شرح خمسون حديثا في العقيدة 45

شرح خمسون حديثا في العقيدة 45

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 45، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من فتنة الدنيا وعبادتها

يشرح الحديث النبوي التحذير من عبادة الدنيا والمال، ويبين أن من يفتتن بالدنيا يكون عبدا لها. الدنيا لا تساوي شيئا لمن يلهث وراءها، بينما من يستخدم نعم الدنيا في طاعة الله يكون منتفعا.

وصف حال المسلم والمنافق تجاه الآخرة

المقطع يصف حال المسلم الذي يرضى بقضاء الله وقدره، ويشكر في النعمة ويصبر في الضرّاء. بينما المنافق يرضى إذا أعطي ولا يرضى إذا لم يعط، والنبي عليه الصلاة والسلام يدعو على المنافقين بالشقاء.

صفات الرجل المخلص في العمل الصالح

يصف الحديث النبوي صفات الرجل المخلص في الجهاد، الذي لا يهتم بالشهرة أو المناصب، بل يريد ما عند الله. هذا الرجل المخلص يعتبر من أعظم الناس عند الله، على الرغم من عدم حصوله على التقدير أو الشهرة بين الناس.

أهمية الصلاح في استجابة الدعاء

يُشير المقطع إلى أن صاحب الدعوة المستجابة هو شخص صالح يحبه الله، نسأل الله أن يجعلنا منهم ويستحق ذلك بصلاحنا. يُظهر المقطع أهمية الصلاح في استجابة الدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. قال شيخنا غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الخامس والأربعون. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: حدثنا يحيى بن يوسف، قال: أخبرنا أبو بكر -يعني ابن عياش- عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعطَ لم يرضَ». وزاد البخاري في رواية: «تعس وانتكس، وإذا شيك فلن تقش». «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع». أحب العالمين صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث كذلك من الأحاديث الهامة التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم. وفي هذا الحديث مجموعة من المسائل من أهمها: أولا، أهمية احتساب العمل، احتساب الأعمال لله جل وعلا، وأن يراد بذلك وجه الله، لا يراد به غير ذلك. فهذه الجمل التي في أول هذا الحديث، فقوله جل وعلا: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ۞ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فينبغي للإنسان أن يحتسب الأجر عند الله، ويريد وجه الله لا غير ذلك. وفي هذا الحديث أن الناس أصناف، ومن أصنافهم من يعبد الدنيا. «تعس عبد الدينار» أي: من صار عبدا للدينار، «وتعس عبد الدرهم»، «وتعس عبد الخميصة»، «وتعس عبد القطيفة». والخميصة والقطيفة نوع من الكساء الفاخر الذي يطلبه أهل الدنيا ويتنافسون فيه. والمقصود أن أمثال هؤلاء دعا عليهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالتعاسة، والتعاسة ضد السعادة أي: الشقاء. دعا عليهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالشقاء. وقيل: إن من معاني «تعس»: السقوط على الوجه. «وانتكس» إن شغل بسقوطه ذلك على وجهه. ومعنى ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام يدعو عليه من كان مفتونا بالدنيا حتى صار عبدا لها، يدعو عليه أن يكون له التعاسة في هذه الدنيا، وهو كذلك كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾. قال: «ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا»، قال: «كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى». فصاحب الدنيا في الحقيقة في تعاسة؛ لأنه يتعب نفسه ولا يخرج منها بشيء. مهما جمع من الأموال، لو جمع ما في الأرض جميعا، ماذا سيفعل به؟ سيتركه ويموت ويخلفه لمن يأتي بعده. لو تمتع بما في هذه الدنيا بكل ما فيها من نعم، ذاق من لذاتها وشهواتها، وأخذ من كل ما فيها، ماذا عساه أن يحصل؟ لن يحصل شيء. إنما حسبه أنه يأتي نعمة أو يأتي لذة وشهوة، ثم يملها وينتقل إلى غيرها، وهذا حظه من الدنيا. وأما الذي يريد ما عند الله فإنه يستعين بهذه النعم قصدا، يعني: في اقتصاد فيما يقربه إلى الله جل وعلا. وهذا هو المنتفع، فلهذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام على المفتون بالدنيا الذي عبدها، عبادة يعني: قدمها على طاعة الله وآثر، فوقع في مساخط الله وما يغضب الله لأجلها، دعا عليه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه يتعس. «إن أعطي منها رضي، وإن لم يعطَ سخط». ميزانه الدنيا، يرضى عن ربه إن أعطاه، ولا يرضى عنه إن لم يعطه. أما المسلم فكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن أصابته نعمة شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له». وليس ذلك إلا للمؤمن. المؤمن الذي يريد ما عند الله، كلما ازداد إيمانه ازداد يقينه بربه جل وعلا، ورضاه بقضاء الله وقدره، يعلم أن الخير فيما يختاره الله له. إن خيرا فإنه يرضى بهذا الخير ويشكر، وإن غير ذلك يرضى بغير ذلك ويصبر، ويعلم أن الخير فيما اختاره الله له. «تعس وانتكس» يعني: نال الشقاوة ولم ينل السعادة. «وانتكس» يعني: بقي على هذا الحال منشغلا به، كحالة ساقط الذي يسقط وينشغل بسقوطه. فدعا عليه النبي عليه الصلاة والسلام أن يبقى في شقاوته، وأن كذلك يبقى في ما هو فيه من أمر عبادة هذه الدنيا، ما دام قد أعرض عن عبادة الله عز وجل، فلم يؤثر قربة الله، بل آثر الدنيا، ولم يؤثر ويترك مساخط الله، بل آثر الدنيا. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تعس وانتكس، وإذا شيك فلن تقش». ومعنى «إذا شيك»: يعني إذا وقعت الشوكة فيه. «فلن تقش» يعني: لا يجد من ينقش رجله ويخرج هذه الشوكة. النقش هو إخراج الشوكة بالشيء الدقيق كالملقاط والإبرة وما كان بمعناها. «وإذا شيك فلن تقش»، ومعنى إذا أصيب بشوكة، دعا عليه النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يسلم ولا يبرأ منها. فما بالك بما هو أعظم؟ فهو أحق بهذا. وهذا تصديق لقول الله عز وجل السابق في الآية: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾. وهكذا كذلك في مقابل هؤلاء، أي: الذين فتنوا بالدنيا، أناس آخرون غير مبالين بالدنيا، جعلوها خلف ظهورهم، إنما يريدون ما عند الله. ولهذا قال في القسم الثاني: «فطوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله». «طوبى» قيل: جنة، وقيل: شجرة، وقيل: جزاء عظيم عند الله جل وعلا، ومنه الجنة ورضوان الله. وهذا الأخير أحسن، وهذه التفاسير وأشملها. يدعو النبي عليه الصلاة والسلام بالشيء الطيب في الدنيا وفي الآخرة لرجل آخذ -عبد من عباد الله- وصفه بأحسن ما يوصف به الإنسان. «طوبى لعبد» يعني: من عباد الله قائم بعبودية الله، بطاعة الله، بعيد عن معاصي الرب جل وعلا. «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله». آخذ بعنان فرسه: ليس فقط أنه عابد لله، بل عابد لله ويريد الشهادة في سبيل الله، يريد الشهادة في سبيل الله طاعة لله جل وعلا، وليس فقط يريد الشهادة، بل بذل المال وبدل الجهد وبدل الوقت لينال هذه الشهادة. آخذ بعنان فرسه يعني: خطام فرسه، يريد الشهادة في سبيل الله. وهذا كناية عن غاية حرصه. فهذا أشد الأعمال وأعلاها، فإذا كان كذلك فغيرها من الأعمال من باب أولى. فكل عبد ابتغى ما عند الله، وجه الله، ينال دعوة النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث، سواء في طلب العلم أو كذلك في الصدقة أو كذلك في سائر أعمال الخير والبر الكثيرة الواسعة، فهو يدخل في هذا الحديث. فالشرع لا يفرق بين مجتهد كما لا يجمع بين متفرق. «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله». ماذا يفعل؟ أتعب نفسه، يريد ما عند الله، غير مبالي بالدنيا. قال: «أشعث رأسه» أو وجهه. «أشعث» يعني: حتى الجمال ضاع منه. وليس معنى ذلك أن الإنسان لا يتجمل، لكن معنى أنه لم يبق له وقت لأن يتجمل، التجمل الذي يكون عليه الناس الذين يشغلون بالدنيا. وإلا فإن الله جميل يحب الجمال. لكن معناه شغلته الطاعات والقربات وتكاثرت عليه حتى صار لا يجد الوقت أو لا يجد المكان المناسب للتجمل. «أشعث رأسه، مغبرة قدماه». أقدامه مغبرة؛ لأنه بذل وقته في طلب مرضاة الله جل وعلا. «إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة». يعني: أنه رجل خامل، ليس عنده حب الترفع وحب الارتفاع على الآخرين، بل يريد ما عند الله. إن وضع في الحراسة فهو في الحراسة، وإن وضع في الساقة فهو في الساقة. قال العلماء: ذكر النبي عليه الصلاة والسلام هذين الوصفين -وهو أحد أعمال المجاهدين- لأنها أشد وأنزل أعمال المجاهدين، فيها عمل كثير وشهرة قليلة. فيها عمل كثير وشهرة قليلة. الشهرة تكون لمن؟ للفرسان والمقاتلين الذين في مقدمة الجيش، الذين يضرب بهم المثل في الشجاعة، وفي كذلك الإقدام، وفي كذلك الدخول والخروج والوصول للأعداء ونحو ذلك، فهم يبذلون عملا كثيرا. أهل الحراسة يبذلون عملا كثيرا، ومع ذلك ليس لهم شهرة، ما أحد يعرفهم، ولا يذكر لهم صيت، ولا ذكر. وهكذا الساقة، والساقة هم الذين يقومون بالسوق -سوق الجيش- يسوقون الجيش، مأخوذ من السوق. الذين يكونون دائما في مؤخرة الجيش، يكونون دائما في مؤخرة الجيش، يعينون الضعيف ويخدمون القوي، ويقومون برفع ما يسوق من الأشياء، وكذلك يسوقون الضعيف من البعير، ويسقون الإبل والخيل، ويرفعون الأكل، ويعملون ما يكون به خدمة الجيش، فعليهم عمل كثير، ومع ذلك ليس لهم صيت ولا شهرة. فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: مع هذا أخرج بفرسه. إنسان إذا خرج بفرسه -الفرس ليس كالفرس اليوم- الفرس في ذلك الزمان يعتبر من أغلى الأموال. خرج النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر، وليس معه في هذا الجيش كامل إلا فرسين اثنين، كما قلنا فقط، ليس في الجيش إلا فرسان اثنان فقط. فهذا يدل على ماذا؟ يدل على أن الفرس ليس بالسهل. ومع ذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: هذا الرجل خرج بفرسه مع الجيش، ومع ذلك لو قيل له: أترك الفرس واذهب في الحراسة، ذهب في الحراسة. ولو قيل له: أترك الفرس واذهب مع الساقة الذين يسوقون، لا ذهب مع الساقة. «إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة». وهذا إن دل على شيء، دل على إخلاصه، تمام الإخلاص عنده، ليس يريد إلا ما عند الله، لا يريد ما عند الناس. وهذه من أعظم الصفات التي يوصف بها الزاهد في الدنيا والمخلص لله جل وعلا فيما يريد ما عند الله. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، سواء كان طالب علم أو كان عاملا أو كان أي من كان، فإنه إذا أراد ما عند الله خالصا، فهو لا يبالي بكلام الناس، أقبل أو أجبر، ولا يبالي بالمناصب، ولا يبالي بالرفعة، يعمل العمل الكثير، وهو لا ينتظر ثناء ولا شكرا من الناس. وهذا هو الخلق العظيم والرفيع. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن استأذن لم يؤذن له». لأنه يرى عند الناس ما له صيت ولا له شهرة، لكن في الحقيقة عند الله جل وعلا ماذا؟ من أعظم الناس؛ لأنه عمل عملا كثيرا، خرج بنفسه في سبيل الله، وأخرج ما له وما يملك، أنفس ما يملك في سبيل الله، وبذل وقته، وأتعب وكد جسده، وأتعب وأضاع راحته، كل ذلك في سبيل الله. ومع ذلك يوضع في أحط الأعمال فيما يظهر للناس. هو مع هذا كله صابر. «وإذا استأذن لم يؤذن له» من هذا المستأذن؟ قالوا: الحارس الكلاني، أو فلان من الناس الذي يسوق في الجيش. إذا استأذن لم يؤذن له، «وإن شفع لم يشفع». يعني: الناس ما ينظرون له. لكن كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بالحديث الآخر، في حديث أبي هريرة في مسلم، قال: «رب أشعث أغبر، لو أقسم على الله لأبره، لو أقسم على الله لأبره». يعني: من شدة ماذا؟ حب الله جل وعلا له، أنه لا يحلف على يمين إلا ويبره الله جل وعلا بها، لا يحنث بها، يوفقه الله جل وعلا. معنى أنه صاحب دعوة مستجابة، من شدة صلاحه وحب الله جل وعلا له. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من هؤلاء، إنه ولي ذلك وقادر عليه. الحمد لله رب العالمين.