الدرس في كتاب القصاص 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أحكام القصاص في القتل العمد العدوان، مبينا شروط وجوب القصاص وأنواع القتل ودليل الوجوب من الكتاب والسنة. يُوضح أيضًا خيار الورثة بين القصاص والدية.
يناقش هذا الفصل تفاصيل أحكام القصاص في الإسلام، بما في ذلك عدم جواز القتل غير العمد، ووجوب الحذر من القتل، والقصاص في الأعضاء، واختيار الورثة بين القصاص أو الفدية، وتساوي الذكر والأنثى والحر والعبد في القصاص.
يتناول هذا الفصل القاعدة الفقهية "لا ضرر ولا ضرار" وأهميتها في الإسلام، مشيرًا إلى دورها في توجيه الأحكام الفقهية المتعلقة بالقصاص وغيره.
بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: كتاب القصاص. قال: يجب على المكلف المختار العامد إن اختار ذلك الورثة، وإلا فلهم طلب الدية. وتقتل المرأة بالرجل والعكس، والعبد بالحر، والكافر بالمسلم، والفرع بالأصل لا العكس. ويثبت القصاص بالأعضاء ونحوها والجروح مع الإمكان، ويسقط بإبراء أحد الورثة، ويلزم نصيب الآخرين من الدية. وإذا كان فيهم صغير ينتظر في القصاص بلوغه، ويهدر ما سببه من المجني عليه. وإذا أمسك رجل وقتل آخر قتل القاتل، وحبس الممسك. وفي قتل الخطأ الدية والكفارة، وهو ما ليس بعمد أو من صبي أو مجنون، وهي على العاقلة وهم العصبة. أورد رحمه الله هنا كتاب القصاص بعد أن انتهى من الكلام على الحدود وما يتعلق بها من أحكام ومباحث ومسائل، بما يناسب هذا الكتاب المختصر. قوله: كتاب القصاص، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام القصاص. فالكتاب لغة: ما خط على القرطاس لحفظه. وكتاب يأتي بمعنى مكتوب، لأن فعال يأتي بمعنى مفعول كثيرًا، كما تقدم معنى وتكرر في دروس سابقة. والقصاص مأخوذ من الاقتصاص، وهو أخذ الحق للمعتدى عليه من المعتدي، وسأتي فيه تفاصيل. وابتدأ رحمه الله ذلك بالكلام على القصاص في القتل، والقتل ينقسم إلى قسمين: قتل بحق، وقتل بغير حق. فأما القتل بحق فهو من أذن الشرع بقتله، كمن تقدم ممن ذكر في الأبواب المتقدمة. وأما القتل بغير حق فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: العمد العدوان، وشبه العمد، والخطأ. وسأتي الكلام على هذه الأقسام الثلاثة إن شاء الله. قوله: يجب على المكلف المختار العامد إن اختار ذلك الورثة وإلا فلهم طلب الدية، هذه بعض شروط القصاص. أما كونه يجب على المكلف لما تقدم من إجراء القلم على العاقل البالغ، وهذا هو المكلف. فالصغير عمدُه خطأ، عمدُه خطأ لأنه غير مكلف، ولا يعني ذلك سقوط الحكم مطلقًا، ولكن ينتقل من العمد إلى الخطأ، فيترتب عليه ما يترتب على قتل الخطأ. وهكذا كذلك المجنون، لعموم ما تقدم من أدلة في هذا الباب، وضعف أهل الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. وجاء عند مالك والبيهقي بإسناد صحيح عن معاوية: ليس على المجنون قتل. وقوله: المختار، لما تقدم من الحديث: وما استكرهوا عليه. وهذا الصحيح فيه التفصيل، فيفرق بين الإكراه الذي ليس لصاحبه فيه إرادة، مثل أن يؤخذ إنسان ويضرب به إنسان آخر بكل جسده، أو تؤخذ يده فتضغط به زر القتل، فكونه أخذت يده لا يترتب عليه حكم لأنه مكره بذلك. بخلاف ما إذا قيل له: أقتل فلانًا أو ارمي هذا القاتل من متفجر أو غيره، فلا عذر له بكونه مكره؛ لأن هذا من القسم الذي لا يعدر، لا يعدر فيه بالإكراه، فليست نفسه أغلى من أنفس المسلمين الآخرين، فلهذا على الصحيح يقتل. وقوله: العامد، خرج المخطئ، وهكذا كذلك شبه العمد، وهو من قتل بما لا يقتل مثله غالبًا وإن تعمد الضرب، مثل أن يضرب بعصا فيقتل. وقد روي في هذا حديث، أي في شبه العمد، فيما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه مرفوعًا: ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مئة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها. والشاهد: ذكر شبه العمد، وهو كما قال العلماء: من قتل بما لا يقتل مثله غالبًا وإن تعمد الفعل، ضرب بيده فقتل، فهذا من شبه العمد، تعمد الضرب ولم يتعمد القتل. وهكذا كذلك ضرب بالعصا التي لا تقتل مثلها فقتل، هذا شبه العمد، فهو ليس فيه القصاص، ولكن يفرق. قوله: إن اختار ذلك الورثة، يعني إذا لم يختلفوا، أي اتفاق أولياء المقتول. فلو خالف واحد في القتل العمد العدوان سقط حكم القصاص، فلابد من اتفاق الأولياء. وقوله: وإلا فلهم طلب الدية، يعني إذا لم تتحقق هذه الشروط، ومن شروط القصاص كذلك أن يكون عالما بالتحريم، يعني سواء للقتل أو ما سيأتي من أنواع القصاص الأخرى. فلو كان من حديث عهد بإسلام، خصوصًا في غير القتل؛ لأن القتل معلوم لكل عاقل أنه لا يجوز، فضلا أن يدعي أنه لا يعلمه في دين الإسلام أنه حرام. ولا يشترط أن يعرف الحكم، يكفي أن يعلم بالحرمة. ومن الشروط كذلك أن يكون المقتول معصوم الدم، فلو قتل من هو ليس معصوم الدم فيسقط القصاص. ومن الشروط أن لا يكون المقتول ابنًا، فلا يقتل الوالد بولده كما سيأتي إن شاء الله. ومن الشروط أن لا يكون كافرًا أي المقتول. ومن الشروط أن لا يكون القاتل حاملا فإنها لا تقتل حتى تضح حملها، وغير ذلك. قوله رحمه الله: يجب أن يجب القصاص لأدلة الكتاب والسنة، قال الله عز وجل كما ذكر في الشرح: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وكتب في القرآن بمعنى فرضا وجبا. وهكذا قال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، ولفظة لكم تفيد كذلك الملكية التي يقع بها التصرف في هذا الفعل، مع الأدلة الأخرى يتحقق معنى الوجوب. وذكر حديث ابن مسعود المتقدم في الصحيحين: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، وذكر منها: النفس بالنفس. وهو النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة. وقوله رحمه الله في الشرح حين ذكر اعتبار العمد حديث عائشة: «لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، وهذا معنى في حديث ابن مسعود. والشاهد منه: «ورجل يقتل مسلمًا متعمدًا»، الشاهد في هذا اللفظ قوله: يقتل مسلمًا متعمدًا. فلو قتل كافرًا لم يقتل به، فلا يقتل المسلم بالكافر كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. ولو قتل غير متعمد مثل الخطأ وما كان بمعناه مثل شبه العمد، فإنه لا يقتل به لما تقدم من أحاديث شبه الخطأ. وهكذا كذلك الخطأ من باب أولى، وسيأتي إن شاء الله. ومع ذلك فينبغي الحذر من القتل والوصول إلى ما يفضي إلى القتل، ولهذا جاء الوعيد الشديد في التساهل في كل ما يفضي إلى القتل. فلعن نبينا صلى الله عليه وسلم «من وجه السلاح إلى أخيه المسلم، فإن الملائكة لا تزال تلعنه هكذا قال عليه الصلاة والسلام حتى يضع ذلك السلاح». والله عز وجل يقول في حق القاتل قتل العمد: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. وهكذا كذلك آيات كثيرة في هذا الباب. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يسفك دمًا حرامًا»، يعني يضيق عليه في حياته إذا سفك دمًا حرامًا، وتؤول عاقبته إلى السوء كما قال العلماء؛ لأنه يغلب جانب الرجاء فيفسد على نفسه دنيا أو يغلب جانب الخوف فيقنط من رحمة الله، والعياذ بالله، وكله شر. وذكر رحمه الله كذلك قضية اختيار الورثة، وهو ما تقدم من اتفاق الأولياء، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين»، يعني أنه أحال الحكم إلى أولياء المقتول، وهو حديث عائشة أو حديث أبي هريرة في الصحيحين. وجاء معنا عن عدد من الصحابة، فهو مخير بين أن يقتل وهو القصاص أو يفتدي يعني يقبل الفدية وهي الدية. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بتسليم القاتل إلى أولياء المقتول، فإن حبوا قتلوا وإن حبوا عفوا وقبلوا الدية. وهل في هذا دليل على جواز إقامة الحدود من غير السلطان؟ الجواب: لا، بل الحدود لا يقيمها إلا السلطان، وهذه الأحكام للسلطان لما تقدم من أدلة كثيرة في هذا الباب. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة أن الحدود ترجع إلى السلطان، قصة ماعز، وهكذا كذلك المخزومية التي سرقت، وغيرها من الأدلة الأخرى الكثيرة. وما ذكره رحمه الله أن المرأة تقتل بالرجل والعكس لما صحه بحديث عمر بن حزم في كتابه المشهور عند أهل الفقه، والحديث وهو حديث صحيح. وأشار إلى تخريجه في الشرح، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الذكر يقتل بالأنثى، فمن باب أولى أن تقتل الأنثى بالذكر، وهو عموم قول الله عز وجل: ﴿النَّفْسُ بِالنَّفْسِ﴾، فهذا يقتضي التسوية في النفوس، هذا هو الأصل. وما ذكره من قتل العبد بالحر فكذلك لعموم الأدلة في هذا الباب. وأما العكس فقد أشار إلى أنه لا يقتل السيد بالعبد، والصحيح خلاف هذا، فليس هناك شيء صحيح صريح يدل على ما ذكره رحمه الله، بل عمومات الأدلة تخالفه. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم عند النسائي وغيره: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم». فقول: تتكافأ دماؤهم، هذا عام يشمل كل مؤمن الذكر والأنثى والحر والعبد. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه»، وهو حديث حسن بمجموع طرقه على الصحيح، وإن كان في إسناده ضعف لرواية الحسن عن سمرة، لكن في الباب من الآثار وكذلك فتاوى الصحابة ما يصح به هذا المعنى، ولهذا أفتى به كثير من أذا كثير من أهل العلم. وكان الإمام أحمد رحمه الله يقول بهذا القول، أي لا يقتل السيد بالعبد، والحر بالعبد، ثم رجع إلى القول الآخر، وهو الصحيح الذي تدل عليه عمومات الأدلة، وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وأشار إلى بعض الأحاديث في هذا الباب، وكما تقدم ليس هناك شيء صحيح صريح يدل على المنع، والأصل العمل بعموم الأدلة في هذا الباب. وأما ما ذكره من عدم قتل المسلم بالكافر، فيما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة النهي عن ذلك: «لا يقتل مسلم بكافر». والحكمة من هذا: الترغيب في دخول الإسلام، هذه حكمة. ومع ذلك لا يعني ذلك أن يقتل المسلم الكافر على وجه البغي والعدوان، ويترك لا، بل يعاقبه الإمام إن كان هناك بغي وعدوان يعاقبه. وقد صح في حديث علي في البخاري في الكتاب الذي كتب له: «أنه لا يقتل مسلم بكافر»، وهذا عام يشمل الكافر الحربي، وهكذا كذلك غير الحربي. ولا يعني أن غير الحربي دمه حلال، بل دمه حرام، وهم ثلاثة: المعاهد، والذمي، والمستأمن. تحرم دماؤهم من الكفار، المعاهد: من بينه وبين المسلمين عهد بشخصه أو ببلده. والذمي: من بقي في بلاد المسلمين يدفع الجزية، فله حق الذمة، ودمه حرام. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الوعيد الشديد فيمن قتل ذميًا أو معاهدًا في غير كنهة: «أنه لا يجد رائحة الجنة». وهكذا كذلك المستأمن الذي يدخل إلى بلاد الإسلام بأمان من دولة الإسلام وولي أمرها، أو من فرد من أفرادها، حتى ولو كان حربيًا إذا دخل بأمان أحد المسلمين فيجب أن يعطى الأمان. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قد أجرنا من أجرت يا أمهان». فإذا كانت امرأة قبل النبي صلى الله عليه وسلم جوارها فكيف بما هو أعظم من هذا؟ وما ذكره من عدم قتل الأصل بالفرع فلما أشار إليه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل الوالد بولده»، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه، وقد روي عن عدد من الصحابة، ونقل بعض أهل العلم فيه الإجماع. وما ذكره من القصاص في الأعضاء فلعموم قول الله عز وجل: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية. ولحديث أنس في الصحيحين في قصة الربيع حين كسرت ثنية جارية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص، قال: «كتاب الله القصاص، كتاب الله القصاص». وهناك تفاصيل كثيرة ذكرها العلماء في كتب الفقه وشروح الحديث فيما يتعلق بالقصاص، خصوصًا في الأعضاء. خلاصتها أن القصاص أو أهم ما يذكر في ذلك: أن القصاص يقام فيما يمكن فيه القصاص، يعني هناك شيء ممكن أن يقام فيه القصاص، وهناك شيء لا يمكن أن يقام فيه القصاص، فهنا يكون الأرش. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في الكلام على الديات، وهو الفارق بين قيمة العضو سليمًا ومعيبًا. مثل إنسان ضرب آخر برجله أو بيده فشلت بعض أصابع اليد أو الرجل، هل يمكن القصاص فيه؟ ما يمكن. كيف يمكن؟ هذا صعب؛ لأنه لو ضربه ضربه قد تشل الرجل كلها، وهذا اعتداء، والمطلوب العدل، وهذا لا يمكن العدل فيه، فهنا يكون الأرش. وما ذكره رحمه الله من سقوط القصاص في قوله: والجروح مع الإمكان كما تقدم، ويسقط بإبراء أحد الورثة كذلك كما تقدم. وأشار إلى بعض الأدلة في هذا الباب، ومن ذلك ما أشار إليه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو حديث حسن بمجموع طرقه، قال: «قضى أن المرأة تعقل عصبتها من كانوا ولا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلها». وهكذا كذلك ما أشار إليه في الحديث الذي قبله، فالشاهد: هذه الأحاديث منها ما هو صحيح، منها ما هو ضعيف، تدل على ما أشار إليه من كونه قد يسقط بإسقاط بعض الأولياء للقتل. ووجه الاستدلال كما أشار في قوله: وهم يقتلون قاتلها، قال: يفيد أن ذلك حق لهم يسقط بإسقاطهم أو إسقاط بعضهم. وقد رويت فيه فتاوى كثيرة عن الصحابة تدل على هذا المعنى. وما ذكره من سقوط القصاص عن الصغير فلما تقدم في الصبي حتى يحتلم، حديث علي وابن عباس رضي الله عنهم. وما ذكره من القصاص من المجني عليه إذا كان هو السبب، يعني ما لم يكن هناك مانع، فمن المانع أن يكون هناك السبب أن يكون منه السبب. ودليله ما أشار إليه في حديث عمران بن حصين في الصحيحين: أن رجلا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقع ثنيته، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل، لا دية لك». لماذا لا دية له؟ لأنه هو المعتدي، وهو الذي عض، وهذا أراد أن يتخلص ما يمكن يترك يده حتى يكمل العض، أراد أن ينزع يده فخرجت بعض أسنانه، فهذا لا دية له؛ لأنه المعتدي. وهذا هو قوله: إذا كان هو السبب. وما ذكره رحمه الله من القصاص من المساعد في القتل، فأشار إلى الحديث، هو لم يصح في هذا المعنى. والصحيح أنه إذا كانت مشاركته بما يتحقق به القتل فهو يقتل معه، وإن كانت مشاركته فيما لا يظن أنه يوصل إلى القتل، فإنه يكون من شبه العمد أو الخطأ بحسب حاله، بحسب حاله، وهذا يرجع للإمام والقاضي ينظر كيف كان الاعتداء. وعمومات الأدلة تدل على ذلك، والأصل هو العدل في هذا الباب، كما ذكر: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، فليس كل ممسك لا يستحق القتل، بل الممسك لما يتحقق فيه القتل مشارك في القتل. وقد صح عن عمر رضي الله عنه أنه قتل مجموعة اشتركوا في قتل رجل من أهل صنعاء، فقتلهم به جميعًا. ولما أراد أن يراجعه بعض الناس قال: لو اشترك بقتله أهل صنعاء جميعًا لقتلتهم به، وهذا هو العدل ما دام اشتركوا في قتله فإنهم يقتلون جميعًا إذا تحقق ذلك. وما ذكره من أن الدية على العاقلة، هذا سيأتي إن شاء الله في الكلام على الديات. وقد أشار إلى بعض الأدلة، وهذا إن شاء الله كما قلنا سيأتي إن شاء الله في الكلام على الديات. هذا خلاصة ما ذكره رحمه الله في هذا الكتاب، وسنأتي إن شاء الله بتتمة مسائل هذا الكتاب في الكتاب الذي بعده. سائل يقول: كيف في زماننا إذا كانت الدولة لا تقيم الحدود؟ يعني ماذا؟ إيش تريد إذا لم تقيم الحدود؟ هل هي كافرة؟ هذا إذا قدر أنها لا تقيم الحدود، وهم يقيمون الحدود لكن قد لا تقام أحيانًا، وهذا لم تسلم منه دولة، وليس هو يفضي إلى التكفير، ينبغي الحذر من هذا الفكر الضال المنحرف. نحن بحمد الله في بلاد إسلام تقر بشريعة الإسلام وتحكم شرع الله، وإذا وقع تقصير فهذا من الظلم والفسوق الذي لا يوصل إلى الكفر، وينبغي التعقل في هذا الباب، وأن لا تدخل لوثة التكفير ومنهج أهل الظلال بتلك الخطب الحماسية وما كان بمعناها من الكلام الفارغ عن العلم. فالمسألة دين وانضباط بأدلة الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، والرجوع إلى كلام أهل العلم، ليست حماسات وكلام فارغ عن العلم. يقول: ما هو رأيكم في السلاح الذي يلعب به بعض الأولاد؟ ما هو هذا السلاح لم تذكره؟ يوجه بعضهم إلى بعض. إذا كان هذا السلاح من ألعاب الأطفال التي ليس فيها مضرة، يعني مثل أن يكون مثلًا شكله شكل البندقية، وهي ليست البندقية، ما فيها شيء، تعطي صوت فقط، هذا لا يضر، ولا يدخل في حكم توجيه السلاح؛ لأن الطفل لا يمكن من السلاح أصلا، لا يمكن من السلاح وهو لا يعقل. لكن إذا كان فيه شيء من الضرر فهذا لا يجوز، كان يكون حقيقي أو كذلك فيه ما يرمى ويؤذي؛ لأن بعض الألعاب تأتي خارج عن معنى المعايير الشرعية، وكذلك العرفية التي ينبغي أن يكون بها حفظ الناس من الضرر. فهناك مصانع تصنع أي شيء، فإن كان فيه بمعنى الخدش يعني مثل الحصى الصغير الذي قد يضر العين أو يضر، ما كان بمعنى فهذا لا يجوز، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخدف. فالمهم القاعدة: «لا ضرر ولا ضرار». نعم. طيب. إلى هنا والله تعالى أعلم.