شرح خمسون حديثا في العقيدة 44

شرح خمسون حديثا في العقيدة 44

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 44، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أهمية الرعاية والولاية

يشرح الحديث الرابع والأربعين من صحيح مسلم أهمية الرعاية والمسؤولية في الإسلام. يشدد على تحمل الأمانة وأدائها على الوجه الذي يرضي الله.

مسؤولية الراعي وأمام الله تعالى

الراعي مسؤول أمام الله عن رعيته، وتحمل هذه المسؤولية يتطلب الرعاية والعدل. من كان غاشًا لرعيته لم يرح رائحة الجنة.

الأمانة في الأموال ومسؤولية الإنسان عن نعم الله

يشرح أهمية الأمانة في الأموال العامة والخاصة، ويحذر من التحايل على الأموال العامة. كما يبين مسؤولية الإنسان عن نعم الله عليه يوم القيامة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الرابع والأربعون. قال الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث، ح، وحدثنا محمد بن رمح قال: حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على ما لسيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث كذلك من الأحاديث المهمة التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم وأن يحفظها، بل ينبغي لكل مسلم أن يتأمله ويتدبره لما فيه من الأهمية العظيمة في حياة المسلم. وفي هذا الحديث مجموعة من المسائل، من أهم هذه المسائل أهمية الرعاية والولاية العامة والخاصة في الإسلام، فإن لها شأنًا عظيمًا في دين الله جل وعلا، دين الإسلام. فما من مسلم إلا وعليه رعاية وولاية، إما رعاية عامة تشمل أفرادًا، وإما رعاية خاصة، ولو لم يكن إلا رعايته لنفسه، فإنه يسأل عنها يوم القيامة. كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث عدي بن حاتم: «ما منكم إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه، يسأله عن كل شيء». والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. فمن أهم هذه الولايات والرعايات وأشملها رعاية الرجل في أهله، ورعاية المرأة في زوجها، ورعاية الولد في والديه، ورعاية السيد في مال من يخدمه أو الخادم في مال من يخدمه، وهكذا، فهي مما يبتلى بها. وهي المسألة الثانية أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ما ذكر في هذا الحديث، فإن الشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق، فكل ولاية عامة صغيرة أو كبيرة، فإنها مما يسأل عنها يوم القيامة. وما هذه الأشياء المذكورة إلا بعض الذي يكون فيه السؤال، ويكون كذلك فيه الأمانة. فيجب على كل مسلم تحمل أمانة أن يؤديها على الوجه الذي يحب ربنا جل وعلا ويرضى، صغيرة كانت هذه الأمانة أو كبيرة. ومن وسائل هذا الحديث لذلك أهمية هذه الولايات والرعايات، خاصة أولها الولاية العامة، ولاية الأمير ورعايته، فإنها من أعظم الولايات؛ لأنه يكثر فيها السؤال بكثرة من يسترعى تحته. ويدل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من رجل يولى على عشرة فما فوقهم إلا يأتي يوم القيامة ويداه مغلولتان لعنقه». ومعناه: إذا كثرت الرعية فإنه يعظم السؤال ويشدد فيه. ومن تعظيم السؤال أنه يبعث يوم يبعث ويداه مغلولتان لعنقه، تشديدًا في أمر هذه الأمانة إذا بلغ عشرة فأكثر. فإنه ما من إنسان يكون كذلك إلا يبعث يوم يبعث ويداه مغلولتان لعنقه، فإما أن يفكه عدله، وإما أن يكبه جوره -يعني ظلمه-. وهكذا كذلك من هذا المعنى أنه لو ضيع وكانت الرعاية كبيرة، فإن الأمر يكون أعظم. ومن هذا المعنى ما جاء في حديث عقبة أو معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من عبد يسترعيه الله رعية...» والحديث في صحيح مسلم: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة»، أو قال: «لم يدخل الجنة». يعني إذا وقع الغش تعمدًا وخيانة وإضاعة لهذه الأمانة، فإنه لا يدخل الجنة -يعني دخولًا أوليًا- بل يعذب، يعذبه الله جل وعلا بقدر غشه وخيانته لأمانته وتضيعه لرعيته. ثم بعد ذلك يكون حكمه وسبيله إلى الجنة إذا كان من أهل الإيمان وكان عنده أصل الإسلام. واستدل بعض أهل العلم على هذا بمجموعة من المعاصي التي يفعلها بعض الناس، وهي فيها معنى الخيانة والغش والتضيع لحق الرعية؛ لأنه يفسدهم بذلك. فمن ذلك ما استدل به شيخنا رحمه الله محمد بن صالح العثيمين في قضية الدش: أن ما من إنسان يدخل الدش في بيته إلا ويخاف عليه أن يلحقوا هذا الوعيد في هذا الحديث. وهو ما في حديث معقل بن يسار: «فإنه غاش لرعيته؛ لأنه أدخل عليهم ما يفسدهم لا ما يصلحهم». فهو أمر بأن يصلحهم، لكنه أدخل عليهم عكس ذلك، أدخل عليهم ما يفسدهم. فيدخل في حق هذا الحديث: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته...» لأنه مات لكن عمله ما ذهب، بقي الدش الذي أدخله إلى البيت ما زال موجودًا يؤثر ويربي هؤلاء الأبناء وأهل البيت على الانحراف. وهكذا استدل رحمه الله تعالى -أي الشيخ العديمي رحمه الله- وهكذا كذلك من مسائله أن الزوجة والزوج كل منهما عليه رعية، فالرجل له الرعية والزوجة لها رعية تسأل عنها، وكل واحد له سؤال يجب أن يعد لذلك سؤالًا. وفيه أهمية هاتين المسؤوليتين. وفيه كذلك -أي هذا الحديث- أن قوامة الرجل فوق قوامة المرأة، وأن رعايته فوق رعايتها. فلا عذر لرجل كائنًا من كان أن يقول: أرادت امرأتي ذلك أو أرادت زوجتي ذلك. بل سيعذب بخطئها ما دام علم ولم ينه عن ذلك الخطأ الذي هو مما حرمه الله أو حرمه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الرجال قوامون على النساء، لا يحل لرجل يؤمن بالله وبرسوله أن يترك زوجته تسير أهل بيته على ما تشاء ولو على خلاف شرع الله. ولا يكون ذلك عذرًا له. يقول: هي أرادت هذا للأولاد، أنا ما أريد الدش لكن هي تريد. ماذا أفعل؟ هل أطلقها؟ سبحان الله، هل الحل إلا الطلاق؟ لو لم يكن الحل إلا الطلاق وحفظت أولادك لكان ذلك. لكن يوجد حلول أخرى، أنت رجل وأنت قوام. والله عز وجل يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. فكيف تجعل المراه التي تقوم وتدبر الأمور وتلجأ الأمر إليها؟ ما تعدر عند الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جعل هذه المهمة مهمته، وهذه المسؤولية مسؤوليته كذلك. وهكذا كذلك في هذا الحديث أن كل من وكل إليه مال فإنه مسؤول عن هذا المال، سيسأل عنه يوم القيامة. إذا كان الخادم وهو أصغر من يحمل المال؛ لأن الغالب أن الخادم ما يعطى مال كثير، يعطى مال يسير، يرسل إلى السوق، يأتي بأغراض، أو يترك في مكان يحفظ الأغراض، أو يبيع شيء أو نحو ذلك. فإذا عظم المال عظمت الأمانة وعظم السؤال. وعلى هذا كل مال فيه سؤال عظيم بعظم هذا المال. ومن ذلك الأموال العامة أموال الدولة، ومن ذلك الأوقاف وما كان بمعناها. وكلما عظم الحق وتعلقت به الحقوق أكثر كان السؤال والأمانة فيه أشد. فليست أمانة المال الخاص كأمانة المال العام، بدليل أن حكم الغلول في شرع الله ليس كحكم السرقة. الغلول نوع من السرقة، لكن إثمه عند الله أشد من إثم مجرد السرقة. الغلول أشد، ولهذا لم يجعل له كفارة في الدنيا. لم يجعل للغلول كفارة في الدنيا. ولما جاء الرجل ومر معنا قريبًا في الصحيح المسند رد بعد أن قسم، نادى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثلاثًا: «من كان معه شيء فليأتي به» -يعني من الغنائم- حتى إذا قسم جاء رجل فقال: هذا بقي عندي يا رسول الله. قال: «أسمعت إذ ناديت ثلاثًا؟» قال: أجل يا رسول الله. قال: «فما منعك؟ ما منعك أن تأتي به؟» فسكت. فقال: «اذهب به، لتأتي به يوم القيامة» -يعني هو من الغلول- أبى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقبل منه، وأبى كذلك عليه الصلاة والسلام أن يعذره في ذلك، رده له وجعله من الغلول. ويقول العلماء: كلما عظم الدم كان أشد يوم القيامة، وربما لم يكن له كفارة في الدنيا. لم يكن له كفارة. انظر الشرك بالله، الشرك بالله ليس له إلا التوبة، ليس له إلا التوبة. إن تاب تاب الله عز وجل على صاحبه. وشاهد من هذا أننا نريد أن نفهم وأن ننتبه إلى أن المال كلما كان فيه حقوق أكثر كلما كانت الأمانة به أعظم. فالأموال العامة كأموال المسلمين يتساهل فيها. وللأسف بعض الناس موظف يأتي فيأخذ أغراض هذا المحل، إما يرى مكيف جديد يأخذه ويأتي بمكيف قديم، أو يرى دولاب أعجبه أخذه وأتى من الحراج بدولاب قديم. أو موظف عنده سيارة الدولة يأخذ الكفرات الإطارات الجديدة ويبيعها ويضع لها إطارات تموت بعد أسبوعين، أو يشلح السيارة قطعة قطعة كل أسبوعين إذا احتاج إلى شيء باع قطعة ويحط لها قطعة قديمة. وهكذا من الحيل التي يتحايلون على الأموال العامة ويظن أن الأموال العامة ليست بسرقة. لا، هي أعظم من السرقة، هي في شرع الله وفي دين الله أعظم من السرقة؛ لأنها تتعلق بها حقوق أكثر. وهكذا كذلك ما يفعله بعض الناس من الحيل في الكهرباء وفي الماء. أحدهم يفعل مغناطيس، وآخر يفصل السلك بالليل ويربطه بالنهار، وثالث يشبك من خلف الساعة، وغير ذلك من الحيل التي يتحايلون بها على الأموال العامة. وهذا الإثم فيه أشد؛ لأن الأمانة تتعلق به حقوق أكثر. وهذا كذلك ما يفعله بعض الناس في أموال المساجد والأوقاف، وما أدراك ما التحايل على الأوقاف؟ تحايل عجيب على الأوقاف وأموال المساجد، يظنون أن الأمر فيه سهل. والمسألة أعظم، فكلما تعلقت به حقوق أعظم كان السؤال عنه أشد وأعظم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. والمقصود من هذا أن الإنسان ينبغي عليه أن يراعي كل رعاية وأمانة تقع تحت يده صغيرة كانت أو كبيرة. حتى السواك يسأل عنه يوم القيامة. الإنسان سواك ليس له قيمة عند أكثر الناس إلا من عرف قدره من عرف السنة. سواك قضي من أراك يسأل عنه المرء يوم القيامة. يسأل عن ذلك حتى شق التمر يسأل عنه يوم القيامة. فالمسألة ليست سهلة، وهذه خلاصة ما يذكر في هذا الحديث. ومناسبته هو كما سبق ما يتعلق بمسألة الإيمان، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وبهذا نكتفي، والحمد لله رب العالمين.