التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام  6

التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 6

الدرس في التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعليق على شرح حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية

يتعرض الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك لشرح حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية، ويناقش مسائل تتعلق بالصيام مثل الشك في طلوع الفجر وغروب الشمس. يرى الشيخ أن الراجح هو عدم إفساد الصوم ببعض الأمور لعدم ورود نص شرعي يدل على ذلك.

حكم استخدام الحقن والإبر والأدوية أثناء الصيام

يناقش حكم استخدام الحقن والإبر والأدوية أثناء الصيام، ويخلص إلى أن ما يدخل إلى الجوف عمدا يفطر إذا كان طعاما أو شرابا. بينما لا يفطر إذا لم يكن كذلك، كما يوضح حكم استخدام الكحل والتقطير في العين والأذن والإحليل أثناء الصيام.

أدلة عدم إفساد الصوم بالأشياء المذكورة وتطبيقات فقهية أخرى

يشرح ابن تيمية أن القياس ليس حجة قوية لإفساد الصوم، وأن الأحكام الشرعية تحتاج إلى نصوص واضحة. كما يتناول مسائل فقهية متعددة مثل حكم دراسة الفقه على مذهب معين، وحكم صيام يوم الجمعة مفردًا بسبب العذر.

حكم الاعتكاف ومدته في رمضان وغيره

يجوز الاعتكاف في غير رمضان ولو ليلة أو لحظة، أما في رمضان فالسنة اعتكاف عشرة أيام، ويسن العشر الأواخر. كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان لطلب ليلة القدر.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمهم الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السادس. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد مر معنا في الدرس الماضي في التعليق على كتاب حقيقة الصيام، وما علق به شيخنا محمد بن صالح عثيمين، رحمه الله تعالى، في هذا الدرس الخامس، مر معنا عدة مسائل تتعلق بالصيام، ومن ذلك ما أشار إليه المؤلف، رحمه الله تعالى، في مسألة الشك في طلوع الفجر، وأن الأصل هو بقاء الإمساك، وأن الأصل بقاء الأكل والشرب ما دام لم يتبين الفجر، لقول الله عز وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، فقولوا: «حتى يتبين»، أي حتى يتيقن دخول الفجر، فالأصل هو بقاء الأكل والشرب حتى يحصل اليقين بدخول الفجر. وأشار الشيخ، رحمه الله، إلى مسألة وسؤال، وذلك أنه إذا قال قائل: هل كذلك نقول مثل هذا في إفطار الصائم إذا شك في غروب الشمس؟ الجواب قال: لا، لا يفطر؛ لأن الأصل هو الإمساك، وقد تقدم معنا الإشارة إلى ذلك، بأن معرفة أصول الأشياء أمر مهم، لما كان قبل طلوع الفجر الأصل هو الأكل والشرب، فإذن هو يستمر في الأكل والشرب حتى يتيقن أن الفجر قد ظهر وطلع، فعند ذلك جاء الحاضر والمانع. وأما من هو في الصيام، فإنه لا يفطر حتى يتأكد أن الشمس غربت، فإن كان هناك ليس يقين -كالغيم- فكما قلنا يعمل بغلبة الظن، يعمل بغلبة الظن. قال المؤلف، رحمه الله تعالى، وهذا هو درسنا السادس من هذا الكتاب، قال المؤلف، رحمه الله تعالى: «وما يقطر في إحليله، ومداوات المأمومة والجائفة، فهذه مما تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بالجميع، لا بالكحل، قال: ومنهم من فطر بالجميع، لا بالتقطير، ومنهم من لم يفطر بالكحل ولا بالتقطير، ويفطر بما سوى ذلك». يعني أنهم اختلفوا في هذه الأشياء، وما كان بمعناها مما يدخل إلى الجسد، سواء من العين أو من فتحة الشرج -وهي الحقنة-، الكحل من العين، والحقنة من فتحة الشرج، وما يقطر في الإحليل -أي في الذكر-، ويقطر لأجل العلاج، سواء لإخراج الحصى أو لإخراج البول إذا احتاج لإخراجه ولم يخرج بسبب حصيات أو نحو ذلك، ومداوات المأمومة، وسيأتي إن شاء الله هو نوع من أنواع الجراحات والجنايات، والجائفة كذلك، وهو ما يدخل من جهة البدن، سواء في الرأس أو في موضع من مواضع الجسد. وهكذا كذلك كل ما كان بمعناه مما يدخل من جهة الأذن أو الأنف أو غيره، هل يفطر أو لا يفطر؟ ذكر خلافًا في هذه المسألة. ثم قال، رحمه الله: «والأظهر أنه لا يفطر بشيء»، يعني لا شيء من هذا يفطر، أو لا يفطر بشيء من ذلك، فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها، لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوه سائر شرعه. فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في ذلك، لا حديثًا صحيحًا ولا ضعيفًا، ولا مسندًا ولا مرسلًا، علم أنه لم يذكر شيئًا من ذلك، ومعناه أن الراجح في هذه المسائل، وما كان بمعناها، أنه لا شيء من ذلك يفطر الصائم، أو يفطر الصائم؛ لماذا؟ قال: «لأن هذا مما تعم به البلوى، ويكثر وقوعه، ومع ذلك لم ينقل شيء عن النبي، عليه الصلاة والسلام، عن الصحابة، فعلم بهذا أن الأصل هو براءة ذلك من أن يكون مفطرًا». قال، رحمه الله: «والحديث المروي في الكحل ضعيف، رواه أبو داود في السنن، ولم يروه غيره، ولا هو في مسند أحمد، ولا سائر الكتب المعتمدة». والمعنى أن الحديث الذي روي في أمر الكحل -سيأتي إن شاء الله- لم يصح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «قال أبو داود: حدثنا النفيلي، قال: حدثنا علي بن ثابت، قال: حدثني عبد الرحمن بن النعمان، قال: حدثنا معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال: ليتقه الصائم، قال أبو داود: وقال يحيى بن معين: هذا حديث منكر، قال المنذري: وعبد الرحمن -يعني ابن النعمان- الذي تقدم، قال يحيى بن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: من رازبه وصدوق، لكن من الذي يعرف أباه وعدالته وحفظه؟». فإذن الحديث ضعيف، لا يصح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فأولًا فيه من هو ضعيف، وهو عبد الرحمن بن النعمان، ولو أن بعض أهل العلم قال: هو صدوق، لكنه على الراجح فيه ضعف، على أقل أحواله، إضافة إلى ذلك -كما قال-: «من الذي يعرف أباه وعدالته؟» يعني بذلك معبد بن هذة؛ فقد ذكر الزيلعي عن صاحب التنقيح أن معبد وابنه مجهولان، أو قال: كالمجهولين، وهكذا عبد الرحمن بن النعمان فيه ضعف، فهاتان علتان ضعف بهما الحديث، وهو ليس مما يعتمد عليه. ولهذا سيأتي معنا أن الترمذي قال: «لم يصح في الباب شيء»، قال: وكذلك حديث معبد قد عورض بحديث ضعيف، وهو ما رواه الترمذي بسنده عن أنس بن مالك، قال: «جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: اشتكيت عيني، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: نعم، قال الترمذي: ليس بالقوي، ولا يصح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في هذا الباب شيء»، يعني لا بالمنع، ولا كذلك بالحل. ولكن هل معنى هذا أنه ممنوع؟ الجواب: لا؛ لأنه على أصل الإباحة، وهو الحل؛ لعدم ورود مانع شرعي. قال: «وفيه أبو عاتكة القائل الترمذي، وفيه أبو عاتكة، قال البخاري: منكر الحديث، وأبو عاتكة هو طريف بن سلمان، ويقال: سلمان بن طريف، ليس بالثقة؛ كما قال النسائي، وقال الرازي: ذاهب الحديث، وقال البخاري: كما ترونها هنا منكر الحديث»، فالحديث لا يصح عن النبي، صلى الله عليه وسلم. وأراد شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، أن يبين أنه إذا احتج أحد بالحديث الضعيف الأول، فيعارض بحديث ضعيف آخر، فليس هذا بأولى من هذا، فبطل الحديثان، ولهذا قال الترمذي: «لم يصح شيء في الباب»، ونبقى على الأصل، وهو الإباحة والحل. قال، رحمه الله: «الذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر -كالحقنة، ومداوات المأمومة والجائفة- لم يكن معهم حجة عن النبي، صلى الله عليه وسلم»، يعني الذين قالوا بأن هذه الأشياء، وما كان بمعناها، تفطر -كالحقنة، أي الشرجية التي تضرب من الأسفل-، وغالبًا تستخدم إذا كان هناك يبوسة شديدة، فيحقن بحقنة، إما فيها نبتة السنا أو ما كان بمعناها مما يعين على حل ما فيه من إشكال، أو أمور أخرى. واليوم قد تستخدم وسائل كثيرة لأمور كثيرة بمعنى هذا، أو بمعنى هذه الحقنة، وأما المأمومة والجائفة، فكما تقدم معنا، هي من الجنايات، وقد أشار الشيخ، رحمه الله، أن المأمومة هو الجرح في الرأس يصل إلى أم الدماغ، ولهذا سميت مأمومة؛ لأنها تصل إلى أم الدماغ، يعني تظهر على الدماغ، وتذكر هذه في كتاب الجنايات، ففيها ثلث الدية، من اعتدى بمثل هذا العدوان، ففي ذلك ثلث الدية. ولكن المقصود ها هنا الكلام من حيث الإفطار، إذا احتيج إلى إدخال دواء -لسواء عسل أو غيره- ليعين في شفاء هذا المريض في المأمومة، وهو هذا الجرح في الرأس يصل إلى الدماغ، أو الجائفة، والجائفة -كما أشار الشيخ كذلك، رحمه الله- ويدكر في كتب الفقه، في كتاب الجنايات، هو الجرح الذي يصل إلى الجوف، يعني طعنة أو ضربة تضرب الجوف، فتصل إلى داخل الجوف، فتسمى جائفة، وفيه في الجنايات ثلث الدية. فكذلك إذا أدخل شيء -عسل أو غيره- إلى هذا الموضع لأجل أن يتعافى من هذا الجرح، فهل هذا مفطر؟ الصحيح -كما ذكر الشيخ ابن تيمية، رحمه الله- أنه ليس بمفطر؛ لماذا؟ لأنه ليس بإطعام، ولا في معنى الإطعام، ولو كان الذي أدخل طعامًا -كالعسل أو الدواء أو نحوه- فهو لكونه دخل في موضع ليس فيه معنى الإطعام، ولا هو كذلك لأجل الإطعام، فإنه ليس بمفطر، هذا هو الصحيح. ثم أشار الشيخ، رحمه الله، الشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، إلى مسألة التحاميل للحمى أو لغيرها، التي قد تستخدم للكبار أو للصغار، فما حكمها؟ الصحيح أن حكم الحقنة الشرجية ليست بمفطرة، هذا هو الصحيح، وهكذا الإبر المغذية، الصحيح أنه يفصل فيها، إذا كانت تقوم مقام الطعام والشراب، فيستقوى الجسم به، ويستغني به عن الطعام والشراب -كالمغذيات المشهورة المعروفة- فهذه مفطرة، ولو دخلت من غير الجوف، كأن تدخل من العروق -مثلًا- المغذيات التي تدخل مع العروق، فإنها إذا قامت مقام طعام وشراب فهي مفطرة، وإذا لم تقم مقام طعام وشراب فهي ليست بمفطرة، لا تفطر الصائم، هذا هو الصحيح في هذه المسألة. قال، رحمه الله: «وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس، أقوى ما احتج به قوله: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» حديث لقيط بن صبرة الذي تقدم معنا، ومعناه في أحاديث أخرى، قالوا: فدل ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله، وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله، من حقنة وغيرها، سواء كان ذلك بموضع الطعام والغذاء أو غيره، من حشو جوفه»، يعني أنه مفطر. والصحيح خلاف ذلك؛ لماذا؟ لأنه ليس بمعنى الطعام والشراب، وأما الاستنشاق، فالاستنشاق في الحقيقة نهي عنه؛ لأنه مظنة الدخول إلى الجوف، أي المبالغ فيه، فينبغي أن نفرق بين المنافذ التي توصل إلى الجوف، أي يوصل إلى المعدة، فقد يصل الطعام من الأنف إلى المعدة -كما يفعل في بعض المغذيات-، أو كذلك قد يصل من الفم، فهذان المنفذان منفذان يوصلان إلى المعدة، فلذلك نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، عن المبالغة في المضمضة والاستنشاق؛ حتى لا يدخل شيء بالخطأ من جهة الفم بالمضمضة، ومن جهة الأنف بالاستنشاق. فإذا دخل شيء خطأ، فهو على ما تقدم، فالأصل في باب الخطأ العفو، «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا»، وقد تقدم معنا ما جاء عن النبي، عليه الصلاة والسلام: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه». أما إذا كان من جهة أخرى لا يصل إلى جوف المعدة، فيجد الإنسان طعمه في الفم، وتحرزه، فإنه لا يضر -كالقطرة في الأذن، أو القطرة في العين، أو كذلك حتى الدهن في الجلد، أو المأمومة أو الجائفة-، فيجد طعمها في جسده، وكما ذكر بعض أهل الخبرة: ربما يوضع الحنظل أو ما كان بمعنى من دواء في أسفل القدم، فيجد طعمه الإنسان في الفم، هذا لا يضره، هذا لا يضره. فما حصل من أثر بالمجاورة والملامسة، فإنه لا يضر، بخلاف ما يدخل إلى الجوف على وجه العمد، هذا ينبغي أن يكون في الحسبان. قال، رحمه الله تعالى: «والذين استثنوا التقطير، قالوا: التقطير لا ينزل إلى جوفه، وإنما يرشح رشحًا، فالداخل إلى إحليله كالداخل إلى فمه وأنفه»، والصحيح خلاف ذلك. يعني أن الترشيح والإدخال إلى الإحليل له طريقتان: طريقة أن يفتح الطريق لإخراج البول -كان يدخل شيء ينظف الطريق- كأنبوب أو غيره، وتستخدم اليوم مسائل حديثة، فإذا احتقنا البول بسبب الحصى والأتربة أو غير ذلك، فإنه يفتح الطريق بإدخال شيء، هذه الطريقة. طريقة أخرى كانوا يستخدمونها، وهي الترشيح، أي يستخدمون شيئًا مبللًا يدخل، فإذا لم يستطيعوا فتح الطريق، فإنهم يدخلون شيئًا مبللًا فيه رقاقة، هذه الرقاقة مع ضغط البول المجتمع والمحتقل في حاقنته يخرج بهذا الترشيح إلى الخارج، يخرج بهذا الترشيح إلى الخارج، فيرتاح هذا المريض من الاحتقان الذي كان به مؤقتًا إلى أن يجد له علاجًا. فهذه الطريقة، ولو دخل هذا الشيء -كان خرقة، كان أنبوبة، كان ما كان- إلى هذا الموضع في الجسد، فإنه لا يضره، وليس بمفطر، حتى لو أدخل للعلاج دواء أو العسل أو غيره، فإنه ليس بمفطر، هذا هو الصحيح، كما تقدم، وإشارة إليه في أول هذا الفصل، رحمه الله تعالى. قال، رحمه الله تعالى: «والذين استثنوا الكحل، قالوا: العين ليست كالقبل والدبر، ولكن هي تشرب الكحل كما يشرب الجسم الدهن والماء»، يعني أنهم منعوا من دخول شيء في القبل والدبر، وقالوا: هذا يفطر، وأما العين لا تفطر؛ لأنه لا يدخل إلى الجوف، والصحيح أن الجميع لا يحصل به الإفطار، هذا هو الصحيح، كما تقدم معنا. قالوا: «والذين قالوا: الكحل يفطر، قالوا: إنه ينفذ إلى داخله حتى يتنخمه الصائم؛ لأن في داخل العين منفذًا إلى داخل الحلق»، وهذا صحيح، هناك منفذ من العين إلى الحلق، لكن لا يعني ذلك أنه يدخل إلى الجوف، كما لا يعني أنه يفطر، كما لا يعني لو وقع الخطأ حتى أنه بهذا الخطأ يفطر؛ لأنه قد يصل إلى الحلق، فيبتلعه وهو لا يدري، أو خطأ، فلا حرج في ذلك. فإذا نزل إلى الحلق، عليه أن يتحرز ويبصقه إلى الخارج. قال: «وإذا كان عمدتهم هذه الأقسة ونحويها، لم يجز إفساد الصوم بمثل هذه الأقسة لوجوه»، يعني ليس عندهم شيء صحيح صريح يفسدون به صوم الصائم، والأصل بقاء ما كان على ما كان، أي بقاء الصيام على ما هو عليه، إلا بدليل صحيح صريح. قال: «أحدها: أن القياس، وإن كان حجة إذا اعتبرت شروط صحته، فقد قلنا في الأصول: أن الأحكام الشرعية كلها بيّنتها النصوص، وإن دل القياس الصحيح على مثل ما دل عليه النص دلالة خفية، فإذا علمنا بأن الرسول لم يحرم الشيء، ولم يوجبه، علمنا أنه ليس بحرام، ولا واجب، وأن القياس المثبت لوجوبه وتحريمه فاسد، ونحن نعلم أنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على الإفطار بهذه الأشياء التي ذكرها بعض أهل الفقه، فعلمنا أنها ليست مفطرة». وهو كما قال، رحمه الله؛ لماذا؟ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فهذا الأول يشير إلى أن الأصل بقاء الصيام، وأننا لا نخرج عن هذا الأصل إلا بشيء صحيح صريح، وليس هناك شيء صحيح صريح، لا من جهة الدليل -وكما تقدم: الأدلة لم تصح-، ولا من جهة التعليل؛ لأن التعليل -كما سيأتي معنا- قياس خفي ضعيف، تعارضه عمومات الشريعة، ولا يلتئم، ولا يلتئم المسلك الصحيح في القياس، كما سيأتي إن شاء الله. قال: «الثاني: يعني من الأوجه التي تفسد هذه الأقوال المرجوحة التي أشار إليها»، قال، رحمه الله: «أن الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها، لابد أن يبينها الرسول، صلى الله عليه وسلم، بيانًا عامًا، ولابد أن تنقلها الأمة، فإذا انتفى هذا، علم أن هذا ليس من دينه». وهذا كما يعلم أنه لم يفرض صيام شهر غير رمضان، ولا حج بيت غير البيت الحرام، ولا صلاة مكتوبة غير الخمس، ولم يوجب الغسل في مباشرة المرأة بلا إنزال، ولا أوجب الوبوء من الفزع العظيم، وإن كان في مظنة خروج الخارج، ولا سن الركعتين بعد الطواف بين الصفا والمروة، كما سن الركعتين بعد الطواف في البيت. وبهذا يعلم أن المني ليس بنجس؛ لأنه لم ينقل عن أحد بإسناد يحتج به أنه أمر المسلمين بغسل أبدانهم وثيابهم من المني، من عموم البلوى بذلك، بل أمر الحائض أن تغسل قميصها من دم الحيض، مع قلة الحاجة إلى ذلك، ولم يأمر المسلمين بغسل أبدانهم وثيابهم من المني. والحديث الذي يرويه بعض الفقهاء: «يغسل الثوب من البول والغائط والمني والمدي والدم» ليس من كلام النبي، صلى الله عليه وسلم، وليس في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها، ولا رواه أحد من أهل العلم بالحديث بإسناد يحتج به، وإنما روي عن عمار وعائشة من قولهما، وغسل عائشة للمني من ثوبه، وفركها إياه، لا يدل على وجوب ذلك؛ فإن الثياب تغسل من الوسخ والمخاط والبصاق، والوجوب إنما يكون بأمره، لا سيما ولم يأمر هو سائر المسلمين بغسل ثيابهم من ذلك، ولا نقل أنه أمر عائشة بذلك، بل أقرها على ذلك، فدل على جوازه، أو حسنه، واستحبابه، وأما الوجوب فلابد له من دليل. قال: «وبهذه الطرق يعلم أيضًا أنه لم يوجب الوضوء من لمس النساء، ولا من النجاسات الخارجة من غير السبيلين؛ فإنه لم ينقل أحد عنه بإسناد يثبت مثله أنه أمر بذلك، مع العلم بأن الناس كانوا لا يزالون يحتجمون وتقيؤون ويجرحون في الجهاد وغير ذلك، وقد قطع عرق بعض أصحابه ليخرج منه الدم، وهو الفصاد، ولم ينقل عنه مسلم أنه أمر أصحابه بالتوضؤ من ذلك». هذه مجموعة من المسائل ذكرها استطرادًا، رحمه الله، أولًا أراد، رحمه الله، بهذا الثاني الإشارة إلى أن هذه المسائل مما عمت به البلوى، ومما يكثر وقوعه في الناس، فما دام لم ينقل عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فيه شيء، فالأصل هو الجواز، وعدم المنع، وأنه لا يفطر الصائم شيء من ذلك، أي من هذه الأشياء المذكورة. ثم ذكر استطرادًا، أو أولًا تدليلا، ثم استطرادًا تدليلا على ما سبق: أنه كما في مسائل مثلها لم ينقل عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فيها شيء، فالأصل أنها تبقى على ما هي عليه، فكذلك في هذه المسائل، في مسائل الصيام، ومثل بهذه المسائل: أنه لم ينقل صيام شهر غير صيام رمضان، وكذلك الحج إلا حج بيت الله الحرام، والصلوات الخمس. ولم يجب الغسل في مباشرة المرأة بلا إنزال، يعني إذا لم ينزل، وباشر امرأته، ليس فيه غسل، وقد صح عن النبي، عليه الصلاة والسلام، أنه كان يقبل ويصلي، فهو لم يتوضأ، فضلا أن يؤمر بالغسل؛ كما جاء في حديث عائشة عند أبي داود وغيره. وقوله: «ولا أوجب الوضوء من الفزع العظيم؛ لأن هذه المسألة يذكرها بعض الفقهاء؛ لأن الفزع العظيم -كما أشار الشيخ في التعليق، شيخنا ابن عثيمين، رحمه الله- مظنة خروج الخارج، بعض الناس إذا فزع قد يخرج منه شيء، سواء هواء -ريح- أو بول، أو ربما ما هو أعظم من ذلك، وهو الغائط، وهو واقع، حتى في بعض الحيوانات لمن له معرفة، وقد ذكر ذلك بعض أهل المعرفة وأهل العلم تمثيلًا؛ فإن بعض الحيوانات، وكذلك بعض الإنس، قد يصابون بذلك، لكن هذا ليس كل الناس، كما أنه ليس كل الحيوانات. فإذا حصل مثل هذا، فيحصل الكلام الآن على نقض الوضوء، يحصل نقض الوضوء بخروج، وتيقن خروج هذا الخارج، أما إذا كان شك، أو أنه فقط حصل الخوف، فهذا الخوف -ولو كان هو عند بعض الناس مظنة خروج شيء- ليس هو بناقض من نواقض الوضوء، ولا يحصل به نقض الوضوء، إلا حصل اليقين أن شيئًا خرج، بل إذا شك، لم يجز له أن يحكم على نفسه، وعلى غيره، بأن وضوءه قد انتقض، ولا يدخل نفسه في باب الوسوسة، ولا غيره. وهكذا قوله: «ولا سن الركعتين بعد الطواف»، يعني بين الصفا والمروة، ما في ركعتين، لا يقول قائل: كما أن هناك صلاة ركعتين بعد الطواف، كذلك بعد الصفا والمروة يقال: لا، من أين أتيت بهذا؟ لم ينقل عن النبي، عليه الصلاة والسلام، فإن قال: زيادة خير، زيادة احتياط، نقول: لا يجوز؛ لأن هذا دين، ولا يجوز التقول على الله، ولا على رسوله، ولا على شرعه، في شيء من العبادات، إلا بدليل. قال: «وبهذا يعلم أن المني ليس بنجس»، يعني كذلك لم ينقل شيء، وهذه المسائل التي ذكرها هي مسائل وقع بعضها فيها الخلاف بين الفقهاء، والصحيح ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. ثم ذكر استطرادًا كذلك الحديث المروي في هذا الباب: «يغسل الثوب من البول والغائط والمني والمدي والدم»، وقد أشار إلى أن هذا الحديث لا يصح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد روي هذا الحديث من حديث عمار مرفوعًا، رواه الدارقطني في سننه، والبيهقي في الكبرى، وأبو يعلى الموصلي، والبزار، وابن عدي، ولكنه حديث ضعيف، لا يصح عن النبي، صلى الله عليه وسلم؛ فقد جاء من طريق ثابت بن حمد، وثابت بن حمد اتهم بالوضع، ولهذا قال البيهقي: «هذا حديث باطل»، بعد أن أشار إلى أن ثابت بن حمد اتهم بالوضع، وكذلك فيه علي بن زيد بن جدعان، وروايته -كما هو معلوم- ضعيفة. قال، رحمه الله تعالى: «وغسل عائشة للمني إلى آخره»، أشار إلى حديث عائشة في الصحيحين، أنها قالت: «كنت أغسل المني من ثوب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيخرج إلى الصلاة، وإن بقع، وإن البقع لفي ثوبه»، وهذا الحديث في الصحيحين، لكن ليس فيه دليل على نجاسة المني، بل فيه دليل على مشروعية غسل المني، أو إزالته، أو حكه؛ لأنه جاء في بعض الروايات: «يفرك»، ودل على أن فركه دليل على عدم نجاسته، وغسله، وغسله كذلك ليس فيه دليل على نجاسته، ولا على وجوب الغسل، ولكن -كما أشار الشيخ، رحمه الله- قد يدل على الجواز، أو الاستحسان، أو الاستحباب، لا أكثر من ذلك. ثم أشار، رحمه الله، أنه بهذه الطرق أيضًا -يعني أننا نبقى على الأصل، وأن عدم البيان وقت الحاجة ممتنع- يعلم أنه لم يوجب الوضوء، أي النبي، صلى الله عليه وسلم، من لمس النساء، فالمراد بلمس النساء في الآية إنما هو الجماع؛ كما ذكر ذلك المحقق قول في كتب التفسير، في تفسير هذه الآية، وهكذا كذلك في كتب الفقه، في الكلام على نواقض الوضوء. وهكذا قوله: «وقد صح عن النبي، عليه الصلاة والسلام -كما تقدم قريبًا- حديث عائشة: «كان يقبل ويخرج إلى الصلاة، ولا يتوضأ»، وقوله: «ولا من النجاسات الخارجة من غير السبيلين»، يعني إذا خرجت النجاسة من غير السبيلين -كان تخرج بسبب الجائفة، طعنة في الجوف، فتخرج النجاسة من البطن، لا من المخرج- فهذا ينتقض الوضوء، الصحيح أنه لا ينتقض الوضوء؛ لأنه خرج من غير ما خرج، يكفي أن يزال، ويصلي. وقوله كذلك: «ولا يزال الناس يحتجمون وتقيأون ويجرحون»، يعني في الجهاد وغيره، «وقد قطع عرق لبعض أصحابه لأجل الفصاد»، يعني لأجل أن يعالج، ويحصل به التداوي، ولم ينقل عنه أحد من أصحابه الوضوء من ذلك، فعلم أن الأصل هو عدم إلزام الناس، ولا القول بأن هذا من نواقض الوضوء. نقف هذا اليوم إلى هنا لانتهاء الوقت، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق، وإن شاء الله ننظر في الأسئلة، ونجيب عليها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. الجواب على هذه الأسئلة التي وردت هذا اليوم. السؤال الأول: يقول السائل: هل يجوز دراسة الفقه على مذهب معين من باب التسهيل، وضبط الفقه؟ الجواب: اختلف العلماء في مثل هذه المسألة، والجواب عليها، فبعض مشايخنا يشددون في هذا الباب، ويرون أن التساهل في مثل هذا الباب قد يعيد مسألة التمذهب، وتفرق المسلمين، إضافة إلى الآثار التي قد تثمرها دراسة هذه الكتب على التمذهب على الطلاب؛ لأن الكثير من الطلاب من المبتدئين، فإذا درسوا هذه المسائل -خصوصًا وأننا لا نستطيع أن نضبط هذا الباب، ونقول: تدرس على من قد تحرر في الفقه، وعرف الراجح- فإذا سينشأ أجيال قد تمذهبت، شعرت أو لم تشعر. ثم أثمر هذا التمذهب إلى التفرق، ولو قيل: سيعلمون الراجح، فيقال: كم سيحتاج من الوقت حتى يتعلمون الراجح بعد أن دخلت عليهم المسائل على الأوجه التي وردت في كتب التمذهب؟ والقول الآخر: أنه لا بأس، وأن هذا من باب إتقان الفقه، وتسهيله، وغير ذلك؛ كما ذكر في السؤال، وأنه يحذر من التمذهب، وينبه على المعاني السيئة فيه. والراجح -والله أعلم- في هذا الباب هو الوسط، أننا لا نستخدم كتب المذاهب، ما دمنا قد وجدنا كتبًا أخرى نستطيع أن ندرسها، خصوصًا الكتب المعتنية بالفقه المقارن، وما كان بمعناه، سواء المختصرات أو المتوسطة أو المطولة، فهناك كتب تعتني بالفقه المقارن، وإشارة إلى الراجح -مثل كتاب منهج السالكين للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله-، وهكذا كذلك كتاب الدرر البهية، وشرحه الدرار المضيئة للشوكاني، رحمه الله، وغيرها من الكتب الأخرى التي فيها هذا المعنى، وكتب الحديث كذلك، وشروحها على أبواب الفقه، مليئة بالفقه، فمدل هذا أنفع للناس. لكن إذا احتيج إلى تدريس بعض الكتب بشروح فيها ترجيح -يعني ليس متن، ولكن كتاب مشروح، شرحه عالم ينبه على الراجح- كشروح شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، لبعض كتب الحنابلة -مثلًا- فهي كتب نافعة، مفيدة؛ لماذا؟ لأن شيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، ولو درس الكتاب الحنبلي، لكنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وهو، رحمه الله، ينبه على الراجح، والدليل على ما عهد وعلم من طريقته، رحمه الله، ومنهجه: منهج شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم، رحمه الله، في هذا الباب. وكل من قرأ ودرس في كتب الشيخ استفاد، وأفاد بهذا المعنى، فعلى هذا التفصيل -والله أعلم- يكون الأمر، وبهذا إن شاء الله نستفيد، ونخرج من العواقب، أو الآثار السيئة التي قد تظهر ببث كتب التمذهب، فلا نتوسع في هذا الباب توسعًا يحصل به إعادة التمذهب من جديد؛ لأننا نرى بعض الإخوة -وللأسف- صار يعيد قضية دراسة كتب الشافعية، وحفظ متون الشافعية، والحنفية نفس الشيء مع كتب الأحناف، بنفس الشيء من باب كسب العوام، والمالكية نفس الشيء مع المالكية، والحنابلة مع الحنابلة، وهذا ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح. ولكن حاول نسدد، ونقارب الأمر بالتفصيل الذي ذكر، والله تعالى أعلم. السؤال الثاني: يقول السائل: قضاء رمضان، امرأة كان عليها قضاء من رمضان، فعقدت النية على أن تصوم يوم السبت والجمعة، فصامت الجمعة، ولم تتمكن من صيام السبت لعذر؛ لأنها لم تتسحر، وهي مرضع، فما تستطيع الصيام بدون سحور، فما حكم صيام الجمعة مفردة؟ الجواب: إن شاء الله صيامها صحيح؛ لأن نيتها لم يكن الإفراد، لكن ما دام وقع لها عذر، فصيامها للجمعة صحيح، وأما إفراد يوم الجمعة، فلا يجوز، ولكن على هذا الوجه الذي ذكر، فإن شاء الله لا حرج عليها، والله أعلم، «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا وأخطأنا»، وأيضًا: «لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها»، وهو من هذا الباب، والله أعلم. السؤال الثالث والأخير: يقول السائل: ما هو عدد أيام الاعتكاف؟ وهل يجوز صيام؟ هل يجوز اعتكاف أقل من عشرة أيام؟ الجواب: نعم، إذا كان في غير رمضان، يجوز اعتكاف ولو ليلة، بل بعض فقهاء يقول: ولو لحظة، ولكن المعروف حديث عمر: «ليلة»، فيجوز اعتكاف ليلة، وما كان بمعناها، أما رمضان، فالسنة فيه اعتكاف عشرة أيام، عشرة أيام، ويسن العشر الأواخر، صحيح اعتكف النبي، صلى الله عليه وسلم، في أول الإسلام العشر الأول؛ لأنه لم يكن يعلم، ولم يخبر بوحي من الله، وحكمة من الله: فضل العشر، وأن ليلة القدر في العشر، واعتكف العشر الأوسط، ولكن جاءه جبريل، وأمره، وأخبره أن يعتكف في العشر الأخير؛ فإنما يطلب أي ليلة القدر في الع