كذلك من هذه الشروط أن تكون قضية قضائه بولاية، أي تولية من ولي الأمر أو من نائبه، فلا يجوز لأحد يقول أنا شيخكم وأكون قاضي عليكم، لا القاضي يعين من قبل ولي الأمر، ولي أمر المسلمين أو من ينوبه أو من ينوبه. وأشار رحمه الله إلى حديث معاذ وهو حديث مشهور، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة سنده ومن جهة متنه. والذي فيه أنه حين أرسله إلى اليمن قال له: «بما تقضي؟» قال: «بكتاب الله»، قال: «فإن لم تجد؟» قال: «فبسنة رسول الله»، قال: «فإن لم تجد؟» قال: «فبرأي». والصحيح أن الحديث لا يصح من جهة سنده، وهكذا كذلك من جهة متنه ومعناه. لأن الكتاب والسنة كل منهما وحي من الله، لم يفرق بينهما الشرع. قال الله عز وجل: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فما جاء في الكتاب مثله ما جاء في السنة. وقال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضل بعد أبدًا كتاب الله وسنتي»، فالسنة تفسر وتوضح القرآن، ولهذا كان على القول الصحيح تخصص القرآن وتقيده بل وتنسخه. قال: ويحرم عليه الحرص على القضاء وطلبه، ولا يحل للإمام تولية من كان كذلك. وأشار إلى أدل عامة صحيحة وأخرى خاصة معناها صحيح وإن كان في بعض أسانيدها ضعف. فمن العامة ما جاء في الإمارة والقضاء مثلها، ففي حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن عطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن عطيتها من مسألة وكلت إليها». وهو في الصحيحين كما أشار في الشرح. وكذلك يقال مثله في القضاء، بل جاءت الأدلة الشرعية على التزهيد في القضاء. فصح عن النبي عليه الصلاة والسلام من غير وجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وجاء عن غيره في من تولى القضاء أنه ذبح بغير السكين، ومعناه التحذير من تولي القضاء لأنها أمانة عظيمة. كم من أناس دماؤهم تتعلق بحكم القاضي، وكذلك جوارحهم من إقامة الحدود، هذا يرجم وذاك يحد، وهذا تقطع يده، وهذا يسجن، وهذا يقتل، وغير ذلك كثير. وهو قد يصيب وقد يخطئ، وقد يعدل وقد يظلم. ولهذا كان الكثير من العلماء يتهيبون ويتحاشون تولية القضاء لعظم هذه المسؤولية. فهي قد تكون حسرة وندامة، فلهذا كانوا يتحاشونها قدر المستطاع، مع ما فيها من فتنة فيما يقع من السلطان إذا لم يكن عادلًا، فإنه قد يضغط على القاضي فيما يحب ويشتهي أن يقضي في القضية لا بما أراه الله من دين الله ولكن بما يهواه. وهذه فتنة أخرى وامتحان عظيم. فلأجل أمور كثيرة كانت مثل هذه الأدلة، وليس معناه أن يضيع هذا الواجب، ولكن معناه أن من تولى فليأخذه بحقه وليتق الله فيه. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الإمام أحمد من حديث أبي أمامة، وصححه العلامة الألباني رحمه الله أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ما من امرئ يلي أمر عشرة فما فوقهم إلا يأتي يوم القيامة أو قال يبعث ويداه مغلولتان إلى عنقه فإما أن يفكه عدله وإما أن يكبه جوره أو كما قال عليه الصلاة والسلام». وهذا الحديث يدل على خطورة تولي أمر المسلمين في عشرة فما فوقهم، فكيف بأكثر من ذلك؟ وقد أشار إلى معنى لهذا الحديث في حديث ابن مسعود، ومعناه صحيح وإن كان بالجملة وإن كان إسناده ضعيف. قال: ومن كان متأهلًا للقضاء فهو على خطر عظيم، معناه ما أشار إليه من التشوف للقضاء، أن يكون متشوفًا للقضاء، بل على المسلم أن يفر من ذلك حتى لا يتحمل هذه الأمانات ويكون عليه تبعات كثيرة. ولكن كما تقدم هذا محمول على ما إذا كان خاف على نفسه ووجد من يقوم بهذا الأمر ممن هو خير منه. وأما إذا لم يوجد من يقوم بهذا الأمر وكان هو الأهل والكفء وكان خوفه عبارة عن أوهام، وكذلك تقاعص عن قيام بواجب فيخشى عليه من الإثم في عدم قبوله لتحمل هذه الأمانة لأنه من هو أهل، ويجب عليه أن يؤدي ما أعطاه الله عز وجل من العلم وأن ينفع المجتمع بذلك. قال: وله مع الإصابة أجران ومع الخطأ أجر إن لم يأل جهدًا في البحث، يعني إن كان خطأه بغير تفريط بل بجد واجتهاد حرص الوصول للحق ومع ذلك أخطأ فله أجر حتى مع خطأه. وأشار في الشرح إلى دليله وهو حديث عمر بن العاص في الصحيحين: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد».