الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 156، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الشيخ عن المقتصدين الذين يؤدون الواجبات دون زيادة أو نقصان، ويوضح الفرق بين أداء الطاعة وإقامتها على الوجه الصحيح. كما يشدد على أهمية إقامة الطاعة لتحقيق التقوى.
يشرح كيف يمكن تحويل الأعمال المباحة إلى حسنات من خلال احتسابها لله عز وجل، ويستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين أثر النية الصالحة في الأعمال اليومية.
النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أن الأفعال اليومية يمكن أن تكون عبادة إذا قام بها الإنسان بالحلال وبقصد صالح. كما أن تصرفات الإنسان اليومية يمكن أن تكون لها أجر إذا كانت بقصد الحلال والتقوى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال: فصل، وأما المقتصدون، فأدوا وظيفة تلك المرحلة ولم يزيدوا عليها ولم ينقصوا منها، فلا حصلوا على أرباح التجار، ولا بخسوا الحق الذي عليهم، مع أنه لا يسلم الإنسان، مهما حرص على الكمال، على أن يقع منه نقص، فما دام أنه وقف على حد المطلوب، فإن النقص لا بد منه. ولذلك جاءت الشريعة بالحث على إكمال الواجبات بالنوافل والمستحبات، إذ لا يخل أحد من النقص والخلل بأداء تلك الواجبات. وهناك فرق بين إقامة الطاعة وبين أداء الطاعة، فإن الإنسان قد يؤدي الطاعة، ولكنه لم يقمها على وجهها الصحيح. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ليس المقصود أداء الصلاة في قدر ما، المقصود إقامة الصلاة، إقامة أركانها، واجباتها، شروطها، وكل معانيها التي يحفظ لصاحبها منفعته منها. ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما عقل منها». وهل كل مصل يعقل كل ما صلى؟ الجواب: لا. وإن سألت: هل أكثر المصلين أكملوا صلواتهم أم حصل لهم النقص؟ الجواب: الثاني، فإن أكثر المصلين لا يخلوا من نقص، إما شرود ذهن، إما سرحان، وفضلا عن غير ذلك مما لا يسلم منه إنسان. قال رحمه الله: «فإذا استقبل أحدهم مرحلة يومه، استقبلها بالطهور التام والصلاة التامة في وقتها، في أركانها، واجباتها، وشرائطها». ولو وجد مثل هذا، لصح أن يكون من القسم الثالث، لا من القسم الثاني؛ لأن هذا الذي يتمها على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، فهو أشبه بالنبيين والصديقين وصفوة الصالحين من أتباع المرسلين. وهؤلاء، إلى قال رحمه الله تعالى: «استقبلها بالطهور التام والصلاة التامة بوقتها، بأركانها، واجباتها، وشرائطها»، ثم ينتقل منها إلى مباحاته ومعيشته وتصرفاته التي أذن الله له فيها، مشتغلا بها، قائما بأعبائها. وهذه المباحات إذا احتسبها الإنسان صارت حسنات، هذه المباحات إذا احتسبها الإنسان لله عز وجل، وفي مرضات الله، وفي ما يقرب إلى الله، صارت حسنات. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن رجلا مر به وهو مع أصحابه عليه الصلاة والسلام نشيطا، فقال بعض من في المجلس: «لو أن هذا جعلها في طاعة الله»، أو كما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى كلامه: «أنه إن جعلها -يعني هذا العمل الذي هو يغدو إليه- إن جعلها في نفسه فله بها حسنة، وإن جعلها في أهله فله بها حسنة، أو عيال ينفق عليهم فله بها حسنة». ومعنى إذا احتسب ذلك أن يغنيه الله عز وجل بالحلال عن الحرام، كان له فيها أجر. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أن يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أرأيت إن جعلها في حرام، أله عليها وزر؟ قالوا: بل يا رسول الله، قال: وكذلك لجعلها في الحلال فله فيها أجر»، أي احتسب حتى شهوته أنه يستعف بالحلال عن الحرام، وله بذلك أجر. وفي حديث كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى ما تجعل في في امرأتك»، يعني حتى ما تطعم به امرأتك بيدك، سواء أكان معنويا بما يكون من الإنفاق، أو حسيا بما يكون من الملاطفة بين الزوجين، فكذلك لك فيه أجر، ما دمت أردت بذلك الحلال الذي يغنيك عما سواه. قال رحمه الله تعالى: «وتصرفات التي أذن الله له فيها مشتغلا بها، قائما بأعبائها، مؤديا واجبا رب فيها، غير متفرغ لنوافل العبادات وأوراد الأذكار والتوجه». فإذا حضرت الفريضة الأخرى بادر إليها كذلك، فإذا أكملها، إن صرف إلى حاله الأول، فهو كذلك سائر يومه، فإذا جاء الليل فكذلك إلى حين النوم، يأخذ مضجعه حتى ينشق الفجر، فيقوم إلى عداني ووظيفته. وفي هذه النسخة قال: «عداني»، وفي نسخة أخرى: «غذائه»، فيكون المعنى على هذا إلى عهده الذي هو عليه، وبالنسخة الأخرى: إلى عادته التي هو كان عليها، ومنها الغذاء وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: «فإذا جاء الصوم الواجب قام بحقه، وكذلك الزكاة الواجب، والحج الواجب، وكذلك المعامل مع الخلق يقوم فيها بالقصد، لا يظلمهم ولا يترك حقه لهم». وهذا لو أدى كل ذلك على أكمل وجوهه، لا حق أن يكون من القسم الثالث، ولو كان في آخرهم. لكن لأن الإنسان لا يسلم من النقص والتقصير، بل والذنب والخطيئة، فلذلك فإنه يحتاج إلى ما يكمل به نقصه بأنواع من الطاعات والقربات والتوبات والاستغفارات التي تكون فوق الحد الواجب. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، آله، صحبه وسلم.