طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 131

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 131

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 131، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مشهد القدرية النفاه وخطأهم في نفي القدر

يتحدث الشيخ عن مشهد القدرية النفاه وخطأهم في نفي القدر وتأويلاتهم الخاطئة. يبين أن نفي القدر يؤدي إلى الوقوع في الشرك.

بيان اعتقاد القدرية النفاة وخطأهم في إنكار القدر وتوضيح مسؤولية العبد

يناقش المقطع اعتقاد القدرية النفاة وخطأهم في إنكار القدر، ويوضح أن العبد مسؤول عن أفعاله. يبين أن الشر يضاف إلى خلق الله وقدره.

أهمية الإيمان بالقدر لتحقيق التوحيد والالتجاء إلى الله

يشرح أهمية الإيمان بالقدر خيره وشره لتحقيق التوحيد والالتجاء إلى الله. يبين أن الإيمان بالقدر شرط للالتجاء الصادق إلى الله.

ختام الدرس والدعاء

تم اختتام الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يوجه الشكر والتقدير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين وباب السعادتين»: قال المشهد الثالث مشهد الفعل الكسبي القائم بالعبد فقط، وذكر في التعليق أنه ذكره وسماه في كتابه «افتح دار السعادة» بمشهد القدرية أو مشهد القدر أو مشهد القدرية النفاه. فهذا المشهد يتعلق بالقدرية النفاه ومن يلحق بهم وإن لم يكن مثلهم. قال رحمه الله تعالى: «ولا يشهد إلا صدوره عنه وقيامه به، ولا يشهد مع ذلك مشيئة الرب له ولا جريان حكمه القدري به، ولا عزة الرب تعالى في قضائه ونفوذ أمره، بل قد فنى بشهود معصيته وذنبه وقبح ما اجترمه عن شهود المشيئة النافذة والقدر السابق». وفي هذا إشارة إلى أن هؤلاء عندهم شيء في باب القدر، فهم ينفون القدر. قال: «بل قد فني بشهود معصيته وذنبه وقبح مجترمه عن شهود المشيئة النافذة والقدر السابق»، فمعناه أنه غلبت عليه شهوته وشهوده بالمعصية والذنب عن أمر القدر، حتى لو أنه وقع له من الحسرة على الذنب واعترافه بقبح ما فعل، فإن ذلك غطى على قضية القدر. قال: «إما لعدم اتساع قلبه لشهود الأمرين، لأن الأمرين يحتاجان إلى نظر شرعي فيه تنزيل القدر في منزله منزلته الصحيحة بمراتبه الأربعة التي تقدمت معنا». والقدري النفاه في هذا الباب شابه المجوس كما تقدم معنا. ووجه شبههم بالمجوس ما هو؟ الخالق يعني نزه الرب تبارك وتعالى عن الشر، فنسبوا الشر لأنفسهم. وهذا منهم تقليب تغليب لتقبيح الذنب على أنفسهم، كأنهم يقولوا: نحن أتباع الشيطان، غلبنا الشيطان، وصرنا أسرى للشيطان، والله منزه عن أفعالنا. إذن النهاية ماذا؟ فروا بالتنزيه إلى الوقوع في الشرك. نزه الرب سبحانه وتعالى كما زعموا أن يكون فعل الشر وخلقه، والحقيقة أن الله لا يفعل الشر، ولكنه خلق الشر وقدره بحكمة. فلذلك فروا من هذا فوقعوا في الشرك، فجعلوا مع الله خالقا آخر يخلق الشر. وهذا أعظم من الأول. فهم نظروا إلى شهود المعصية والذنب وقبح ما اجترموه، وتنزيه الرب سبحانه وتعالى أن يقدر الشر أو يخلقه. وهذا خطأ، الأول صحيح والثاني خطأ. الصواب يعترف بذنبهم، ويقبحوا فعلهم، ويعلموا أنه لحكمة أوقع الله عز وجل ذلك فيهم، وبعدل أوقع الله عز وجل ذلك فيهم، وأن ما خلقه لا يستلزم أنه يحبه. فليس كل ما خلقه وقدره فإن الله يحبه. وهم جعلوا تلازم بين الخلق والقدر مع المحبة، وهذا خطأ. فالله عز وجل لا يحب الذنوب والمعاصي ولا الشرك ولا الكفر ولا العصيان، كما قال سبحانه: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾. قال رحمه الله تعالى: «إما لعدم اتساع قلبه لشهود الأمرين، فقد امتلأ من شهود ذنبه وجرمه وفعله، مع أنه مؤمن بقضاء الرب وقدره»، يعني مؤمن إيمان مجمل. هذا وجه، الوجه الثاني: «أنه أدخل في هذا القسم من هو حقيقة مؤمن بالقدر، لكن فعله شابه القدرية النفاه». إذن في هذا المشهد صنفين من الناس، صنف من هم من القدرية النفاه، وصنف من هم ليسوا من القدرية النفاه، لكن فعله يشبه فعل القدرية النفاه. قالوا: «أن العبد أقل قدرا من أن يحدث في نفسه ما لم يسبق به مشيئة بارئه وخالقه». وهذا خطأ لأنه اعتقاد خاطئ، العبد أقل قدرا صحيح، ولكنه لا يخرج عن القدر، فعل العباد لا يخرج عن القدر، خيره وشره كله بقدر الله، كله بقدر الله، وكل صغير وكبير مستطر. ما في شيء يخرج من القدر. فابن القيم رحمه الله هنا يحكي على لسان هؤلاء ما يعتقدون. قال: «من أن يحدث في نفسه ما لم يسبق به مشيئة بارئه وخالقه». وإما لإنكاره القضاء والقدر والقدر جملة، وتنزيه للرب تعالى أن يقدر العبد شيئا ثم يلومه عليه. وهذا الجملة هي حقيقة عقيدة من؟ القدرية النفاة، وهم القدرية المجوسية. فهم يثبتون القدر بالجملة، إنكار القدر القضاء والقدر من وجه وإثباته من وجه، وتنزيه الرب زعموا أن إثبات القدر منافي لتنزيه الرب. ولذلك جعلوا الذي يثبت من القدر هو الخير، والشر ماذا؟ نفوه. ونزه الرب كما زعموا أن يكون في أفعاله شر، وفي خلقه شر، وفي قدره شر. في أفعاله شر صحيح، ليس في فعله إلا الخير، وهذا هو نص الكتاب والسنة. والشر ليس إليه. أما الجملتين التاليتين فهذا خطأ، ليس في قدره شر خطأ، لا يخلق الشر خطأ. قال الله عز وجل: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق. فالله خلق الخير وخلق الشر، ولكن الشر لا يضاف إلى الله إلا إضافة مخلوقات، إضافة خلق وإضافة قدر، لا إضافة أفعال. ليس في أفعاله سبحانه وتعالى شيء من الشر. وهنا حصل الخلق لهؤلاء من وجهين، الوجه الأول تغليب تعنيف النفس بالذم، وهذا وجه صحيح. الوجه الثاني تنزيه الرب كما زعموا عن الشر، وهذا غير صحيح. لأن التنزيه الصحيح هو تنزيه لا ينافي القدر، تنزيه لا ينافي القدر. قال رحمه الله: «فأما الأول وإن كان مشهده صحيحا نافعا له موجبا له أن لا يزال لائما لنفسه مزريا عليها، ناسبا للذنب والعيب إليها، معترفا بأنه يستحق العقوبة والنكال، وأن الله تعالى إن عاقبه فهو العادل فيه، وأنه الظالم لنفسه». وهذا كله حق لا ريب فيه. وهذا كما قلنا في البداية صحيح أن يعترف الإنسان بقصوره وذنبه، وكذلك قبح ما فعل، هذا كله صحيح. قال: «لكن صاحبه ضعيف مغلوب مع نفسه، غير معان عليها، بل هو معها كالمقهور المخذول، فإنه لم يشهد عزة الرب تعالى في قضائه ونفوذ أمره الكوني ومشيئته». وهذا هو وجه الإشكال، أنهم ما أثبتوا عموم مشيئة الله عز وجل وأمره الكوني. لذلك زعموا أن هذا محض تقصير منهم، لا دخل للقدر فيه، وهذا خطأ. قالوا: «أنه لو شاء لعصمه وحفظه، وأنه لا معصوم إلا من عصمه، ولا محفوظ إلا من حفظه، وأنه محل لجريان أقداري وأقدار مسوق إليها في سلسلة إرادتي وشهوته، وأن تلك السلسلة طرفها بيد غيره، وهو القادر على سوقه بها إلى ما فيه صلاح وفلاحه وإلى ما فيه هلاكه وشقاءه». وإذا وصف الرب بهذا الوصف كان هذا من أعظم القدح في حق الرب سبحانه وتعالى. والله عز وجل سبحانه وتعالى لا يكون في ملكه إلا ما يشاءه ويريده، فعموم مشيئته وأمره الكوني يقتضي أن الخير والشر يجري بقدر الله وبخلق الله سبحانه وتعالى ولحكمة. ولحكمة. ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. قال رحمه الله: «فغيبته عن هذا المشهد وغلبة شهود المعصية والكسب على قلبه لا يعطي التوحيد حقه، ولا الاستعانة بربه والاستغاثة به واللجوء إليه والافتقار والتضرع والابتداء في حقه، بحيث يشهد سر قوله صلى الله عليه وسلم: أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك». فإنه سبحانه رب كل شيء وخالق كل شيء، فالمستعاذ منه واقع بخلقه ومشيئته، ولو شاء لم يكن. فالفرار منه إليه، والاستعاذة منه به، ولا ملجأ منه إلا إليه، ولا مهرب منه إلا إليه، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. لهذا إذا كمل توحيد العبد فإنه مع اعترافه بذنبه التجأ إلى ربه وخالقه. وهذا الالتجاء لا يتم حتى يتم التوحيد، ولا يتم التوحيد حتى يتم الإيمان بالقدر خيره وشره أنه من الله. فعند ذلك يعلم أن ما أصابه إنما هو من من؟ من الله، وأنه لا يدفعه عنه إلا من؟ إلا الله. أما إذا رمى هذا إلى نفسه فإنه سيصاب بالإحباط، وسيستمر في ماذا؟ في هذا التقصير، ولن يخرج من هذه الدوامة. وإنما يخرجه أن يلتجئ إلى الله فيوحد الله، ويعترف بمعاني ربوبيته وألوهيته وأسماءه وصفاته، ومن ذلك الإيمان بالقدر كله خيره وشره. وعند ذلك نفهم هذا الدعاء الذي أورده المؤلف رحمه الله هنا للإشارة إلى ذلك: «أعوذ برضاك من سخطك»، فأضاف السخط إلى ماذا؟ إلى الله، «وأعوذ بعفوك من عقوبتك»، أضاف العقوبة إلى من؟ إلى الله. والسخط خير شر، ولكنه هل هو فعل أو خلق وقدر؟ هو خلق وقدر. «وأعوذ بك منك»، لا أعصي ثناء عليك إلا ما أثنيت على نفسك. الحديث. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرا شكرا شكرا.