شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 53

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 53

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 53، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

استحباب تزيين القرآن بالصوت الحسن واستماعه

أجمع السلف على استحباب طلب القراءة من أصحاب الأصوات الحسنة وتزيين القرآن بها، مستدلين بأحاديث نبوية، وشبّهوا القارئ بالحالب والمستمع بالشارب، مبينين أن المستمع غالباً ما يكون أخلى قلباً للتدبر والخشوع، وهذا متفق على استحبابه رغم إنكار بعض المعاصرين.

سنة عرض القرآن على المعلم وفضل قراءة ابن مسعود

طلب النبي ﷺ من عبد الله بن مسعود قراءة القرآن عليه رغم نزوله عليه، إرادةً للاستماع والتدبر، فبكى ﷺ عند آية الشهادة، ويُستدل به على مشروعية عرض الطالب قراءته على الشيخ، وعلى فضيلة ابن مسعود وجودة قراءته.

بكاء النبي صلى الله عليه وسلم وآداب الاستماع للقرآن

وصف المقطع بكاء النبي ﷺ رحمة بأمته عند سماع آية الشهادة، وجواز طلب القارئ التوقف للحاجة، ونقل عن السلف استماعهم بخشوع وبكاء هادئ دون مبالغة، واستحباب افتتاح مجالس الحديث وختمها بتلاوة القرآن.

آداب القراءة في المجالس واختيار آيات المواعظ

يوجه النص القارئ إلى اختيار آيات الخوف والرجاء والمواعظ والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وقصر الأمل ومكارم الأخلاق عند القراءة في المجالس، ويختتم بالحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال رحمه الله: فصل في استحباب القراءة الطيبة، من حسن الصوت. قال: علم أن جماعات من السلف كانوا يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن يقرأوا وهم يستمعون، وهذا متفق على استحبابه، وهو عادة الأخيار والمتقين وعباد الله الصالحين. نعم، هذا محل إجماع: استحباب طلب القراءة من حسن الصوت. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يحب ذلك: ترتيل القرآن وتزيينه بالأصوات الحسنة، كما تقدم معنا في الأحاديث: «من لم يتغنَّ بالقرآن فليس منا»، و«زينوا القرآن بأصواتكم»، و«ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به»، وحديث: «لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود». فهذا القدر محل اتفاق، وهو استحباب استماع القرآن ممن هو حسن الصوت. وأيضاً كما تقدم: استحباب أو مشروعية طلب القراءة من الغير، فهذا يؤدي إلى الاستفادة؛ فالقرآن كتاب عظيم مبارك يستفيد منه القارئ ويستفيد منه المستمع. ويقولون: إن استفادة المستمع من حيث التدبر والتفهم والوقوف على الحكم والآداب والأخلاق أكثر من القارئ؛ فالقارئ شبهوه بالحالب، والمستمع شبهوه بالشارب: هذا يتشاغل بحلب الناقة، وهذا مشغول بالشرب. فغالباً ما يكون القارئ مشغولاً بتحسين القراءة، ومراعاة المخارج، ومراعاة أحكام التجويد والتلاوة، وأما المستمع فغالباً ما يكون أخلى في الفكر وأقبل على القرآن، فهو يتأثر ويخشع ويتأمل وينظر، من خلاف القارئ. فلذا شرع ذلك. انظروا يا إخواني: ينقلون الإجماع على هذا الفعل، أنه هذا محل اتفاق. وكنا في الأيام الماضية قد وقفنا على بعض الإخوة ينكرون هذا: أن يطلب من بعض القراء حسني الأصوات أن يقرأ على الملأ، وهذا محل اتفاق في الاستحباب. قال رحمه الله: وهو سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد صح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي القرآن». فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 41]. قال: «حسبك الآن». فالتفت فإذا عيناه تذرفان. رواه البخاري ومسلم. هذا الحديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه، كما ذكر أهل العلم: هل طلب النبي صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه ليكون عرض القرآن سنة؟ هل هذا هو المقصود؟ النبي صلى الله عليه وسلم طلب من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه ليكون عرض القرآن على الشيخ أو المعلم سنة، أو مقصود أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتدبر وأن يتفهم وأن يتخشع لتلاوة عبد الله بن مسعود؟ يحتمل الأمران. «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي القرآن» فيه فضل عبد الله بن مسعود حيث كان جيد القراءة، حسن القراءة، والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «من أحب أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد». فهذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. قال: «فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟» هو معلمهم عليه الصلاة والسلام. فيه عرض الطالب على المعلم القرآن. قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». ما شاء الله، هذا يشاهد من الحديث: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، من غيري، فسمع القرآن من التالي المجود، حسن الصوت، هذه سنة نبوية، ما ينبغي إنكارها، ما ينبغي. «فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري». فهذا يرجح أن الاحتمال الثاني: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يتدبر وأن يتفهم القرآن، يعني: يكون تدبراً وتفهماً، أراد ذلك. «فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ قال: حسبك الآن». فيها: أنه لا بأس أن يطلب من القارئ قطع القراءة عند الحاجة، فيه لا بأس أنه يطلب من القارئ قطع القراءة للحاجة. قال: «حسبك الآن»، وهو يريد أن يواصل القراءة ويسترسل فيها، قال: «حسبك الآن». ويوقف أن يقال له: حسبك، أو: إلى هنا. «قال: فالتفت فإذا عيناه تذرفان». وكما ذكر العلماء: أن بكاء النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان رحمة بالأمة؛ فإنه سيكون عليه الصلاة والسلام شهيداً عليهم يوم القيامة بأعمالهم، وقد تكون من أعمالهم ما هي سيئة، تكون سبباً في تعذيبهم، فلذا بكى النبي صلى الله عليه وسلم رحمة على أمته. قالوا: روى الدارمي وغيره بأسانيدهم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «ذكرنا ربنا»، فيقرأ عنده. في التعليق: أن فيهم كطاعا. قالوا: الآثار في هذا كثيرة، معروفة. وقد مات جماعات من الصالحين بسبب قراءة من سألوه القراءة. والله المستعان. أن الغشي والموت عند سماع القرآن، يعني: خاصة الغشي والصراخ والعويل وضرب الصدور، هذا لم يكن من هدي السلف، هذا لم يكن من هدي السلف. فالنبي صلى الله عليه وسلم تأثر فجعلت عيناه تذرفان، و﴿ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾ [الإسراء: 109]. قالوا: قد استحب بعض العلماء أن يستفتح مجلس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويختم بقراءة قارئ حسن الصوت ما تيسر من القرآن. ثم إنه ينبغي للقارئ في هذه المواطن أن يقرأ ما يتعلق بالمجلس ويناسبه، وأن تكون قراءته في آيات الخوف والرجاء، والمواعظ، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة والتأهب لها، وقصر الأمل، ومكارم الأخلاق. إلى هنا، والحمد لله.