الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 1، الدرس الأول:من( إذا طلعت شمس النهار فإنها*أمارة تسليمي عليكم فسلموا ... وقوله حقاً كذا بالنصب والخبر هو المقدم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بشرح القصيدة الميمية للإمام ابن القيم، مع التعريف بالإمام ومزايا أسلوبه الأدبي والعلمي. يتم التركيز على أهمية القصيدة كرحلة إلى بلاد الأشواق.
يتناول هذا الجزء شرح الأبيات الشعرية المتعلقة بالتحية والسلام، مع التركيز على معانيها ودلالاتها في سياق الإخلاص والمحبة لأهل الحق. يشمل أيضًا تفسير آية قرآنية وتاريخ رواية ابن عباس.
يشرح هذا الفصل معنى أبيات الصلاة على الصحابة والإخوان وأتباع السنة، مع التأكيد على أهمية اتباع السنة النبوية المحضة وعدم الزيغ عنها، ويبرز أن أهل السنة والجماعة هم أهل الحق والهدى.
يختتم الدرس بالإشارة إلى استكمال الموضوع في درس لاحق، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، مما يدل على الاستمرارية في مناقشة الموضوعات الهامة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا كتاب بين أيدينا لشيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، في شرح له للقصيدة الميمية للإمام الجليل الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى. وهذه القصيدة الميمية التي تسمى بالميمية، وتسمى كذلك بالرحلة إلى بلاد الأشواق، أو تسمى كذلك بقصيدة الأشواق لهذا الإمام الجليل، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب، المشهور بابن قيم الجوزية، قصيدة عظيمة تناولت مجموعة من النصائح، وهي نصائح ليست كسائر النصائح؛ لأنها أولًا من هذا الإمام، وهذا الإمام عرف بتميزه العلمي والأدبي. فقد جمع الله عز وجل له العلم، علم الكتاب والسنة، فهو من العلماء الراسخين المعروفين في زمانه، رحمه الله تعالى، بل وإمامته باقية إلى يومنا هذا من خلال تحقيقاته العلمية الدقيقة، وترجيحاته السلفية الواضحة، ومنهجه العلمي المتميز، وهكذا كتاباته الأدبية الأخرى التي تميز بها. فإن أدبه تميز عن غيره من أهل العلم بمزايا من أهمها أنه مليء بالتعابير الأدبية الرصينة، وذلك من خلال سعة علم هذا الإمام، فإنه جمع من علم الأدب، وكثرة القراءة فيه، ما جعله متمكنًا في هذا الباب. ومن تأمل أشعاره ومنظوماته، بل وحتى أسلوبه الأدبي في بعض كتاباته العلمية، وجد ذلك جليًا. وازداد قوة هذا الأدب بما جمع الله له، رحمه الله، من رجاحة عقل، ميز بها بين ما يصلح وما لا يصلح، فانتقى من فنون الأدباء وأساليبهم ما تميز به عن غيره. وهكذا ثالثًا، نفسه السلفي وقوته العلمية أثمرت ذلك الأثر السلفي في كتاباته الأدبية، بما يكون من الترجيح، وبما يكون من انتقاء ما يصلح، وإبعاد ما لا يصلح. فلهذا كانت كتاباته فيها من القوة ما لم تكن في غيرها، وازداد نفع هذه الأبيات أنها من مثل هذا الإمام، وفي مثل هذا الموضوع، وهي الرحلة إلى بلاد الأشواق، ويريد بها الجنة، جعلنا الله وإياكم من أهلها. فهو يحكي فيها، مع ما جمع الله عز وجل له من صدق في قلبه وقوله وعمله، ما أعانه على إخراج هذه الأبيات بشيء من القوة، يكون فيها التأثير، وقوة التعبير، ودقة الألفاظ والمعاني، ما يجعل لها الأثر العظيم على قارئها وسامعها. وهذا ما سنجده إن شاء الله من خلال القراءة في هذه الأبيات، مع ما تضمنته من مواعظ وزهديات ونصائح وفوائد، تضمنتها هذه الأبيات في طياتها وكنفاتها، ما يزيد هذه الأبيات جمالًا وقوة. يقول في أول هذه الأبيات، رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: إذا طلعت شمس النهار فإنها أمارة تسليمي عليكم فسلموا، سلام من الرحمن بكل ساعة، وروح وريحان وفضل وأنعم، على الصحب والإخوان والولد والأولى، رعوهم بإحسان فجادوا وأنعموا، وسائر من للسنة المحضة اقتفى، وما زاغ عنها فهو حقًا مقدم. أولئك أتباع النبي وحزبه، ولولا هم ما كان في الأرض مسلم، ولولا هم كاد التميد بأهلها، ولكن رواسيها وأوتادها هم، ولولا هم كانت ظلامًا بأهلها، ولكن هم فيها بدور وأنجم، أولئك أصحابي فحيى هلا بهم، وحيى هلا بالطيبين وأنعم، لكل امرئ منهم سلام يخصه، يبلغه الأدنى إليه وينعم. فيا محسنا بلغ سلامي وقل لهم، محبكم يدعو لكم ويسلموا، ويا لائمي في حبهم وولائهم، تأمل هداك الله من هو الألوم، بأي دليل أم بأي حجة ترى حبهم عارًا علي وتنقموا، وما العار إلا بوضهم واجتنابهم، وحب عداهم ذاك عار ومأثم. أما والذي شق القلوب وأودع المحبة فيها حيث لا تتصرم، وحملها قلب المحب وإنه ليضعف عن حمل القميص ويألم، وذللها حتى استكانت لصولة المحبة لا تلوي ولا تتلعثم، وذلل فيها أنفسًا دون ذلها، حياظ المنايا فوقها وهي حوم. لأنتم على قرب الديار وبعدها، أحبتنا إن غبتم أو حضرتم، سلون سمات الريح كم قد تحملت، محبة صب شوقه ليس يكتم، وشاهدوا هذا أنها في هبوبها، تكاد تبث الوجد لو تتكلم. وكنت إذا اشتد بي الشوق والجوى، وكادت عرى الصبر الجميل تفصم، أعلل نفسي بالتلاق وقربه، وأوهمها لكنها تتوهم، وأتبع طرفي وجهة أنتم بها، فلي بحماها مربع ومخيم. وأذكر بيتًا قاله بعض من خلا، وقد ظل عنه صبره فهو مغرم: أسائل عنكم كل غاد ورائح، وأومي إلى أوطانكم وأسلم، وكم يصبر المشتاق عن من يحبه، وفي قلبه نار الأسى تتضرم. أورد رحمه الله هذه الأبيات مقدمة في الشروع إلى المقصود. وسنقرأ شرح شيخنا، رحمه الله تعالى، فقد زاد هذه الأبيات إيضاحًا وجمالًا، ما في هذه التعليقات من فوائد وتنبيهات وإيضاحات تجلي المعنى وتوضحه. قال رحمه الله تعالى: قال: أشواق هذه الأبيات يقول فيها المؤلف رحمه الله لأحبابه: إن بين وبينكم علامة وهي طلوع الشمس، وخص هذه العلامة لأنها ابتداء النور والوضوح والظهور. فقال رحمه الله: إذا طلعت شمس النهار فإنها أمارة تسليمي عليكم فسلموا، يعني رد السلام، فإني الآن أسلم عليكم، وهذا يدل على شوقه ومحبته، وابتدأ ذلك بأول النهار؛ لأن الأحاديث الطوال إنما يبتدأ بها في أول النهار، كما قال ابن عباس لابن جبير لما سأله عن حديث الفتون. قال: استأنف النهار يا ابن جبير، وذلك لأنه حديث طويل. أشار شيخنا رحمه الله بهذه الإشارة أن المؤلف رحمه الله تعالى ابتدأ هذه الأبيات بهذا البيت، يشير به إلى علامة يجعلها مبتدأ التحية والسلام، وهو كذلك يريد بذلك أن يدخل إلى موضوع يطول الكلام فيه، فناسب الإشارة أنه يكون في أول النهار. ثم أشار شيخنا رحمه الله إلى ما جاء في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَفَتَنَّاك فَتُونًا﴾، فقد ذكر أهل التفسير، وكما أشار المعلق، أشار إلى تخريجه الهيثمي في مجمع الزوائد، أن سعيد بن جبير سأل عبد الله بن عباس عن قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاك فَتُونًا﴾، قال: فسألته عن الفتون ما هو؟ فقال عبد الله بن عباس لتلميذه سعيد بن جبير: استأنف النهار يا ابن جبير، يعني أنه سأله في وقت لا يتسع لذكر ما يتعلق بهذه الآية. فقال له: استأنف النهار يا ابن جبير، فإنها حديثة طويلة. وفي رواية: فإنه حديث طويل. قال ابن جبير: فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس؛ لأن تجزئ منه ما وعدني من حديث الفتون. قال: فابتدأ ابن عباس حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه له ما كان الله وعد إبراهيم من أن يجعل من ذريته أنبياء وملوكًا. فقال بعضهم: إن بني إسرائيل لينظرون إلى ذلك، أي فيرون ويظنون أنه يوسف، فلما هلك يوسف عليه الصلاة والسلام، قالوا: ليس ذلك يعني الذين انتظروا من نبي. ثم ذكر قصة فرعون: كيف أرسل جنوده بقتل كل مولود ولد في ذلك العام، إلى آخر ما ذكر من قصة فرعون، وهي قصة طويلة كما أشار المعلق، من كلام ابن كثير، أنها أكثر ما فيها مما نقله ابن عباس من الإسرائيليات، وليس فيه شيء مرفوع إلا قليل يسير. فالشاهد كما أن ابن عباس قال لابن جبير: استأنف النهار، كذلك صار هذا كالمثل للأحاديث الطوال التي يراد التحديث بها، فإنه يبتدأ بها النهار. كما أن هذا المسلك الشعري قد سلكه العرب قديمًا، فنحا ابن القيم رحمه الله بالابتداء بهذا البيت، منح الكثير من الشعراء الذين جعلوا هذا مدخلًا لافتتاح الشعر، وجعلوه كما قال بعض الأدباء: سببًا لنقل السامع والقارئ من حياته التي هو فيها إلى ما يريد أن يدخله فيه الشاعر في شعره ونظمه. فكأنه يأخذ بهذا قلبك وجسدك من مكانه الذي هو فيه إلى مكانه هو الذي يريده. فتكون بذلك قد خالطت هذا الشعر ليس بسمعك فقط، بل وبقلبك وجسدك، كأنك نقلت نفسك من زمانك إلى زمان المؤلف. ومن هذا ما يذكر في شعر عمر بن أبي ربيعة، فإنه ذكر في شعره أنه ابتدا فقال: إذا طلعت شمس النهار ذكرتها، وأحدث ذكراها إذا الشمس تغرب. ونحوه ما ذكر في شعر الخنساء، فإنها قالت: يذكرني طلوع الشمس صخرًا، وأذكره لكل غروب شمس. ويذكر كذلك عن آخر أنه قال: إذا طلعت شمس النهار فسلمي، فإني ليسلمني عليك طلوعها. وقال الآخر كذلك: وإذا طلعت أو إذا طلعت شمس النهار فسلمي، فآية تسليم عليك طلوعها. وقال الآخر: إذا طلعت شمس النهار فإنها أمارة تسليمي عليك فسلمي. فنحو هذه الأبيات تدل أن هذا مسلك من المسالك التي سلكها من كتب في الشعر، وأنهم كانوا يجعلونه مدخلًا لنقل السامع والقارئ إلى ما يريدون الخوض فيه. وبه نعرف كذلك أن قوة الشعر تأتي من معاني، ومن هذه المعاني أن يكون عند الكاتب للشعر والناظم فيه كثرة قراءة وسماع ووقوف في أشعار من سبقه ممن امتدح شعرهم وقويا. فإن ذلك يكسبه قوة في الشعر، فإن قوة الفصاح والبيان لا تقف عند انتقاء الألفاظ فحسب، بل كذلك في قوة تراكيب هذه الألفاظ. وإلا صار الكلام حشوًا، فقد تكون الكلمة عربية فصيحة، لكن الجملة بهذا التركيب ليست فصيحة. وقد يكون كذلك الشعر على الوزن العربي الفصيح، لكن ألفاظه متنافرة، وتراكيبه كذلك متباعدة، فلا يشعر القارئ والسامع بقوة شعر العرب الذي عرف به العرب. فمن أسباب قوة الشعر وحصول الفصاح والبيان فيه هو كثرة السماع والقراءة الذي يثمر ذلك نوعًا من الاقتداء والاقتباس ما عدم التقليد. ثي قال رحمه الله تعالى: ثم ذكر رحمه الله أنه يسلم عليهم سلامًا ناشئًا عن رحمة الرب عز وجل، فقال: سلام من الرحمن بكل ساعة، وروح وريحان وفضل وأنعم. قال: قوله في كل ساعة، المراد بالساعة الوقت وإن قل، فليست الساعة هي الساعة التي في زماننا هذا، وإنما المراد به الجزء من الوقت ولو كان قليلًا. ومعناه أنه يكثر السلام على من سيأتي الإشارة إليه في كل وقت وحين، ويرسل الروح والريحان والفضل والأنعم على من سيأتي الإشارة إليه. وهذا إن دل على شيء دل على حسن سريرة الناظم رحمه الله تعالى، وشدة إخلاصه وحبه لمن سيأتي ذكرهم من أهل الحق. وهكذا ينبغي أن تكون محبة أهل الحق بعضهم لبعض، وصدق الوفاء بما يكون به أدب الأخوة والصحبة. وقوله: وروح وريحان وفضل وأنعم، يعني يهديها ويرسلها لشدة حبه وصدق وإخلاصه لهؤلاء المحبين. قال: ثم قال رحمه الله: على الصحب والإخوان والولد والأولى، رعوهم بإحسان فجادوا وأنعموا. قوله: الصحب، الظاهر أنه أراد بهم هنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي الإشارة إلى ذلك من الأبيات الآتية؛ لأنه يشير إلى الطريقة التي سار عليها أهل الحق، وأول ذلك بمن نقل عن النبي عليه الصلاة والسلام من الصحابة الأخيار. والإخوان، قال: وقوله والإخوان أي في الإيمان. وقوله والولد، أي أولاد هؤلاء، لا أولاده هو، يعني أولاد الصحابة وأولاد أهل الإيمان ممن تبع الصحابة بإحسان. قال: وقوله رعوهم بإحسان، أي اتبعوهم وأحسنوا اتباعهم، وذلك بالرعاية الكاملة. كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وبهذا يشير إلى أن أهل الحق ليس لهم زمان منحصر، بل هم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ممن اتبعوهم بإحسان. فإذا قوله: على الصحب، أي الصحابة، فهم حملة الدين ونقلته الأخيار. والإخوان، أي من سار على سيرهم من أهل الإيمان، ويدل عليه ما جاء فيه مسلم وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم على أهل القبور، فذكر التسليم، فقال: «وددت لو أني رأيت إخواننا»، فقالوا: أولسن إخوانك يا رسول الله؟ فقال: «أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد». فقالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله؟ فذكر لهم ما جاء في تلك الأحاديث أنه يعرفهم بعلامات الوضوء، فإنهم يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء. فالشاهد من هذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم من يأتي بعد الصحابة إخوانًا، سمى من يأتي بعد الصحابة إخوانًا. وهكذا سمى ابن القيم رحمه الله بنفسه السلف، وكذلك ذخيرته العلمية من تبع الصحابة بالإخوان. وقوله: والولد والأولى، كما قال الشيخ: المراد أولاد هؤلاء، أي أولاد الصحابة ومن تبعهم بإحسان من أهل الإيمان، وهم الإخوان. وأما الأولى، فالمراد بهم الذين يعني والأولاد والذين رعوهم بإحسان، أي والذين اتبعوهم بإحسان. فإذا سلامه ودعاءه وروح والريحان المرسل والفضل والأنعم لهؤلاء. وقوله: جادوا وأنعموا، أي بسلوكهم هذا المسلك، وهذا ما أخبر الله عز وجل به. جادوا بموافقة الصواب، وحصل لهم النعيم بما وعد الله عز وجل به عباده. كالآية التي أشار إليها شيخنا رحمه الله بشرحه. وهكذا كقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾. وكقوله كذلك سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. ونحوها مما هو بمعنى هذه الآيات. قال: ثم عمم وقال: وسائر من للسنة المحضة اقتفى، وما زاغ عنها فهو حقًا مقدم. قال: قوله المحضة، أي الخالصة من كل ما يشوبها من ضعف أو نقص؛ لأن السنة قد لا تكون خالصة، وذلك إذا كانت الضعيفة أو موضوعة، فإن هذه ليست بسنة وإن نسبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وقوله: وما زاغ عنها، يعني من حرف عن هذه السنة. وقوله: فهو حقًا مقدم، أي على غيره، فإن كل من تمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا فهو مقدم على غيره بلا شك. وكل ما كان لها أتبع كان لله أطوع. وقوله: حقًا، كذا بالنصب، والخبر هو مقدم. ومعناه أن هذا البيت ذكر فيه بعد هؤلاء الذين أوصل إليهم السلام والدعاء وتلك الهدايا من الروح والريحان والأنعم، ذكر بعد هؤلاء هذا التعميم، وإن كان هذا التعميم يدخل فيه ما سبق، لكن أراد بذلك الإشادة بكل من سلك هذا المسلك، وبيان حقيقة تميزهم بسلوكهم هذا المسلك. فقال: وسائر من للسنة المحضة اقتفى، يعني وهذا عام لكل من سلك مسلك السنة باتباع الصحب بإحسان. وقال الشيخ: السنة المحضة يريد أن يخرج ما ليس محضًا مما يشوبها الشوائب من ضعف أو نقص. ثم أشار لأنه قد يكون شيء منسوب للنبي عليه الصلاة والسلام ولكنه ضعيف أو موضوع، وهذا من جهة الرواية. وهكذا كذلك من جهة الدراية؛ لأنه قد ينسب كذلك بالخطأ والفهم السقيم شيء للسنة وهو ليس من السنة في شيء. ولهذا قال: وسائر من للسنة المحضة اقتفى، أي السنة الصافية النقية التي سماها ووصفها النبي عليه الصلاة والسلام بالبيضاء: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك». وقوله: اقتفى، أي سار فلا يكفي أن يدعي الإنسان السنة ادعاء ثم لا يتابع، لا يتابع بعلم عمل، بل لابد من متابعة بعلم عمل تبرهن صدق الاتباع. ولهذا جعل العلماء من أصول السنة العمل بها والوقوف عند حدودها. فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ليس هذا بحسن، ثم لا يجد في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا. وكما تعرفون فيما يروى عن الحسن في آية المحنة التي امتحن الله عز وجل الناس ادعوا حب الله بها، قول: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله. وقوله: وما زاغ عنها فهو حقًا مقدم، يشير بذلك أن من حرف عن هذه السنة إلى غيرها فهو متأخر التأخر الحسي والمعنوي. ومن لازم هذه السنة فهو المتقدم التقدم الحسي والمعنوي. أما المعنوي بكونه صاحب الحق كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، أي مرتفعين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وأما الحسي بما يكون في الدنيا قبل الآخرة، فأهل السنة والجماعة لهم التقدم الحسي والمعنوي، من الحسي كون لهم الإمامة، فهم إمة الهدى ومصابيح الدجى. قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. فإمامتهم بالصبر واليقين الذي يكون بحسن العلم والعمل، وهذا لا يكون إلا بالاقتفاء الصحيح للسنة الصافية النقية المحضة. ثم أشار هنا إلى معنى أو لفتة نحوية لغوية، وهي قوله: حقًا مقدم، أي حصلت هنا تقديم وتأخير في مسألة مقدم، أنه خبر، وقوله حقًا، أي أنه منصوب، فأراد بذلك أن يبين أين الخبر في هذه الجملة. فهو كأنه قال: فهو مقدم حقًا، هكذا تقدير ترتيب الجملة وأصلها. طيب نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.