الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 73، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ مفهوم حكمة الله في خلق التضادات والاختلافات بين المخلوقات، وأن الله خلق الخلق بمقتضى حكمته. يبين أن التضادات في الكون لها حكم عظيمة.
يشرح المقطع كيف أن الحكمة الإلهية تسمح بوجود مفاسد جزئية مع خير كثير، وأن المنافع غالبًا ما تفوق المضار. يُظهر أيضًا أن ما قد يُعتبر مفسدة قد يكون له آثار إيجابية في النهاية.
المقطع يشرح مفهوم خلق أفعال العباد ويوضح أن "ما" في الآية الكريمة مصدرية وليست موصولة، مما يدعم عقيدة أهل السنة. يبين أن الإمام ابن القيم رحمه الله أخطأ في ترجيح كونها موصولة.
المقطع يشير إلى خاتمة النص حيث يتم التعبير عن العلم الإلهي والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُنهي الكاتب النص بالصلاة والسلام على رسول الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال والمقصود أن الله سبحانه أعلم، قال أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه، ومن يصلح لها ممن لا يصلح، وأن حكمته تأبى أن تضع ذلك عند غير أهله، كما تأبى أن تمنعه من يصلح له، وهو سبحانه الذي جعل المحل صالحًا، وجعله أهلًا وقابلًا، فمن الإعداد والإمداد، ومنه السبب والمسبب». والمعنى أن الله عز وجل خلق الخلق، وجعل بعظيم حكمته سبحانه وتعالى هؤلاء المخلوقات بمقتضى حكمته. فلذلك يُعطي ويمد ويُعد كل مخلوق بما تكون به كمال حكمته فيه. وكما مرَّ معنا في الأمثلة الحسية، فكذلك في الأمثلة المعنوية. فالأرض تختلف بحسب طبائعها، وكذلك الناس يختلفون بحسب طبائعهم. بل كذلك بعض الأشياء الحسية قد تؤثر على بعض الأمور المعنوية. ولذلك جعل الله عز وجل لكل مخلوق ما يُناسبه، سواءً حسًا أو معنى. فالليل على سبيل المثال جعل له مخلوقات، والنهار جعل له مخلوقات، وهكذا كذلك البر جعل له مخلوقات، والماء جعل له مخلوقات. فما أمد سبحانه وتعالى وأعد لمخلوقات البر ليس كالذي أعد لمخلوقات البحر. ولذلك تجد المخلوقات تختلف في هيئتها وفي شكلها وفي خلوقها وخلقتها، حتى الأشجار فالأشجار في الماء ليست كالأشجار في البر، والصخور في الماء ليست كالصخور في البر. فالله يمد ويعد كل مخلوق بما يكون به كمال حكمته فيها. وإذا كان هذا في الأمور الحسية، فهو كذلك في الأمور المعنوية. وسيأتي معنا إن شاء الله ما يزيد الأمر إضاحًا، بأن بعض الأمور التي يظن أن فيها ما يكره، فهو شيء نسبي. والله سبحانه وتعالى بحكمة عظيمة جعل هذا التناسب في هذه المخلوقات، فهو نظام متكامل عظيم لرب عظيم حكيم عليم، يعلم ما خلق، ويعلم ما يصلحه الخلق سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «ومن اعترض بقوله: فهل لا جعل المحال كلها كذلك، وجعل القلوب على قلب واحد؟ فهو من أجهل الناس وأضلهم وأسفههم، وهو بمنزلة من يقول: لما خلق الأضداد؟ وهل لجعلها كلها شيئًا واحدًا؟ فلما خلق الليل والنهار، والفوق والتحت، والحر والبرد، والداء والدواء، والشياطين والملائكة، والروائح الطيبة والكريهة، والحلو والمر، والحسن والقبيح؟ وهل يسمح خاطر خاطر من له أدنى مسكة من عقل بمثل هذا السؤال، الدال على حنق سائله وفساد عقله؟ وهل ذلك إلا موجب ربوبيته وإلهيته وملكه وقدرته ومشيئته وحكمته؟ ويستحيل أن يتخلف موجب صفات كماله عنها». ومعنى أن الله عز وجل جعل هذا كله بعظيم حكمة، نعلم بعض هذه الحكم بلا شك، وكثير من هذه الحكم قد تخفى عنا؛ لأن ما خلق الله عز وجل الخلق لأجله ليس كله مما نعلمه، وليس كله مما أخبرنا به. حد علم المخلوق قصير وضعيف، ونظره كذلك ليس إلا فيما أحاط به علمه، ولا يحيط علم المخلوق إلا بحسب ما أعطي وأمد. فلا يمكنه أن يحيط بكل شيء علما، وإنما ذلك هو الرب العظيم الذي أحاط بكل شيء علما. فإذا كنا علمنا أن لبعض هذه التضاد حكمًا، فكيف بما لم نعلم؟ وما لم نعلم أعظم مما علمنا. وهذا هو أول الجواب، ثم سيأتي ما يبين زيادة تفصيل في هذا المعنى. فمثلًا جعل الله عز وجل هذه التضادات لأجل أن يعلم حكمة الله في كل واحد منها. فبالحر عرفنا البرد، وبالبرد عرفنا الحر، وهكذا بالداء عرفنا الدواء، وبالدواء عرفنا كيف نعالج الداء. وهكذا قل في كل شيء، يستفاد منه في معرفة الآخر، وأمور أخرى. قال: «وهل حقيقة الملك إلا بإكرام الأولياء وإهانة الأعداء؟ وهل تمام الحكمة وكمال القدرة إلا بخلق المتضادات المختلفات، وترتيب آثارها عليها، وإيصاله ما يليق بكل منها إليه؟ وهل ظهور آثار أسمائه وصفاته العالم إلا من لوازم ربوبيته وملكه؟ فهل يكون رزاقًا وغفارًا وعفوًا ورحيمًا وحليمًا، ولم يوجد من يرزقه، ولا من يغفر له ويعفو عنه ويحلم عنه ويرحمه؟ وهل انتقامه إلا من لوازم ربوبيته وملكه؟ فمن من ينتقم إن لم يكن له أعداء ينتقم منهم، ويري أولياءه كمال نعمته واختصاصه إياهم دون غيرهم بكرامته وثوابه؟». وهذا من بعض الحكم التي قد تغفل عن بعض الناس. فالله عز وجل جعل له أولياء، وجعل سبحانه وتعالى أعداء. فهو يكرم أولياءه، وينتقم من أعدائه. وجعل له صالحين وآخرين من المذنبين، فيتوب على المذنب إذا تاب، ويغفر للمستغفر إذا استغفر. وهذا كله نقص في حق المخلوق، ولكنه كمال في حق من؟ الخالق سبحانه وتعالى. وهذا النقص له حكمة حتى في نفس من وقع منه النقص. وكما قال بعض العلماء: «أن رب ذنب يكون سببًا في صلاح واستقامة وثبات». فبعض الذنوب تكون سببًا في حسن استقامة العبد ورجوعه إلى الله وثباته إليه. فيكون التقصير سببًا في احتقار النفس وهضمها والانكسار بين يدي الله عز وجل والاتجاه إليه. فلله حكم في كل ما أعطى وما قدر سبحانه وتعالى. قال: «وهل في الحكمة الإلهية تعطيل الخير الكثير لأجل شر جزئي يكون من لوازمه؟ فهذا الغيث الذي يحيي الله به البلاد والعباد والشجر والدواب، كم يحبس من مسافر ويمنع من قصار ويهدم من بناء ويعوق عن مصلحة؟ بل ربما تكون به كوارث عظيمة. ولكن كلها بحكمة من الله سبحانه وتعالى. كلها بحكمة من الله سبحانه وتعالى». فانظروا لما أراد الله عز وجل أن ينتقم من الكافرين في عهد نوح عليه الصلاة والسلام، أهلك كل من في الأرض إلا من آمن مع نوح. ومن أراد الله عز وجل نجاته، فكان لله حكمة في هذا العذاب العظيم الكبير الذي حل بأهل الأرض. وذلك أنه أظهر لأهل الأرض جميعًا، ولا تزال آية إلى يومنا هذا، كيف ينتقم الله عز وجل من أعداء الرسل، وكيف سبحانه وتعالى ينصر رسله وأولياءه وعباده المؤمنين المتقين، وغير ذلك من الحكمة الأخرى الكثيرة. قال رحمه الله تعالى: «ولكن أين هذا مما يحصل به من المصالح؟ يعني المطر الذي يضر مصالحه أكثر من مفاسده، ومنافعه أكثر من مضاره. وهكذا قل في سائر الأمور الأخرى. وهكذا الأمور المعنوية كذلك». قال رحمه الله تعالى: «وهل هذه المفاسد في جنب مصالحه إلا كتفلة في بحر؟ وهل تعطيله لألا تحصل به هذه المفاسد إلا موجبًا لأعظم المفاسد والهلاك؟ يعني هل عاقل يقول: لو أن المطر لم يأتي لكان خيرًا؟ العاقل يقول هذا لا يقول هذا عاقل؛ لأن منافع المطر أعظم من مفاسده». وهل تحصل به مفاسد؟ لا شك تحصل به، لكن كما قال رحمه الله: «مفاسد قليلة يسيرة كتفلة في وسط بحر. ما عسى أن تضر التفلة في وسط ماذا؟ في وسط البحر؟ بل هذا الذي ظن أنه مفسد في الحقيقة يجعل الله عز وجل فيه مصلحة. يجعل الله سبحانه وتعالى فيه مصلحة. فرب إنسان مصيبته تكون سببًا في رجوعه إلى الله وإنابته إليه. ورب مصيبة تكون سببًا في نصرة مؤمن وتعذيب كافر، وغير ذلك مما هو في عين تلك المصيبة». فالمصيبة لا ينظر إليها بجنسها، ولكن ينظر إليها بآثارها. فلذلك قد تكون لها آثار باعتبار من وقعت له، فضلًا عن غيره، أنها هي له حسنة وليست بسيئة، وهي له منفعة وليست بمضرة. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وفي الحديث: «يعجب الله إلى قوم يدخلون الجنة بــ«السلاسل» يعني يسلسل ويغل ويؤسر، هو بالنسبة له في أول الأمر ماذا؟ مصيبة. بالنسبة له مصيبة، كان يقاتل يريد أن ينتصر ويريد أن يكون قاتلًا لا مقتولًا، ويأسر ولا يؤسر، ولكنه صار مأسورًا مغلولًا بالسلاسل، مصيبة في الظاهر، وفي الحقيقة والباطن ماذا؟ صارت منفعة، كان سببًا في إسلامه ودخوله إلى طريق الجنة». وهكذا كذلك نظائر كثيرة بهذا المعنى. فرب ما ظاهره مفسدة، في باطنه مصلحة، فضلًا عن آثار تلك المفسدة التي ظهرت في غيرها، هي مصالح كثيرة. كما قال رحمه الله: «كتفلة في بحر، مفسدة يسير تثمر مصالح كثيرة كثيرة كالبحر». قال: «وهذه الشمس التي سخرها الله لمنافع عباده، وإن ضاج ثمارهم وأقواتهم وتربية أبدانهم وأبدان الحيوانات والطير، وفيها من المنافع والمصالح ما فيها، كم تؤذي مسافرًا وغيره بحرها؟ وكم تجفف رطوبة؟ وكم تعطش حيوانًا؟ وكم تحبس عن مصلحة؟ وكم تنشف من مورد؟ وتحرق من زرع؟ ولكن أين يقع هذا في جنب ما فيها من المنافع والمصالح الضرورية والمكملة؟». فتعطيل الخير الكثير لأجل الشر اليسير شر كبير، وهو خلاه موجب الحكمة الذي تنزه الله سبحانه وتعالى عنه. وهذا ظاهر. مثال آخر مثّل به رحمه الله لأجل أن يقرر هذا المعنى الذي غفل عنه بعض الناس في هذا الباب. فالشمس لها مضار ولها منافع، لكن منافعها أكثر من مضارها. ربما يموت بعض الناس من العطش بسبب حرها، يموت بعض الزرع بسبب حرها. وكما ضرب من أمثلة، لكن أين هذا مع منافع الشمس الكثيرة التي لا يحصي الإنسان عدها وإحصاءها؟ وهذا كما قال رحمه الله، وسبق: «إنما هي مفسدة كتفلة في بحر، يعني شيء لا يذكر أمام منافع عظيمة عظيمة». فلو لا وجود الشمس لكان البرد القارس الذي لا يستطيع الإنسان أن يعيش. ولكن من فضل الله سبحانه وتعالى جعل الشمس دفئًا، وجعلها كذلك ضياءً ونورًا، وغير ذلك من المنافع الكثيرة التي أشار إلى بعضها رحمه الله تعالى. فإذا كان هذا في الأمور الحسية، فهو كذلك في الأمور المعنوية. فنور الإيمان الذي يكون بالنسبة لمن وفّق إليه منافع ومنفع عظيمة، لكن بالنسبة للكافرين ومن كان معهم، تعتبر لهم مصيبة. لماذا؟ لأن بالإيمان حورب أهل الكفر والطغيان، ومنع، وأهل الفساد من فسادهم. فهو بالنسبة لهم ماذا؟ مصيبة. بالنسبة لهم مصيبة. مثل الشمس الذي تقتل من يعطش، وهكذا كذلك. أولئك الذين عندهم ما عندهم، هذه التي ظنوها مصائب هي في الحقيقة ماذا؟ منافع. هي في الحقيقة منافع. وقل في نظائر هذا كثير. قال رحمه الله: «قلت لشيخ الإسلام: فقد كان من الممكن خلق هذه الأمور مجردة عن المفاسد، مجتمعة على المصلحة الخالصة». فقال: «خلق هذه الطبيعة بدون لوازمها ممتنع. فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال. ولو خلقت على غير هذا الوجه لكانت غير هذه، ولكان عالما آخر غير هذا». ومعنى كلامه: سيوضحه أكثر أنه حال مخلوقات هذه الدنيا أنها تكون كذلك. فإنه لا يكون الشيء فيه كمال مطلق واستقامة مطلقة. بل وجود هذا الشيء في هذه الدنيا لابد له من مفاسد. لابد له من مفاسد. فالشمس جعل الله عز وجل فيها منافع، ويلزم من هذه المنافع ماذا؟ وجود ما يلزم من المفاسد. وهكذا هو خلقتها. ولو أراد شمسًا بدون مفاسد لم تكن شمسًا، لم تكن شمسًا. إنما كانت شيئًا آخر. وهكذا قل في كل ما سبق التمثيل به مما ذكره رحمه الله. قال: «ومن الأشياء ما تكون ذاته مستلزمة لنوع من الأمور لا ينفك عنه، كالحركة مثلًا المستلزمة لكونها لا تبقى. فإذا قيل: لما لم تخلق الحركة المعينة باقية؟ قيل: لأن ذات الحركة تتضمن النقلة من مكان إلى مكان، والتحول من حال إلى حال. فإذا قدر ما ليس كذلك لم يكن حركة». والمعنى أنه لا يمكن أن تحصل حركة إلا بابتداء وماذا؟ وانتهاء. لا تحصل حركة إلا بابتداء وانتهاء. وكذلك لا يكون خلق مخلوق إلا بابتداء وماذا؟ وانتهاء. كما خلق، إذن لابد أن يموت. خلق الموت والحياة، خلق الليل والنهار، خلق الحركة والسكون. وهكذا هو لابد تلازم هذه الصفات. قال رحمه الله تعالى: «فإذا قدر ما ليس كذلك لم يكن حركة. ونفس الإنسان هي في ذاتها جاهلة عاجزة فقيرة، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. وإنما يأتيها العلم والقدرة والغنى من الله بفضله ورحمته. فما حصل لها من كمال وخير فمن الله، وما حصل لها من عجز وفقر وجهل يوجب الظلم والشر، وهو منها ومن حقيقتها. وهذه أمور عدمية، وليس لها من نفسها وجود ولا كمال. والأمور العدمية من لوازم وجودها. ولو خلقت على غير ذلك لم تكن هي هذه النفس الإنسانية، بل مخلوقًا آخر». وصدق رحمه الله؛ لأن نفس الإنسان جعلها الله عز وجل بهذه الصفات. ولذلك لما جعل نفسًا كاملة كانت مختلفة الملائكة؛ ليس عندهم توجه للعصيان، ولكن في نفس الوقت ليس عندهم ما عند الإنسان من التوجه لكذا المطالب الذي يطلبها الإنسان، فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتزوجون. وهذا من لوازم ماذا؟ من لوازم خلقتهم كونهم ملائكة. من لوازم خلقتهم كونهم ملائكة. بينما الإنسان لما أعطي هذه وهذه، بالنسبة له نعم، صار هذا الاختيار يستلزم منه اختيار كذلك في ماذا؟ في فعل الخير وفي فعل الشر. وهذا من لوازم خلقة هذا الإنسان. وهذا هو قوله رحمه الله: «أنه من المحال أن تخلق المخلوقات بغير لوازمها ومحالها التي تلازمها». قال رحمه الله تعالى: «فحقيقة نفس الإنسان جاهلة ظالمة فقيرة محتاجة. والشر الذي يحصل له نوعان: عدم ووجود». طيب نترك هذا إن شاء الله في الدرس اللاحق، وإن شاء الله يكون زيادة إضاح في ذكر الأوجه التي أشار إليها. ولكن الوقت لا يتسع لقراءة هذه الأوجه أو الأنواع التي سيذكرها. سؤال جاء وقد أرسل بعضهم فيه، ولكن كنت أحب أن يكون هنا عندنا مجلس أطول للجواب عليه. لكن لعل الله عز وجل يسر بذلك في مجلس آخر؛ لأن الوقت الآن لا يتسع. قد انتهى الوقت. هو ما يتعلق بما المصدرية التي سبق الكلام عليها في قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. قلنا أن الصواب أن «ما» هنا مصدرية وليست موصولة، وأن هذا هو الذي تقتضيه عمومات الأدلة، والذي يكون به إثبات عقيدة أهل السنة في إثبات خلق أفعال العباد. ورفع بعض الأفاضل بأن الإمام ابن القيم رحمه الله رجح أنها موصولة، وهذا صحيح، وأعلم بهذا. ولكن الظاهر والله أعلم أن الإمام ابن القيم أخطأ في هذا الموضع، أخطأ في هذا الموضع. ومن نظر لهذه المسألة بشيء من التوسع والدقة، سيجد أن الأمر أوسع من أن يكون مبحثًا لغويًا، بل هو مبحث لغوي يوصل إلى شيء عقدي. صحيح أهل اللغة قالوا: أن «ما» هنا تحتمل موصولة وتحتمل مصدرية، وذكروا أوجه أخرى أربعة أو خمسة أوجه. لكن تعيّن كونها مصدرية هو الأولى في إثبات عقيدة أهل السنة في هذا الباب، وفي هذا الموضع في هذه الآية. ولذلك ألمحوا إلى ثلاثة ماذا؟ إلماحات. الإلماحة الأولى: إذا قرأت كلام الزمخشري في تفسير هذه الآية، وكيف يصارع صراعًا شديدًا وقويًا في إثبات كونها موصولة وليست ماذا؟ مصدرية، تعرف أن القضية قضية ماذا؟ أكبر من أن تكون مسألة لغوية. ويزداد هذا تأكيدًا في الإلماحة الثانية: فيما علق عليه المعلق في تتبع ملاحظات على تفسير الزمخشري، فستجد ما يؤكد هذا المعنى. وأمر ثالث: أنك تجد عددًا من العلماء الذين نظروا إلى هذه المسألة بهذا الاعتبار، تجدهم ترددوا في بداية الأمر، ثم رجعوا إلى ترجيح كونها مصدرية. مثل شيخنا الشيخ محمد بن صالح عثيمين رحمه الله تعالى، كان في أول الأمر يسهل ويقول: «مصدرية وتحتمل موصولة». ثم يقول: «موصولة تحتمل مصدرية». لكن في آخر أمره كان يرجح كونها مصدرية، ويشدد في هذا رحمه الله تعالى. وهكذا تجد في كلام الإمام البخاري في كتاب التوحيد، وهكذا في تعليق في شروح الشراح وتعليق المعلقين على هذا الموضع، تجد هذا المعنى. والعل الله يسر يكون موضع آخر في درس عقيدة، وكذا ينبه على هذه المعاني بشيء أوسع وأبسط من هذا. لكن هذه لمحة مختصرة عن أصل هذه المسألة. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على أمين محمد وآله وصحبه السلام.