الدرس في كتاب القضاء 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن سلطة القاضي واستقلاليته، ويحرم الرشوة وهدايا العمال، ويشير إلى عدم جواز القضاء في حالة الغضب. يشدد على أهمية العدل في القضاء.
يشرح أهمية العدل بين الخصوم، ويبين ضرورة سماع كلا الطرفين قبل إصدار الحكم، ويشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعدل بين الخصوم.
يؤكد على أهمية الاستماع من الطرفين، وعدم احتجاب القاضي، واتخاذ البطانة الصالحة والمشورة، ويشير إلى أن حكم القاضي لا يحلل حرامًا ولا يحرم حلالًا.
يشرح أن قضاء القاضي لا يحلل حرامًا ولا يحرم حلالًا، ويجب امتثال حكمه إذا كان مطابقًا للواقع، مع جواز الاحتياط إذا وجد دليل على خلافه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره رحمه الله من مسائل تتعلق بالقضاء، ومنها ما أشار إليه من وجوب تولية من هو أهل للقضاء من قبل ولي الأمر. فالإمام يولي من هو أهل لذلك، وكونه يولي من هو أهل لا يعني ذلك أنه كذلك يتسلط عليه فيما يحكم به. ولهذا فالقاضي في دين الإسلام سلطة منفصلة؛ لأنه ولي أمر بمعنى آخر. ولهذا حين يفسر أولو الأمر منكم يفسر بأنهم العلماء والأمراء، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: قال والأمراء تبع للعلماء، والقضاء أصلاً هم علماء، وهم يقضون بين الناس بما علموا من العلم. وكان القضاء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هم علماء الصحابة؛ أرسل معاذًا وأبا موسى وعلي بن أبي طالب إلى اليمن، ماذا؟ علماء وأمراء وقضاء. فكان العالم هو القاضي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان النبي عليه الصلاة والسلام هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقضي بين الناس. وهكذا كان قبله الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام، فهذه وظيفة من وظيفة الأنبياء، ومن اتبعهم بإحسان. فلذلك لا يجوز لولي الأمر أن يتسلط عليه في وظيفته؛ لأنه يقضي بشرع الله، بما عنده من العلم. له أن يراجعه بالعلم والحجة، وبما قد يقع منه من الظلم أو الخطأ. أما أن يفرض عليه بغير ذلك، فهذا لا يجوز. وقوله رحمه الله: وتحرم عليه الرشوة والهدية، أشار رحمه الله إلى ما دل على هذا من عمومات. ومن باب أولى يدخل فيها القاضي. ففي حديث أبي هريرة الذي روى أحمد وغيره عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم». ولفظ «في الحكم» بعض أهل العلم ضعفها، لكن معناها صحيح. فإذا كان الرشوة في كل شيء حرام، ففي الحكم من باب أولى. وعلى القول بتصحيحها كذلك. وقد صححها العلامة الألباني رحمه الله. وفي لفظ: «لعنة الله الراشي والمرتشي»، وفي زيادة معناها صحيح، ورويت بإسناد ضعيف. وأشار إلى ذلك في الشرح. والرائش وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي. فالرشوة كبيرة من الكبائر، ولا يجوز لمسلم أن يفعلها. ولعن بها الثلاثة، فإذا كان القاضي أحد هؤلاء الثلاثة، فهو ملعون. ولعنته وإثمه أعظم من أي مسلم؛ لأن الإثم يعظم بما يكون مع صاحبه من وصف. ولهذا كان الزنا بحليلة الجار أعظم من الزنا بأي امرأة، والزنا من الشيخ الكبير أعظم من الزنا من الشاب الصغير، وهكذا. وأما ما ذكره من عدم قبول الهدية، فلما جاء من أحاديث في أن هدايا العمال غلول. هدايا العمال غلول، وهو من العمال. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام هذا في أحاديث كثيرة. ففي صحيح مسلم من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه في قصة ابن لتبية هذا المعنى. أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في جمع الصدقة -الزكاة- فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي. فقام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في الناس، وقال: «يبعث الرجل في عمل نوليه، ثم يأتي فيقول: هذا أهدي لي. ألا قعد في بيت أبيه وأمه، فلتأته هديته إلى بيته». وبين عليه الصلاة والسلام أن مثل هذا لا يجوز. وفي لفظ خارج الصحيح، ومعناه صحيح. وهو الذي أشار إليه في حديث بريدة: «من استعملنا على عمل فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول». وجاء في لفظ آخر: «هدايا العمال غلول». هدايا العمال غلول، يعني إذا أهدي له في عمله، ولأجل عمله، فلا يجوز. وهو يعد من الغلول. وهكذا كذلك أشار إلى حديث آخر ضعيف، ومعناه صحيح: «هدايا العمال سحت». ومعنى السحت: كل ما أكل بباطل. ولهذا دخل في تفسير عدد من أهل العلم في تفسير قول الله عز وجل: ﴿أَكَالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أي: الرشوة. وأما ما روي عن ابن مسعود من أنه قال: ذلك كفر، قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فهو لم يصح. ولو قدر أنه صح، فيكون معناه أنه أراد من وقع في تغيير الحكم بتلك الرشوة، فقد حكم بغير ما أنزل الله، فهو كافر، أو ظالم، أو فاسق، على حسب ما وقع منه، أو كفر دون كفر. وكله قد روي عن الصحابة والتابعين. ولا إمة، فالكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق فسقان. فالسحت كل ما أكل بباطل، يدخل فيه الرشوة، ويدخل فيه الغلول، ويدخل فيه كل معنى فيه أكل أموال الناس بالباطل. ومما ذكره رحمه الله أن القاضي لا يجوز له أن يقضي وهو غضبان؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين في قوله: «لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان». لماذا؟ لأن ذلك مظنة عدم الإصابة في الحكم. وهل هذا خاص، أم يدخل في معناه كل ما قد يصرف الحاكم عن الإصابة في الحكم؟ الجواب: هذا. ولهذا قال بعض أهل العلم: من شروط القاضي أن يكون كامل الصفات. وهذا فيه تفصيل. الصحيح أن فيه تفصيل. إن أرادوا الصفات التي تعوق عن إصابة الحكم، فنعم. وإن أرادوا الصفات التي لا تعوق عن إصابة الحكم، فهذا ليس بلازم. وهذا هو القول الراجح الذي رجحه جماعة من المحققين من أجله من أهل العلم. وذكره شيخ الإسلام التيمية رحمه الله في مواضع من كتبه. فيجوز مثلًا أن يكون القاضي أعمى، ما دام عنده علم ودين، فويستطيع أن يستعين بمن معه فيما يحتاجه من أمر النظر؛ لأنه في بعض الأحيان القاضي يحتاج أن ينظر في بعض القضايا. فهنا يستعين بغيره. وما أكثر ما يحتاج القاضي إلى غيره في حكمه، خصوصًا في هذا الزمان. وهذا أمر لا بد منه. وإلا ربما يخوض في شيء ليس له به علم. وقد حذر المسلم من ذلك، فضلًا عن من يتولى القضاء. فينبغي أن يستعين بمن يعينه على الوصول إلى الصواب. فإن كانت مثل القضية تحتاج إلى أهل اختصاص بالطب، كلف لجنة طبية تقوم بذلك، أو غيرها من المعاني الأخرى. فهذا لا يضر. لكن صفة تضر، كأن يكون مثلا النقص في شيء مما قد يعرض عليه في عقله، يعني: إنسان قد تأتيه أحيانًا النوبات أو كذا، فيكون عنده شيء من الغفلة والنسيان، فلا يدرى متى يأتيه هذا ومتى يذهب عنه إذا كبر سنه مثلًا. فمثل هذا لا يصبح للقضاء؛ لأن هذا يضر، ولو كان عنده علم؛ لأن العلم يوجد ما قد يغطي عليه. فهو مثل: لا يقضي حاكم أو قاضي وهو غضبان، بل هذا أشد. فإذن كل ما كان بمعنى هذا يدخل في هذا الحديث. وأشار رحمه الله في الشرح أنه لا ينافي ولا يعارضه ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأنصار وخلافه مع الزبير، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اسقي يا زبير، ثم أرسل الماء إلى أخيك». فغضب الأنصار، فقال: «أن كان ابن عمتك يا رسول الله». يعني: قدمته علي وتركته يسقي؛ لأن بينك وبينه قرابة. وهكذا الشيطان أحيانًا يجعل الإنسان يقول في وقت الغضب ما لا يليق أن يقوله. فكما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب، فقال: «اسقي يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع الجدر». فهنا النبي صلى الله عليه وسلم غضب، لكنه كما قال عن نفسه عليه الصلاة والسلام: «لا يقول إلا حقًا في غضبه وفي فرحه». كما أجاب عبد الله بن عمر بن العاص، وكان يكتب عنه الحديث، فسأله: يكتب في كل حال؟ فأذن له أن يكتب في كل حال؛ لأنه لا يقول إلا حقًا. والله عز وجل عصم نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول غير ذلك. ولذلك إذا اجتهد فأخطأ عليه الصلاة والسلام، نزل الوحي بماذا؟ بتصويبه. مثل ما وقع في قصة أسار بدر، وغيرها من المواضع الأخرى. فهذا هو معنى كلامه وتنبيهه. وأما معنى هذا الحديث: معنى أن الأنصاري جاء يشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم كون مزرعة الزبير قبل مزرعة الأنصاري، فأتى السيل فدخل في مزرعة الزبير، فأراد من الزبير أن يعجل بإرسال الماء إلى مزرعته، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن الزبير يسقي أولًا. وهذا هو العدل، وهو كذلك العرف. لماذا؟ لأن مزرعة الزبير هي التي تستقبل الماء أولًا، فهو يسقي أولًا، ثم يسقي بعده من بعده، وهكذا. فلو انتهى الماء قبل أن يصل إلى الأخير، فذلك فضل الله يؤتيه ماذا؟ من يشاء. فهذا هو العدل. ففي أول الأمر كما قال العلماء: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالحق، وجعل الزبير يعني يعطي الماء للرجل قبل استحقاقه، أو لم يعين وقت استحقاقه. وفي هذا كما قال بعض أهل العلم: ما يجوز أن يكون من المصالحة فيما يقع فيه العدل، ويعلم فيه التسامح. فلما شدد الأنصاري، شدد النبي صلى الله عليه وسلم عليه. يعني: هو ما رضي بهذا. فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ «اسقي يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع الجدر». يعني: كان في الأول يسقي، وما زاد يمشي إلى ماذا؟ إلى مزرعة الأنصاري. لكن ما دام الأنصاري رفض، إذن يعطى حتى يعرف ما هو الحق الذي له. يعلم الحق بأن قال له: «اسقي حتى يبلغ الجدر». ومعنى الجدر: جدر الساقية -تعرفون أسوار الزراعة- حولها تربة من أربع جهات تمتلئ. وإذا امتلأت -إذا دخلها السيل الزائد- يذهب إلى الأرض التي بعدها. هذا هو العدل. فرده إلى ماذا؟ إلى ما هو له حقيقة. فقال له: «احبس الماء» يعني: يا زبير، خد كل الذي هو لك. وبعد ذلك يأخذ الأنصاري كل الذي هو له. مثل الزبير، والذي بعد الأنصاري كذلك سيأخذ كل الذي هو له. فإن بقي لمن بعدهم شيء، وإلا ذلك فضل الله يتيه من يشاء. فإذن لم يقل عليه الصلاة والسلام إلا حقًا، ولم يقضي إلا بالعدل. فالشاهد من هذا: أراد أن يبين هذه القضية حتى لا يظن أحد غير هذا، ويفهمه خطأ. وأشار رحمه الله كذلك أنه يجب أن يسوي القاضي بين الخصوم. وذكر في هذا أدلة، وهي ليست بصحيحة من جهة الإسناد، وإن كان معناها صحيح. فعمومات الأدلة تدل عليه. فالله عز وجل أمر المسلمين عمومًا بالعدل، والحكام خصوصًا يلحقهم ذلك العموم. وما جاء في حقهم من خصوص، فمن الخصوص: قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. ومن مقتضى العدل بين الناس: التسوية بين الخصوم في كل ما يكون به معنى العدل. حتى أن بعض أهل العلم قال: إن من أعظم ما يخاف على القاضي ما يكون من أمر التسوية بين الخصوم؛ لأنه قد يكون ذلك سببًا في وقوعه في شيء من الظلم. يعني: كونه يشد على واحد، ويترك الآخر. يبتسم في وجه هذا، ويغضب في وجه هذا. هذا ليس من العدل. ولكن يعدل قدر المستطاع. وإن كان هو في النهاية سيحكم بالعدل. كذلك يحكم بالعدل في كلامه، وفي خلوته، وفي سؤاله، وفي كل شيء. حتى قال العلماء: في المجلس يعدل. حتى في المجلس. ونبهها هنا أن هذا فيما إذا كان بين المسلمين. وأما إذا كان أحدهما كافرًا، فلا يلزم العدل. والصحيح في هذا التفصيل: إن قصد بالعدل الذي يكون به القضاء بالحق، فهذا يسوى فيه بين المسلم والكافر. وإن قصد به العدل الذي يكون به رفعة الكافر على المسلم، وتسويته به مع كفره، فهذا لا. ولهذا نهى المسلم أن يبدأ الكافر بالسلام، وأن يمكن الكافر أن يأخذ أوسع الطريق، ويرد المسلم إلى أضيقه. فإذا وقع مثل هذا، يجوز للمسلم أن يتنازل للمسلم من باب التواضع، ومن باب الأخوة، ومن باب كذلك الإكرام. يتنازل فيجعل السعة لأخيه المسلم، ويأخذ الضيق. أما إذا كانت المزاحمة مع كافر، فلا. ليس لأنه سيء خلق، ولكن لأجل أن لا يتعالى الكفار على أهل الإسلام، ولأجل كذلك لا يتصلق الكفار على أهل الإسلام، ولأجل كذلك يكون ذلك أدعى للكافر أن يدخل في دين الإسلام. لأن من الناس من لا يدخل بحسن الخلق، وإن كان دين الإسلام دين الخلق الحسن. ولكنه يدخل بماذا؟ بالشدة وبالدين. فكما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يعجب إلى أقوام يدخلون الجنة بالسلاسل». كيف بالسلاسل؟ يؤسرون، فيأتون إلى بلاد الإسلام، وبين المسلمين، فيسلمون. وآخرون يتألفهم النبي عليه الصلاة والسلام بالشاة والبعير، وبالدينار والدرهم، فيدخلون دين الإسلام. لماذا؟ بالدينار والدرهم، والشاة والبعير. وبعد ذلك يصلح الله نياتهم، فيحسن إسلامهم. لكن ليسوا جميعًا كذلك. ولكن هذا من السياسة الشرعية. كذلك من السياسة الشرعية: أن بعض الناس ما يرضى لنفسه المنقصة. قد يدخل في دين الإسلام لأجل أن ينال حقوق، ويكون له كذلك ما للمسلمين. لا بأس. تفضل، ادخل في دين الإسلام. وفي البداية يدخل لمثل هذه المعاني، وبعد ذلك يصلح الله عز وجل نيته. هذه بعض المعاني التي ذكرها العلماء في مثل هذا. فإذن ما ذكره رحمه الله فيه تفصيل. وذكر رحمه الله تعالى كذلك أنه عليه أن يسهل الدخول عليه. أولًا ذكر قضية السمع. وهذا من العدل، يدخل في عموم العدل. وأشار ها هنا إلى حديث صحيح. وقد صححه الشيخ الألباني، وقبله الحافظ ابن حجر: «يا علي، إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقضي بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول؛ فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء». وهو بمجموع طرقه يرتقي للحسن. وأشار إلى ذلك. وهكذا كذلك قصة داود عليه الصلاة والسلام في الخصمين، وغيره مما هو بهذا المعنى. فالسماع من الطرفين سبب لأولا العدل، وثانيًا الوصول إلى الصواب في الحكم. وأشار بعد ذلك إلى قضية عدم الاحتجاب عن الناس، وتسهيل الدخول عليه -أي: القاضي- ولكن كما قال رحمه الله: بحسب الإمكان. وهذا كذلك بحسب الإمكان من جهة أولًا: المشقة والضرر. فلا ضرر ولا ضرار. ومن جهة مراعاة المصالح والمفاسد، وما جرى به العرف، وما يكون به الإصلاح. فقد يختلف الحال في قرية ومدينة. قد يختلف الحال في موضع فيه أمان، وموضع فيه خوف. وقد يختلف الحال في كذلك وقت العمل، وفي غير وقت العمل. ولهذا يراعي القاضي ذلك بما يتتبع فيه أعلى المصالح فيأخذ بها، وأشد المفاسد فيدفعها. وأشارها هنا إلى حديث: «ما من إمام أول يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة، إلا أغلق الله باب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته». وهكذا الحديث الذي بعده: «من تولى شيئًا من أمر المسلمين، فاحتجب عن حاجتهم وفقرهم، احتجب الله عنه دون حاجته». وكذلك ما بعده. وكلها أحاديث معناها صحيح، وإن كان بعض هذه الأحاديث في أسانيدها ضعف، كما أشار إلى ذلك. وهكذا تجدون في التعليق: لكن بعضها صحيح. وبالجملة: معانيها صحيحة، تدل عليها عمومات كثيرة. فينبغي للمسلم أن يحرص إذا ولي شيء من الولايات أن لا يحتجب عن الناس، وينفع الناس بحسب استطاعته. لكن كما تقدم: بحسب الإمكان، وما يكون به الإصلاح لنفسه ولغيره. ولهذا أشار رحمه الله إلى هذه المسألة بقوله: بحسب الإمكان. وبيّن في الشرح أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يجلس بين أصحابه، ولا يحتجب منه أحد. وتأخذ الجارية بيده. يحتجب أحيانًا للمصلحة، ويجعل له من يستأذن به. وذكر أدلة لذلك: قصة بموسى في جلوس النبي صلى الله عليه وسلم على قف البئر، حين دخل أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. وهكذا كذلك قصة النبي صلى الله عليه وسلم حين اعتزل عن نسائه، وآلاهن شهرًا. وهكذا كذلك ما أشار إليه مما فيه هذا المعنى. فكلها تدل على ذلك. وهكذا كذلك الصحابة من بعده. فلا مانع من هذا إذا كان فيه مصلحة. وخصوصًا كما قلنا: عند كثرة الناس، واختلاط الصالح بالفاسد. قد يحتاج من تولى شيء من هذه المناصب أن يجعل له شيء من الحجبة. وأشار رحمه الله إلى كذلك قضية اتخاذ البطانة الصالحة؛ لأجل أن تعينه على العدل. ويجوز له اتخاذ الأعوان مع الحاجة. وهؤلاء الأعوان من البطانة الصالحة التي ينبغي أن يحرص عليها. وكان السلف رحمهم الله ورضي الله عنهم يحرصون أن يكون لهم أهل مشورة. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان له من أصحابه أهل مشورة، كما صنع يوم بدر، وكما صنع يوم الخندق، وهكذا في وقائع كثيرة. وكذلك كان أبو بكر رضي الله عنه، كما في حروب أهل الردة، وغيرها من الحوادث. حين مات النبي صلى الله عليه وسلم شاور أصحابه في جيش أسامة، وغيره كثير. وهكذا عمر رضي الله عنه. وهكذا من بعدهم. وكل من تولى شيئًا من أمر المسلمين، عليه أن يحرص على أمر المشورة والأعوان؛ فهم البطانة الصالحة التي تعينه على الخير. إذا كان الله عز وجل قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وهو رسول الله. وقال في حق المسلمين عمومًا: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، فكيف بمن يتولى القضاء، وعنده من الخصومات، ومن أحوال الناس والمتخاصمين ما يحتاج معه إلى بطانة ومشورة متكررة؟ ولا يخفى علينا الأثر المشهور المروي عن الشعبي الذي فيه: أن الناس ثلاثة: رجل، ونصف رجل، ولا رجل. فأما الرجل: فالذي له رأي، ويستشير غيره. وأما نصف الرجل: فهو الذي له رأي، ولا يحب أن يستشير غيره. وأما الذي ليس برجل: فهو الذي لا رأي له، ولا يحب أن يستشير غيره. فهذا ليس برجل. والذي قبله نصف رجل. والذي قبله رجل كامل. فمن كمال رجولة الإنسان، وكمال علمه وعقله: أنه يستشير. ولهذا فالعلم لا يزيد صاحبه إلا تواضعًا. ومن التواضع: أن يكون للإنسان أعوان وبطانة ومشورة. وأشار إلى حديث قيس بن سعد الذي أصله في البخاري، وهذا اللفظ جاء خارج الصحيح من حديث أنس. وفيه: أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. يعني: يلازمه بين يديه. والظاهر أن كان ذلك تطوعًا. وختم رحمه الله بمسائل. فقال: والشفاعة، والاستيضاع، والإرشاد إلى الصلح. يعني: كذلك يحرص عليه القاضي. وهذا لا ينافي العدل، ولا ينافي كذلك ما يجب من عدم المحابة؛ لأن هذا من الصلح الذي يصلح به بين الخصوم. ودليله: قصة كعب بن مالك مع ابن أبي حدرد التي تقدمت معنا في الصحيحين في قصة الدين. النبي عليه الصلاة والسلام طلب من كعب أن يضع نصف الدين؛ لأجل أن يعين ذلك ابن أبي حدرد على سداد الدين، وتعجيل السداد. فكان هذا صلحًا بينهما. فهذا شفاعة، واستيضاع. وهكذا إرشاد، وصلاح. ومعنى استيضاع: يطلب التنازل بوضع بعض الحق. مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الزبير مع الأنصاري. في أول الأمر كان الحكم فيه ماذا؟ فيه استيضاع. يعني: أن يتنازل الزبير عن بعض حقه. ولما رأى الأنصاري على ما هو عليه، أعطاه العدل في المسألة، ورفع الاستيضاع؛ لأجل أن يعلم الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان محسنا، وشافعًا في خير حين قضى بالحكم الأول. وكان هذا خير له من العدل الذي كان في الحكم الثاني. وهكذا كذلك أشار إلى أنه إذا قضى القاضي فأخطأ، فخطأه لا يغير الحقائق. فتبقى الحقائق على أصلها التي تُعلم بها من نصوص الكتاب والسنة؛ حتى لا يقول أحد: أنا أخذت هذا بقضاء القاضي. بعضهم يكذب في مخاصمته، ويقول: قد تحملها القاضي، وهو الذي قضى بهذا. فهنا يقال: ليس هذا بصواب. بل القاضي مأجور، وأنت مأزور. وسبق معنا دليله في قصة أم سلمة في الصحيحين في قصة الرجلين. وأصلها خارج الصحيح بشيء من الطول. فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما أنا بشر، وأنتم تختصمون إلي. ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي بنحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار». وأشار إلى أن العلماء حكموا بالإجماع على أن حكم الحاكم لا يحلل حرامًا، ولا يحرم حلالًا، ولا يحل باطلًا، ولا يبطل حقًا. فمن أخذ شيئًا بظلم، وبغير حق، وعلى وجه حرام، فلا يحل. ولو ختم عليه ألف قاضي. ولو قال: أنا عندي هنا ورقة -ما يشاء الله- كما كان يقول الشيخ البيهقي رحمه الله: بعضهم يأتي بهم مخاصمة من عدن إلى الراهدة. يعني: ما يشاء الله طول الورقة حق سنين. وبعد ذلك يقضي القاضي بخلاف الصواب. من كثرة الكذب والدجل. محاكمة عمرها سنين من عمر جد الجد. فلو قال: أنا عندي ورقة طولها من هنا إلى البلد الثانية -لنا أكثر من مئتي سنة- ونحن بهذا القضية. وهؤلاء قضاء قضوا لنا بهذا. ويقال: العبر بالحق. ولو ختم لك، وقضى لك ألف قاضي. فقضاء القضاء، وحكم الحاكم لا يحلل حرامًا، ولا يحرم حلالًا، ولا يحق باطلًا، ولا يبطل حقًا. كما في هذا الحديث، وما كان بمعناه من أحاديث. ثم ذكر رحمه الله مسألة أخيرة، وهي قوله: فلا يحل له إلا إذا كان الحكم مطابقًا للواقع. ومعنى أنه كان على الوجه الصواب، فعند ذلك يجوز أن يؤخذ بهذا الحكم. وما سوى ذلك، فلا. ثم أشار رحمه الله في الشرح إلى أنه إذا كان خلاف ذلك، وهو بمعنى الذي قبله، فهو من أكل أموال الناس بينهم بالباطل. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وفي الحديث كما تقدم: «فمن قضيت له بشيء من مال أخيه، فلا يأخذه؛ فإنما اقتطع له من النار». والمعنى: يعني لا يجوز أن تأخذ إلا الحق. لا يجوز أن تأخذ إلا الحق. والحاكم إذا أخطأ، فهو معدور؛ لأنه اجتهد، وبدل الوسع. ما دام أنه اجتهد، وبدل الوسع، فهو معدور. وإذا كان كذلك، فهل يجوز لأحد أن يقول: لا يجب امتثال حكم الحاكم؟ ما دام أنه قد يخطئ؟ الجواب: لا. بل يجب يجب امتثال ذلك إذا علم الحق. وكذلك في المسائل الاجتهادية. وأما إذا كان حكم الحاكم على خلاف الحق، فهنا من باب دفع الخصومة والمنازعة. يترك المقاضاة. لكن لا يعني ذلك أن الحق يترك. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة سودة: «احتجبي منه يا سودة». النبي عليه الصلاة والسلام قضى بما علم من الشرع: الولد للفراش. لكن رأى شبهًا -رأى شبهًا- يخالف العمل بالدليل. فماذا قال؟ قال: «احتجبي منه يا سودة». قال العلماء: في هذا دليل على أن إعمال الأمور التي هي مظنة الاجتهاد الخاطئ، إذا كان مثلًا حاكم اجتهد فأخطأ، فيقضى بما قضى. ولكن من حيث التطبيق: يؤخذ بالاحتياط. يؤخذ بالاحتياط إذا وجد الدليل، أو علم الحق فيه. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «احتجبي منه يا سودة». ومثله في أقضية كثيرة يقضي بها العلماء على نحو هذا. طيب، نكتفي بهذا. وإلى هنا والله تعالى أعلم.