مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 4

مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 4

الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية قيام رمضان وصلاة الليل

يتناول الدرس أهمية قيام رمضان وصلاة الليل، ويشرح فضلها وأثرها في جبر نقص الفرائض. كما يشير إلى أهمية هذه العبادات في تعزيز الإيمان والتقرب إلى الله.

كيفية أداء صلاة الليل والوتر

يشرح الدرس كيفية أداء صلاة الليل والوتر، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين ركعتين ويوتر بواحدة أو ثلاث. يُوصى باتباع السنة وتجنب التشديد على المصلين.

صلاة التراويح وآدابها للرجال والنساء

يتناول الدرس صلاة التراويح وحكمها وآدابها، ويشير إلى أنها سنة مؤكدة في رمضان وتُصلى جماعة في المسجد. كما يتناول آداب حضور النساء للمساجد والالتزامات المطلوبة منهن.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم قراءة وتعليقًا على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة المثيمين، رحمه الله تعالى، قراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني، حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الرابع. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا، رحمه الله تعالى: المجلس الرابع في حكم قيام رمضان. قال: الحمد لله الذي أعان بفضله الأقدام السالكة، وأنقذ برحمته النفوس الهالكة، ويسر من شاء لليسرى، فرغب في الآخرة. أحمدوا على الأمور اللذيذة والشائكة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو العزة والقهر، وكل النفوس له ذليلة عانية. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، القائم بأمر ربه سرًا وعلانية، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر، الذي تحرض عليه الفرقة الآفكة، وعلى عمر، الذي كانت نفسه لنفسه مالكة، وعلى عثمان، منفق الأموال المتكاثرة، وعلى علي، مفرق الأبطال بالجموع المتكاثفة، وعلى بقية الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ما قرعت الأقدام السالكة، وسلم تسليمًا. إخواني، لقد شرع الله لعباده العبادات، ونوعها لهم ليأخذوا من كل نوع منها بنصيب، ولئلا يملوا من النوع الواحد فيتركوا العمل، فيشقى الواحد منهم ويخيب. وجعل منها فرائض لا يجوز النقص فيها ولا الإخلال، ومنها نوافل يحصل بها زيادة التقرب إلى الله والإكمال. فمن ذلك الصلاة، فرض الله منها على عباده خمس صلوات في اليوم والليل، خمسًا في الفعل وخمسين في الميزان. وندب الله إلى زيادة التطوع من الصلوات، تكميلًا لهذه الفرائض وزيادة في القربة إليه. فمن هذه النوافل الرواتب التابعة للصلوات المفروضة: ركعتان قبل صلاة الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء. ومنها صلاة الليل التي امتدح الله في كتابه القائمين بها. قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾، وقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، صححه الحاكم، وهو كما قال، رحمه الله تعالى. فهذا الحديث حديث حسن، بل أصله في صحيح مسلم. وما ذكره رحمه الله مما يشهد الهمم، فإن الله الحكيم جعل جبر نقصان ما قد يقع في الفرائض في النوافل. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أول ما يحاسب الناس في الصلاة، ثم يقال: انظروا إذا نقص منها شيء هل له من نوافل؟ فإن كان له من نافلة أكمل وجبر ما كان عنده من نقص في فريضته. وفي هذا أهمية النوافل بالنسبة للفرائض. وما من إنسان إلا ويقع منه نقص. قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يكتب العبد من صلاته ماذا؟ نسبها، ربعها، عشرها»، يعني بحسب ما يستحضر، وما يكون قلبه حاضرًا في صلاته. فمن الذي يجبر هذا النقص؟ وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس ولابد يكون لهم نقص في صلاتهم. يجبر هذا النقص النوافل، وأولها الرواتب. فلا ينبغي للإنسان أن يفرط في الرواتب، مع ما في الرواتب من فضل عظيم. فالمحافظة على الرواتب من أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان. ومما هو أعظم من الروحيات، صلاة الليل. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». ولهذا كان السلف يرون ترك صلاة الليل مما يخرم به وينقص من فضل المرء. بل هذا صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ففي حديث ابن عمر: لما رأى أخاه يبكي وأخبر أخته حفصة، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «نعم الرجل عبد الله، لو كان يقوم الليل». فما تركه قيام الليل قط، يعني حافظ على قيام الليل إلى أن توفاه الله. ولذلك ينبغي للمسلم، وطالب العلم خصوصًا، أن لا يفرط في صلاة الليل. وفي رمضان من باب أولى، فهي من أعظم الصلوات التي ينبغي أن يحافظ عليها. وكان بعض الأئمة يجرح به ويجعله سببًا للتفسيق. فالمعادم المحافظة على صلاة الليل يعتبر منقصة. أي على صلاة الليل، ويجعل هذا منقصة للمرء إذا صار لا يحافظ على صلاة الليل. ورؤية هذا عن أحمد، وجماعة من الأئمة، أي يقدحون بترك صلاة الليل. بل كان في فترة سابقة عند بعض السلف والأئمة لا يزوجون من لا يحافظ على صلاة الليل، يجعلونها منقصة وسببًا للمنع من التزويج. لماذا؟ يرون أن هذا علامة على صلاح الرجل، وعلى تقواه لله سبحانه وتعالى، لأن صلاة الليل لا يحافظ عليها إلا من أكرمه الله وفقه. ومن أكرمه الله حري به أن يكرم من تزوجها. قال رحمه الله تعالى: ومن صلاة الليل الوتر، أقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة. فيوتر بركعة مفردة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»، رواه البخاري ومسلم. وفي لفظ: «إن الله وتر يحب الوتر»، رواه البخاري ومسلم. وفي لفظ: «فليوتر بواحدة»، رواه أبو داود والنسائي. وبعض من تقدح هذه اللفظة، واللفظة الصحيحة المشهورة: «من خشي أن يدركه الفجر فليوتر بواحدة». وفرق بين من خشي فيوتر بركعة، وبين من يفرد ركعة واحدة. وعلى من صحح هذه الرواية يكون معناها: يجوز أن يوتر ولو بركعة، ويصلي الليل بركعة. ولكن الأفضل والأكمل أن لا يكون كذلك، فيجعل الواحدة لمن خشي أن يدركه الفجر. عملًا بالأحاديث والروايات الأخرى. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن خشي أن يدركه الفجر فليوتر بواحدة» أو «بركعة»، دليل على أنه لا ينبغي أن يوتر بركعة واحدة. ولكن إذا ضاق عليه الوقت. فإن قال: إن كان متعبًا، يقال له: وإن كنت متعبًا، فصل قاعدًا. ابتدأ الصلاة قائمًا، ثم اقعد، وصل قاعدًا، حتى لا تحرم كل الأجر. وكذلك تحافظ على الخير. وصلاة الرجل قاعدًا على نصف صلاته قائمًا، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فيصلي قاعدًا خير له من أن يصلي ركعة واحدة. قال رحمه الله: ويوتر بثلاث، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا الوتر بثلاث كما تصلوا المغرب بثلاث»، رواه أبو داود والنسائي. أن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل. وأبو داود والنسائي: «أن أحب أن يوتر بثلاث سردها بسلام واحد»، لما رواه الطحاوي. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوتر بثلاث ركعات، لم يسلم إلا في آخرهن. وفي هذا دليل، مع أحاديث أخرى، أن النافلة لا تشبه بالفريضة. فلا تصلى إذا صلى الثلاث كصلاة المغرب، بل تكون بتشهد واحد، ليس بتشهدين. وهكذا لو صلى أربعًا، فإنه يصلي أربعًا على الصحيح بتشهد واحد، ليس بتشهدين. وما جاء من أحاديث فيها أنه صلى النافلة أربعًا بتشهد في الوسط، الصحيح أنها منكرة، وغير صحيحة. فأصح الروايات في صلاة النافلة أنها لا تشبه بالفريضة، من قوله عليه الصلاة والسلام، ومن فعله. قال: وإن أحب صلى ركعتين، حديث عائشة يؤكده. صلى أربعًا، لا تسأل عن حسنهن، وصلى أربعًا، ثم أوتر بثلاثة. قال: وإن أحب صلى ركعتين وسلم، ثم صلى الثالثة. لما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه كان يسلم بين الركعتين والركعة في الوتر، حتى كان يأمر ببعض حاجته. ومعنى أنه يسلم من كل ركعتين، وهذا هو الأفضل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الليل مثنى مثنى». قال: ويوتر بخمس، فيسردها جميعًا، لا يجلس ولا يسلم إلا في آخرهن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يوتر بخمس فليفعل»، رواه أبو داود والنسائي. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء منهن إلا في آخرهن»، متفق عليه. ويوتر بسبع، فيسردها كالخمس، في قول أم سلمة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع، وبخمس، لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام»، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. وهذه أحاديث كلها صحيحة، وهي من كيفيات صلاة الليل وكيفيات الوتر. ولكن الأكثر والأغلب من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه يصلي ركعتين ركعتين، ويوتر بواحدة أو يوتر بثلاث. هذا هو الأكثر. وأحيانًا يفعل هذه الكيفيات التي سمعناها، إما أربعًا أربعًا، لا يسلم إلا في الرابعة، ثم يوتر بثلاث. أو ركعتين ركعتين، ويوتر بخمس. أو كذلك يوتر بسبع، كما جاء في هذه الروايات. وينبغي للمسلم أن يتتبع السنة على ما وردت. فما كان أكثر فعله عليه الصلاة والسلام فليكن هو أكثر فعلنا. وما كان قليلًا فيفعل قليلًا. وما كان أقل فيفعل أقل. وهكذا. وما كان يفعل نادرًا فليفعل نادرًا. وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، إذن يفعل ولو مرة واحدة. وهذا إذا لم يعارض مصلحة أعظم منه، أو مفسدة تقتضي عدم فعله. وضربنا أمثلة في دروس سابقة: بعض مساجد العوام والأسواق، ومن يكثر فيها الرعاع، قد لا يصلح أن يفعل فيها مثل هذا. إلا إذا تعود الناس فترة من الزمن على السنن، وعلموا السنة، وأحبوا السنن، ووثقوا بالإمام، فعند ذلك يمكن أن يفعل مثل هذا أحيانًا. أما إنسان حديث عهد بالإمامة، ومسجد حديث عهد بسنة، فمثل هذه المساجد لا ينبغي أن يستعجل بفعل مثل هذه الأفعال التي لم يعهدها الناس ولم يعرفوها. وكما قال في أثر علي، وأثر ابن مسعود: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة». وهذا هو درء المفاسد أولى من جلب المصالح. قال رحمه الله تعالى: ويوتر بتسع، فيسردها، لا يجلس إلا في الثامنة، فيقرأ التشهد ويدعو، ثم يقوم ولا يسلم، فيصلي التاسعة، ويتشهد ويدعو ويسلم. لحديث عائشة رضي الله عنها: في وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: «كان يصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا الحديث»، رواه أحمد ومسلم. ويصلي إحدى عشرة ركعة، فإن أحب، سلم من كل ركعتين، وأوتر بواحدة. لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة»، الحديث رواه الجماعة إلا الترمذي. وهذا معناه كذلك: أن هذه من الكيفيات التي كان يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك أن وتره كان متنقلًا طول الليل، على حسب نشاطه. فتارة يصلي بعد العشاء مباشرة، وتارة بعد ذلك، وتارة قبل أن ينام، وتارة في آخر الليل. وانتهى وتره عليه الصلاة والسلام، كما جاءت به أكثر الأحاديث، إلى آخر الليل. قال: وإن أحب صلى أربعًا، ثم أربعًا، ثم ثلاثًا. لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا»، متفق عليه. وسرد الخمس والسبع والتسع، إنما يكون إذا صلى وحده، أو بجماعة محصورين اختاروا ذلك. أما المساجد العامة، فالأولى للإمام أن يسلم في كل ركعتين، لئلا يشق على الناس، ويربك نياتهم، ولأن ذلك أيسر لهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة». وفي لفظ: «فإذا صلى وحده فليصل كيف يشاء». ولأنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بأصحابه بهذه الكيفية، وإنما كان يفعل ذلك في صلاته وحده. وهذا رأي الشيخ رحمه الله، وهو وجيه، لأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه بهذه الكيفيات. ولكن كما قال العلماء: لم يثبت أصلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الليل إلا ليالي معدودة. فهذا عذر يجعل مثل هذا ليس مانعًا. ولهذا قال: من قال من أهل العلم: لا بأس أن يفعل ذلك. لكن كما أشار الشيخ رحمه الله هنا: مع أناس محصورين. ومثل المحصورين: إذا كان مركز علمي، مسجد سنة، الناس عهدوا، وليس فيه الكثير من العوام والرعاع، فلا بأس بعد سنين يتعودون الناس السنة والعلم. وأما مسجد فيه عوام ورعاع، ومساجد عامة الناس والأسواق، فمثل هذه المساجد تجنب الصلوات التي قد يستهجنها ويستغربها الناس. وأكثر الناس عدو ما جهل، عدو ما جهل. فتسبب فتن الإمام ومن في المسجد في غنائهم. قال رحمه الله: وصلاة الليل في رمضان لها فضيلة ومزية على غيرها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه»، متفق عليه. ومعنى قوله: «إيمانًا»، أي إيمانًا بالله، وبما عده من الثواب للقائمين. ومعنى قوله: «احتسابًا»، أي طلبًا لثواب الله، لم يحمل على ذلك رياء ولا سمعة، ولا طلب مال ولا جاه. وقيام رمضان شامل للصلاة في أول الليل وآخره. وقد يقول قائل: كيف يتصور أن يصلى صلاة الليل لطلب مال أو جاه؟ يقال: يتصور هذا في رمضان، بعض الناس ربما يصلي في بعض المساجد لأجل أن يلتقي بناس يعطوه من المال، أو يصل بهم إلى جاه، أو نحو ذلك. وما كان لغير الله، فحري أن لا يكتب له الأجر، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «يقول الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه». فلا يقبل الله عز وجل من الأعمال إلا ما كان خالصًا. قال رحمه الله: وعلى هذا فالتراويح من قيام رمضان، فينبغي الحرص عليها والاعتناء بها، واحتساب الأجر والثواب من الله عليها. وما هي إلا ليال معدودة، ينتهزها المؤمن العاقل قبل فواتها. وإنما سميت التراويح؛ لأن الناس كانوا يطيلونها جدًا، وكلما صلوا أربع ركعات استراحوا قليلًا. فكانوا يقرؤون فيها بالمئين، يعني مئات الآيات، حتى أنهم كانوا يتكئون بالعصي من طول القيام. ولهذا سميت التراويح: يتراحون فيها في ثنايا الصلاة. قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من سن الجماعة في صلاة التراويح في المسجد، ثم تركها خوفًا من أن تفرض على أمته. ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة، وصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم». قال: وذلك في رمضان. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: «صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، ثم قام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، أي نصف. فقلنا: يا رسول الله، لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه. فقال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة»، الحديث رواه أهل السنن بسند صحيح. وهذا الحديث وغيره تدل على مشروعية صلاة القيام في رمضان جماعة. وهذا هو الصحيح. وأما في غير رمضان، المداوم على ذلك جماعة، ليس من السنة. وفعله أحيانًا جماعة مع بعض أهل البيت، أو مع بعض من يسكن معهم، لا بأس. ودليل حديث ابن عباس في الصحيحين، حين أتم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وغيره من الأحاديث التي تدل أنه يجوز أحيانًا أن يصلى صلاة الليل جماعة. قال: واختلف السلف الصالح في عدد الركعات في صلاة التراويح والوتر معها. فقيل: 41 ركعة. وقيل: 39. وقيل: 29. وقيل: 23. وقيل: 19. وقيل: 13. وقيل: 11. وقيل: غير ذلك. وأرجح هذه الأقوال أنها 11 أو 13، لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: «ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة». وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة»، يعني من الليل، رواه البخاري. وفي الموطأ عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: «أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة». وكان السلف الصالح يطيلونها جدًا. ففي حديث السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: «كان القارئ يقرأ بالمئين»، يعني بمئات الآيات، «حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام». وهذا خلاف ما كان عليه كثير من الناس اليوم، حيث يصلون التراويح بسرعة عظيمة، لا يكون فيها بواجب الهدوء والطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة بدونها. فيخلون بهذا الركن، ويتعبون من خلفهم من الضعفاء والمرضى وكبار السن، فيجنون على أنفسهم، ويجنون على غيرهم. وهذا في الحقيقة واقع في بعض المساجد بشيء ما يتصوره العقل. ما تكاد تقرأ الفاتحة، ولا تستطيع أن تسمعها، ولا تفهمها من شدة سرعة القراءة. وأما الركوع والسجود والاعتدال والجلسة بين السجدتين، فهي مسابقة، مسابقة بمعنى الكلمة، ما تستطيع تدرك الإمام. «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر»، وأنت في ركوع وراءه. مثل هذا الإمام لا يجوز أن تأتم به. أخرج من الصلاة، وابحث لك عن مسجد يصلح أن تصلي فيه. وصدق الشيخ رحمه الله فيما ذكر. قال رحمه الله: وقد ذكر العلماء رحمهم الله أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن. فكيف بسرعة تمنعهم فعل ما يجب؟ نسأل الله السلامة. والواجب ليس فقط في الفريضة، حتى في النافلة، الطمأنينة في الصلاة من واجبات الصلاة، ولو كانت نافلة، ولو كانت نافلة؛ لأنه لا تصح الصلاة بغير الطمأنينة، لا تصح الصلاة بغير الطمأنينة. بل بعضهم جعلها ركنًا، فلذلك لا تصح الصلاة من كان هذا حاله، ولا الإتمام بمن هذا حاله. قال: ولا ينبغي للرجل أن يتخلف عن صلاة التراويح لينال ثوابها وأجرها، ولا ينصرف حتى ينتهي الإمام منها ومن الوتر؛ ليحصل له أجر قيام الليل كله. ويجوز للنساء حضور التراويح في المساجد، إذا أمنت الفتنة منهن وبهن. دليله الحديث المتقدم، وأحاديث أخرى كثيرة تدل على هذا المعنى. «فإنه من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة». قال: ويجوز للنساء حضور التراويح في المساجد إذا أمنت الفتنة منهن وبهن، يعني أن لا يكن من إحداهن فتنة، وبهن أي للرجال. فإن وجدت الفتنة منهن أو بهن، فإنهن يمنعن. مثلًا مسجد في وسط السوق، والسوق خاص بالرجال، المرأة لا تستطيع أن تدخل هذا المسجد إلا أن تخترق ماذا؟ زحمة الرجال. فمثل هذا فتنة، فلا يجوز لها والحال هذه أن تذهب إلى المسجد. ما هو الدليل؟ الدليل وجود الفتنة. فإذن ليس دائمًا لا تمنع إماء الله مساجد الله. إنما إذا لم تكن هناك فتنة. قال: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». ولأن هذا من عمل السلف الصالح رضي الله عنهم. لكن يجب أن تأتي متسترة متحجبة، غير متبرجة، ولا متطيبة، ولا رافعة صوتًا، ولا مبدية زينة، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. مفهوم الآية: إذا ظهرت الفتنة والزينة، فإن المرأة لا تخرج. قال: أي لكن ما ظهر منها، فلا يمكن إخفاؤه، وهي الجلباب والعباءة ونحوها، هذا هو المقصود: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. وليس معناه كشف اليدين أو الوجه، كما استدل به بعض أهل العلم، وهو استدلال خاطئ. بل أدلة الكتاب والسنة تدل على وجوب ستر الكفين والوجه. قال: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر النساء بالخروج إلى الصلاة يوم العيد، قالت أم عطية: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب. قال: «لتلبسها أختها من جلبابها»، متفق عليه. والجلباب هو حجاب ساتر للمرأة من رأسها إلى قدميها. وفي دليل أن المرأة لا تخرج بغير الجلباب، لا تخرج بغير الجلباب. فمعتاد بعض النساء في الأرياف من الخروج باللباس الظاهر، ولو كان ملونًا، هذا حرام، ولا يجوز، وخلاف ما دلت عليه أدلة القرآن والسنة. بل الواجب أن تلبس جلبابًا، ولو كان اللباس الداخلي واسعًا. قال: والسنة للنساء يتأخرن عن الرجال، ويبعدن عنهم، ويبدأن بالصف المؤخر، عكس الرجال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها»، رواه مسلم. ومعنى صفوف الرجال: تبدأ من الصف الأول في المسجد. وصفوف النساء: تبدأ من آخر صف في آخر المسجد، هذا إذا لم يكن هناك حاجز بين صفوف الرجال والنساء. مثل الحرم المكي مثلًا، فإذا كان كذلك، يعلم أنه يكره للمرأة أن تصف قرب الرجال، بل تبدأ الصف من آخر مكان للنساء. هذه السنة. والأفضل والأكمل أن يجعل فاصل وحاجز بين صفوف الرجال وصفوف النساء. قال: وينصرفن من المسجد فور تسليم الإمام، ولا يتأخرن إلا لعذر، لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم، قام النساء حين يقضي تسليمه، وهو يمكث في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم». قالت: «نرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال»، رواه البخاري. بل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله هذا. فلا يخرج الرجال والنساء معًا، بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال أن يخرجوا من باب النساء. قال ابن عمر: «فما خرجت منه قط»، أي بعد أن أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. كل هذا لأجل لا يختلط الرجال بالنساء. فهذه الأحاديث تدل على أن فصل الرجال عن النساء كان من سنته عليه الصلاة والسلام، وكان يريده. لكن مسجده في ذاك الوقت من الحصباء والنخيل، وصغير، لا يمكن فصله، مع حاجة الناس إلى سعة المسجد. ولذلك في الاعتكاف لما أراد النساء أن يعتكفن، ترك النبي صلى الله عليه وسلم الاعتكاف في تلك السنة. قال العلماء: لأجل لا يحصل الخلطة، بلزوم النساء للاعتكاف، وتكاثرهن في المسجد. فلهذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم الاعتكاف درءًا للمفسدة. فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. فلذلك قال العلماء: فصل مسجد النساء عن مسجد الرجال هو الذي دلت عليه عمومات الشريعة. اللهم وفقنا لما وفقت القوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك، يا أرحم الراحمين. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. اللهم آمين. طيب، لهنا إن شاء الله سأختم.