الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الشيخ العثيمين عن حكم صيام المسافر في رمضان، حيث يُعتبر المسافر مخيرًا بين الصيام والفطر إذا لم يقصد التحايل. يُشرع الفطر إذا كان يسبب مشقة أو ضررًا.
يشرح المقطع أحكام الصيام والفطر للمسافر، ويبين أن الفطر مباح إذا شق عليه الصيام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم أحيانًا ويفطر أحيانًا أخرى حسب الأيسر.
يتناول المقطع أحكام الصوم للمريض والمسافر، حيث يجوز الفطر إذا شق الصوم أو أضره، ويجب القضاء بعد برء المرض أو انتهاء السفر.
يشير المقطع إلى انتهاء الحديث مع التعبير عن الأمل في تحقيق ما سبق ذكره بإذن الله.
يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم إراءة وتعليقًا على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة المثيمين -رحمه الله تعالى- إراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني -حفظه الله تعالى- القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السابع. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في كتاب مجالس شهر رمضان، المجلس السابع: في طائفة من أقسام الناس في الصيام. قال: الحمد لله المتعالي عن الأنداد، المقدس عن النقائص والأضداد، المنزي عن الصاحبة والأولاد، رافع السبع الشداد عالية بغير عماد، وواضع الأرض للمهاد، مثبتة بالراسيات الأطواد، المطلع على سر القلوب ومكنون الفؤاد، مقدر ما كان وما يكون من الضلال والرشاد، في بحار لطفه تجري مراكب العباد، وفي ميدان حبه تجول خيل الزهاد، وعنده مهتغى الطالبين ومنتهى القصاد، وبعينه ما يتحمل المتحملون من أجله في الاجتهاد، يرى دبيب النمل الأسود في السواد، ويعلم ما توسوس به النفس في باطن الاعتقاد، جاد على السائلين فزادهم من الزاد، وأعطى الكثير من العاملين المخلصين في المراد. أحمده حمدًا يفوق على الأعداد، وأشكره على نعمه، وكلما شكر زاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك الرحيم بالعباد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث إلى جميع الخلق في كل البلاد، صلى الله عليه وعلى صاحب أبي بكر الذي بدل من نفسه وماله وجاد، وعلى عمر الذي بالغ في نصر الإسلام وأجاد، وعلى عثمان الذي جهز جيش العسرة، فيا فخره يوم يقوم الأشهاد، وعلى علي المعروف بالشجاعة والجلاد، وعلى جميع الآل والأصحاب والتابعين لهم بإحسان إلى يوم التناد، وسلم تسليمًا. إخواني: قدمنا الكلام عن خمسة أقسام من الناس في أحكام الصيام، ونتكلم في هذا المجلس عن طائفة أخرى من تلك الأقسام. فالقسم السادس: المسافر إذا لم يقصد بسفره التحيُّل على الفطر، فإن قصد ذلك فالفطر عليه حرام، والصيام واجب عليه حينئذ، فإذا لم يقصد التحيُّل فهو مخير بين الصيام والفطر، سواء طالت مدة سفره أم قصرت، وسواء كان سفره طارئًا لغرض أو مستمرًا كسائق الطائرات وسيارات الأجرة، لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر. وبالصحيحين عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر والمفطر على الصائم». وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن». وفي سنن أبي داود عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: «يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر -يعني رمضان- وأنا أجد القوة وأنا شاب، فأجد بأن أصوم -يا رسول الله- أهون علي من أن أؤخره فيكون دينًا علي، أفأصوم -يا رسول الله- أعظم لأجري أم أفطر؟ قال: أي ذلك شئت يا حمزة». وعلق بقوله: «وفي إسناده ضعف» وله شواهد، وأصله بصحيح مسلم عن حمزة أنه قال: «يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه». والمقصود أن السفر رخصة، وقد اختلف أهل العلم في حكم الفطر في السفر: هل هو أفضل أو الصيام أفضل؟ والصحيح من أقوال أهل العلم أنه بحسب المصلحة، جمعًا بين الأدلة. فمن تيسر له الصيام دون مشقة فهو أبرأ لذمته، وكذلك أعون له صيامه في الشهر، فلا حرج عليه، ومن كان عليه مشقة تضر به، فلا يصوم، أو تضر بغيره، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر». وأما إذا كان يضر بغيره، مثل الصيام مع الجهاد كما سيأتي معنا -إن شاء الله-، فالسفر الذي يحصل فيه الفطر فيضر بالشخص أو يضر بالغير، إنسان عنده أسرة كبيرة، وهو الرجل الوحيد يتحمل مسؤولية الأسرة في السفر، ثم يريد أن يصوم، فيفرط في هذه الأسرة، تقل أسرة دون عائل، دون رجل فيه معنى الرجولة التي ينبغي أن تكون عنده في القيام بأسرته، فيدخل الرجال ليقوموا بأسرته، ويحتاجون إلى من يعينهم، فيذهبون بالنساء والأطفال إلى غيره ليعينهم، هذا خور لا يجوز، مثل هذا لا يجوز له أن يفطر، لا يجوز له أن يصوم، بل يجب عليه أن يفطر. وهكذا فإنه بحسب الحال يكون الحكم. وأما قوله: التحيُّل، المراد بالتحيُّل ما يفعله بعض الناس حيلة على الفطر في رمضان بأن يسافر، يذهب مسافة سفر ويرجع لأجل أن يستحل الفطر، وهذه الحيل مشهورة عند بعض الفقهاء وبعض أهل الأهواء، والحيل لا تزيد المحرم إلا حرمة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر وغيره، واليهود حين أذابوا الشحوم -حين حرمت عليهم- فجملوها فباعوها، ما زادهم ذلك إلا إثمًا ولعنة وغضبًا من الله -سبحانه وتعالى-، وكذلك الذي يتحايل على الحرام فيظهره بصورة الحلال بهذه الحيل، لا يجوز له أن يفطر في نهاية رمضان، فيذهب مسافة سفر لأجل أن يفطر، سواء تزوج أو أراد شيئًا، فإنه لا يجوز ذلك، ولا يزيده هذا إلا حرمة. قال -رحمه الله تعالى-: فإذا كان صاحب سيارة الأجرة يشق عليه الصوم في رمضان في السفر من أجل الحر مثلًا، فإنه يؤخره إلى وقت يبرد فيه الجو ويتيسر فيه الصيام عليه. والأفضل للمسافر فعل الأسهل عليه من الصيام والفطر، فإن تساويا فالصوم أفضل؛ لأنه أسرع في إبراء ذمته، وأنشط له إذا صام مع الناس؛ لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة». وفيه دليل أن من استطاع أن يصوم في السفر فليصوم، وهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان في حر شديد وتعب، ما دام أنه لا يصل به إلى الإضرار والإشقاق بالنفس. قالوا: أفطر صلى الله عليه وسلم مراعاة لأصحابه، حين بلغه أنهم شق عليهم الصيام. فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينظرون فيما فعل، قال: فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون إليه» رواه مسلم. وفي حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على رجل من أصحابه وهو صائم في يوم صائف مشمس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له، فقال: اشربوا أيها الناس، فأبوا، فقال: إني لست مثلكم، إني أيسركم، إني راكب، فأبوا، فثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذه، فنزل فشرب، وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب -صلى الله عليه وسلم-» رواه أحمد، وكما أشار أن إسناده جيد، وهو حسن بمجموع طرقه. والحديث الأول الصحيح «أن النبي صلى الله عليه وسلم تدرج معهم في عام الفتح حتى أمرهم أمرًا، وغضب على من لم يفطر؛ لأجل أن لا يلاقي العدو بضعف، فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة» حين لم يستجب بعضهم ظنًا منهم أن أمره -عليه الصلاة والسلام- ليس على وجه الإلزام، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه أراد الإلزام بالفطر حتى يلاقوا العدو وهم أقوياء، وليس ضعفاء. فلهذا قال العلماء: الفطر في السفر إذا كان لمصلحة لدفع مضرة عن النفس أو عن الغير صار واجبًا، مثله من أراد أن ينقذ غريقًا، ما يستطيع أن ينقذ الغريق أو يطفئ الحريق إلا بالفطر، فهل يجوز له أن يفطر في نهار رمضان ولو لم يكن مسافرًا؟ الصحيح: نعم. فالشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق، فدفع الضرر عن الغير أعظم من الفطر، فلذلك يفطر فينقذ الغريق أو يطفئ الحريق ونحو ذلك. قال -رحمه الله تعالى-: وإذا كان المسافر يشق عليه الصوم، فإنه يفطر ولا يصوم في السفر. وفي حديث جابر السابق «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أفطر حين شق الصوم على الناس، خيل له أن بعض الناس قد صام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أولئك العصاة، أولئك العصاة» وهو مسلم، وتقدم معنا سببه؛ لأنه أراد أن نقابل العدو وهم أقوياء. قالوا: في الصحيحين عن جابر أيضًا «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فرأى رجلًا قد ظلل عليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصيام في السفر». وإذا سافر الصائم في أثناء اليوم، وشق عليه ما صومه، جاز له الفطر إذا خرج من بلده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام وصام الناس معه حتى بلغ كراع الغميم، فلما بلغه أن الناس قد شق عليهم الصيام أفطروا، أفطر الناس معه. وكراع الغميم: جبل أسود في طرف الحرة، يمتد إلى الوادي المسمى بالغميم، بين عسفان ومر الظهران، بل قصر النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة، وذي الحليفة بطرف المدينة، أول الحل، أول الحل، فدل ذلك أنه يجوز أن يترخص برخص السفر من حين يفارق الرجل البنيان. قال: وإذا قدم المسافر إلى بلده في نهار رمضان مفطرًا، لم يصح صومه ذلك اليوم؛ لأنه كان مفطرًا في أول النهار، والصوم الواجب لا يصح إلا من طلوع الفجر. ولكن هل يلزمه الإمساك بقية اليوم؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: يجب عليه أن يمسكه بقية اليوم احترامًا للزمن، ويجب عليه القضاء أيضًا؛ لعدم صحة صوم ذلك اليوم، وهذا المشهور من مذهب أحمد -رحمه الله- من مذهب أحمد -رحمه الله-. وقال بعض العلماء: لا يجب عليه أن يمسك بقية ذلك اليوم؛ لأنه لا يستفيد من هذا الإمساك شيئًا لوجوب القضاء عليه، وحرمة الزمن قد زالت بفطره، مباح له أول النهار ظاهرًا وباطنًا. قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: «من أكل أول النهار فليأكل آخره» يعني من أكل بعذر، قال: أي من حل له الأكل أول النهار بعذر، حل له الأكل آخره، وهذا مذهب مالك والشافعي ورواية عن الإمام أحمد. ولكن لا يعلن أكله ولا شربه لخفاء سبب الفطر، فيساوي بالظالم، ويقتدى به، وإذا لم يكن فلا حرج؛ لأنه له عذر في الفطر. قال: القسم السابع: المريض الذي يرجى برء مرضه، وله ثلاث حالات. إحداها: أن لا يشق عليه الصوم ولا يضره، فيجب عليه الصوم؛ لأنه ليس عذر يبيح الفطر. الثاني: أن يشق عليه الصوم ولا يضره، فيفطر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ويكره له الصوم عن مشقة؛ لأنه خروج عن رخصة الله تعالى، وتعذيب لنفسه. وفي الحديث: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» رواه أحمد، وابن حبان، وابن خزيمة في صحيحيهما، والحديث به ضعف، ولكن معناه صحيح، تؤيده أحاديث أخرى، كما سيأتي -إن شاء الله- بالتعليق. الثالثة: أن يضره الصوم، فيجب عليه الفطر، ولا يجوز له الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لنفسك عليك حقًا» رواه البخاري، ومن حقها ألا تضرها مع وجود رخصة الله -سبحانه-، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» أخرجه ابن ماجة والحاكم، قال النووي: له طرق تقوي بعضها بعضًا، وهو كما قال، فهو حديث حسن بمجموع طرقه. قال: وإذا حدث له المرض في أثناء رمضان وهو صائم، وشق عليه إتمامه، جاز له الفطر؛ لوجود مبيح للفطر. وإذا برئ في نهار رمضان وهو مفطر، لم يصح أن يصوم ذلك اليوم؛ لأنه كان مفطرًا في أول النهار، والصوم الواجب لا يصح إلا من طلوع الفجر. ولكن هل يلزمه أن يمسك بقية يومه؟ فيه خلاف بين العلماء، سبق ذكره في المسافر إذا قدم مفطرًا، والصحيح أنه من أفطر أول النهار جاز له أن يفطر آخره، كما تقدم من كلام ابن مسعود وغيره. كذلك ما هو الضابط في المرض المبيح للفطر أو الذي يعطي الرخصة؟ الضابط في ذلك أنه المرض ليس اليسير، وإنما المتوسط وما فوقه، مما يزيد في المرض أو يتأخر به البرء، فكل مرض يتأخر برؤه بالصيام أو يزيد مرضه بالصيام، مرض مبيح للفطر. وسئل الإمام أحمد -رحمه الله- -عن الحمى، ورخص فيها، وبين أنها مما ينبغي أن يرخص بها. قال: وإذا ثبت بالطب أن الصوم يجلب المرض أو يؤخر برءه، جاز له الفطر؛ محافظة على صحة، واتقاء للمرض. فإن كان يرجى زوال هذا الخطر، انتظر حتى يزول، ثم يقضي مع أفطر، وإن كان لا يرجى زواله، فحكمه حكم القسم الخامس، يفطر ويطعم عن كل يوم مسكين. وهؤلاء أصحاب الأمراض المزمنة الملازمة لأصحابها، كالسكر والكلا ونحو ذلك، إذا اشتدت، وكان لا يمكن معها الفطر؛ لأنه يزيد في مرضه. قال: «اللهم وفقنا للعمل بما يرضيك، وجنبنا أسباب سخطك ومعاصيك، واقرأ لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك -يا رحيم الراحمين-، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين». إلى هنا -إن شاء الله-.