الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الدرس أقسام الناس في الصيام، حيث قسم الناس إلى عشرة أقسام بناءً على شروط الوجوب. يُوضح الشروط الواجب توفرها في القسم الأول الذي يجب عليه صوم رمضان أداءً في وقته.
لا يجب الصيام على الكافر ولا يصح منه، ولا على الصغير حتى يبلغ. كذلك لا يجب على المجنون، ويأمر ولي الأمر الصغير بالصوم إذا أطاقه.
يتطرق الدرس إلى أحكام الصيام للكبير والعاجز عن الصيام عجزًا مستمرًا، ويجب على العاجز إطعام مسكين عن كل يوم. يدل هذا على رحمة الشرع وتسهيله على الناس حسب حالتهم.
يتضمن المقطع دعاءً بأن يثبت الله المتحدثين على الطريق الصحيح، ويغفر لهم الخطايا. كما يتضمن الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويختتم بالتوجيه بالاشتراك في القناة.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم قراءة وتعليق على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، قراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السادس. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "مجالس شهر رمضان": قال المجلس السادس في أقسام الناس في الصيام. الحمد لله الذي أتقن بحكمته ما فطر وبناه، وشرع الشرائع رحمة وحكمة، طريقًا وسننًا، وأمرنا بطاعته لا لحاجته إلينا، بل لِيَغْفِرَ الذنوب لكل من تاب إلى ربه وأناب، ويجزل العطايا لمن كان محسنا. والذين جاهدوا فينا لنهديَنَّهم سُبُلَنا، أحمدوا على فضائله سرًا وعلنًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها الفوز بدار النعيم والهناء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي رفعه فوق السماوات فدنا، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر القائم بالعبادة راضيًا بالعناء، الذي شرفه الله بقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، وعلى عمر المجد في ظهور الإسلام، فما ضعف ولا ونى، وعلى عثمان الذي رضي بالقدر وقد حل في الفناء الفاني، وعلى علي القريب في النسب وقد نال المنى، وعلى سائر آله وأصحابه الكرام الأمناء، وسلم تسليمًا. إخواني، سبق في المجلس الثالث أن فرض الصيام كان في أول الأمر على مرحلتين، ثم استقرت أحكام الصيام، فكان الناس فيها أقسامًا عشرة. القسم الأول: المسلم البالغ العاقل المقيم القادر السالم من الموانع، فيجب عليه صوم رمضان أداءً في وقته، لدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك. قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الهلال فصوموا» متفق عليه. وأجمع المسلمون على وجوب الصيام أداءً على من وصفنا. وهذا الوصف هو من توفرت فيه شروط الوجوب، فخرج بالمسلم الكافر، وخرج بالبالغ غير البالغ كالصغير، وبالعاقل المجنون والمعتوه وفاقد العقل على وجه الدوام والطول، والمقيم خرج به المسافر، فيجب عليه القضاء. والقادر خرج به غير القادر كالمريض، سواء أكان مرضًا عارضًا فيجب القضاء، أو مرضًا ملازمًا فعليه الإطعام كما سيأتي إن شاء الله. والسالم من الموانع، والمقصود بالموانع الحيض والنفاس وما كان بمعناه مما يمنع الصيام، فإذا كانت المرأة حائضًا أو نفساء فلا تصوم، ولكنها تقضي. أو إذا كانت لا تستطيع القضاء لتتابع أيام القضاء عليها كالمرضع، ومن تتابع عليها الحمل، فإنها تطعم أسوةً بمن طال مرضه وتراكم عليه القضاء فلا يستطيعه، فإنه ينتقل إلى الإطعام كما سيأتي إن شاء الله. وقد رويت في ذلك آثار، وكذلك معاني بعض الأحاديث سبق معنا في دروس سابقة. قال رحمه الله: فأما الكافر فلا يجب عليه الصيام، ولا يصح منه؛ لأنه ليس أهلًا للعبادة، فإذا أسلم في أثناء شهر رمضان لم يلزمه قضاء الأيام الماضية، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وفيه دليل أنه لا يصح منه. وكذلك لو صام بعض اليوم فإنه يصوم لحرمة اليوم، ولكن لا يجزئه ذلك اليوم. قال: وإن أسلم في أثناء يوم منه لزمه إمساك بقية اليوم؛ لأنه صار من أهل الوجوب حين إسلامه، ولا يلزم قضاؤه؛ لأنه لم يكن من أهل الوجوب حين وقت وجوب الإمساك. قال: القسم الثاني الصغير، فلا يجب عليه الصيام حتى يبلغ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يفيق» رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الحاكم، وهو حديث حسن بمجموع طرقه. قال: لكن يأمره وليه بالصوم إذا أطاقه؛ تمرينًا له على الطاعة ليألفها بعد بلوغه، اقتداءً بالسلف الصالح رضي الله عنهم. فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصومون أولادهم وهم صغار، ويذهبون إلى المسجد، فيجعلون لهم اللعبة من العهن -يعني الصوف أو نحوه- فإذا بكوا من الجوع أعطوهم اللعبة يتلهون بها. ويبتدأ من سن السابعة، ويشدد عليهم من سن العاشرة، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن عبد الله بن عمر: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر». قال: ويحصل بلوغ الذكر بواحد من أمور ثلاثة: أحدها: إنزال المني باحتلام أو غيره، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» متفق عليه. الثاني: نبات شعر العانة، والشعر الخشن ينبت حول القبل، لقول عطية القرضي رضي الله عنه: «عرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة، فمن كان محتلما أو أنبت عانته قتل، ومن لا ترك» رواه أحمد والنسائي، وهو صحيح. الثالث: بلوغ تمام خمس عشرة سنة، في قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجيزني -يعني القتال-، زاد البيهقي وابن حبان في صحيحيهما بسند صحيح: ولم يرني بلغت. وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني، زاد البيهقي وابن حبان في صحيحيهما بسند صحيح: ورآني بلغت» رواه الجماعة. قال ابن نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فحدثته الحديث، فقال: «إن هذا الحد بين الصغير والكبير»، وكتب لعماله أن يفرضوا -يعني من العطاء- لمن بلغ خمس عشرة سنة، رواه البخاري. قال: ويحصل بلوغ الأنثى بما يحصل به بلوغ الذكر، وزيادة أمر رابع وهو الحيض، فمتى حاضت الأنثى فقد بلغت، فيجري عليها قلم التكليف، وإن لم تبلغ عشر سنين. قال رحمه الله: وإذا حصل البلوغ أثناء نهار رمضان، فإن كان من بلغ صائمًا أتم صومه ولا شيء عليه، وإن كان مفطرًا لزمه إمساك بقية يومه؛ لأنه صار من أهل الوجوب، ولا يلزمه قضاؤه؛ لأنه لم يكن من أهل الوجوب حين وجوب الإمساك؛ لأنه بلغ في الوسط -وسط النهار-. قال: القسم الثالث المجنون، وهو فاقد العقل، فلا يجب عليه الصيام، لما سبق من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة» الحديث. ولا يصح منه الصيام؛ لأنه ليس له عقل يعقل به العبادة وينويها، والعبادة لا تصح إلا بنية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». قال: وعلى هذا فلا يلزم قضاء اليوم الذي حصل فيه الجنون. وإذا أفاق المجنون أثناء نهار رمضان لزمه إمساك بقية يومه؛ لأنه صار من أهل الوجوب، ولا يلزمه قضاؤه، كالصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، وهذا هو الصحيح، والمسألة فيها خلاف. قال: القسم الرابع: الهرم الذي بلغ الغاية في الكبر وسقط تمييزه، فلا يجب عليه الصيام، ولا الإطعام عنه؛ لسقوط التكليف عنه بزوال تمييزه، فأشبه الصبي قبل التمييز. قال: القسم الخامس: العاجز عن الصيام عجزًا مستمرًا لا يرجى زواله، كالكبير والمريض مرضًا لا يرجى برؤه، كصاحب السرطان ونحوه، فلا يجب عليه الصيام؛ لأنه لا يستطيعه. وقد قال الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. لكن يجب عليه أن يطعم بدل الصيام عن كل يوم مسكينًا؛ لأن الله سبحانه جعل الإطعام معادلًا للصيام حين كان التخيير بينهما أول ما فرض الصيام، فتعين أن يكون بدلًا عن الصيام عند العجز عنه؛ لأنه معادله. وقد صحت بذلك السنة كما مر معنا في حديث سلمة وغيره. قال: ويخير في الإطعام بين أن يفرقه حبًا على المساكين، لكل واحد مد من البر -ربع الصاع النبوي-، ووزنه -أي المد- نصف كيلو وعشرة غرامات بالبر الرزين الجيد. قال: وبين أن يصلح طعامًا فيدعو إليه مساكين بقدر الأيام التي عليه. قال البخاري رحمه الله: «أما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بعدما كبر عامًا أو عامين كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر». وثبت عنهم كذلك أنه كان يطعم ثلاثين مسكينًا في يوم واحد، فيجوز هذا ويجوز هذا. قال: وقال ابن عباس رضي الله عنهما في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا، رواه البخاري. إخواني، الشرع حكمة من الله ورحمة، رحم الله بها عباده؛ لأنه شرع مبني على التسهيل والرحمة، وعلى الإتقان والحكمة. أوجب الله به على كل واحد من المكلفين ما يناسب حاله، ليقوم كل أحد بما عليه منشرحًا به صدره، ومطمئنًا به نفسه، يرضى بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا. فأحمدوا الله أيها المؤمنون على هذا الدين القيم، وعلى ما أنعم به عليكم من هدايتكم له، وقد ضل عنه كثير من الناس. واسألوه أن يثبتكم عليه إلى الممات. اللهم إننا نسألك بأننا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، يا ذا الجلال والإكرام، يا منان، يا بديع السماوات والأرض، يا حي يا قيوم، نسألك أن توفقنا لما تحب وترضى، وأن تجعلنا ممن رضي بك ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا. ونسألك أن تثبتنا على ذلك إلى الممات، وأن تغفر لنا الخطايا والسيئات، وأن تهب لنا منك رحمة، إنك أنت الوهاب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه، وأتباعه إلى يوم الدين. نعم، الحمد لله، إلى هنا إن شاء الله. اشتركوا في القناة.