الدرس في كتاب الطهارة 10، الدرس العاشر: فيه : ( اختلاف العلماء ... والمشهور من مذهب الإمام أحمد الوجوب ويدل عليه ظاهر الحديث ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
اختلف العلماء في حكم غسل اليد بعد النوم، حيث ذهب الشافعي والجمهور إلى غسله بعد كل نوم بينما ذهب الإمامان أحمد وداود الظاهري إلى تخصيصه بنوم الليل. الراجح هو تخصيصه بنوم الليل لعدم وضوح الحكمة من غسله بعد كل نوم.
تناول المقطع حكم غسل اليدين بعد الاستيقاظ من النوم، مشيراً إلى أن الأحاديث تشير إلى وجود علة لهذا الحكم. كما بين أن الشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع، وناقش اختلاف العلماء في وجوب أو استحباب غسل اليدين.
يستحب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء عند الاستيقاظ من النوم. يكفي غسلهما مرة واحدة، وإن كان غسلهما ثلاث مرات مستحباً. يجب غسل الكفين إلى الرسغين.
تم ختام الدرس بالتأكيد على ما تم شرحه، مع النية لاستكمال الباقي في درس لاحق. يشير إلى أن ما تمت مناقشته هو جزء من سلسلة دروس متصلة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشارح رحمه الله تعالى: اختلاف العلماء. قال: اختلف العلماء في النوم الذي يشرع بعده غسل اليد، فذهب الشافعي والجمهور إلى أنه بعد كل نوم من ليل أو نهار، لعموم قوله: «من نومه»، يعني: إذا استيقظ أحدكم من نومه. هكذا جاء في بعض ألفاظ الصحيح. وجاء في لفظ آخر في الصحيحين بالتقييد: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». وجاء في لفظ البخاري وهو مسلم من دون ذكر البيتوتة. وهذا الذي ذهب إليه الجمهور كما ذكر، قال به جماعة من جمهور أهل العلم، كما أشار الشافعي، وجماعة، فهو قول الحسن وإسحاق، وهكذا كذلك المروي عن إمام مالك، وجماعة من أهل الحديث والفقه وأهل الرأي. قال: وخصه الإمامان أحمد وداود الظاهري بنوم الليل، وأيدوا رأيهم بأن حقيقة البيتوتة لا تكون إلا من نوم الليل، وبما وقع في رواية الترمذي وابن ماجة: «إذا استيقظ أحدكم من الليل». وهذه الرواية صحيحة، صححها العلامة الألباني رحمه الله في صحيحه بداود بن ماجة. ويغني عنها ما جاء في الصحيحين بلفظ: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، فقوله: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» فيه ذكر البيتوتة. قال الشارح: والراجح المذهب الأخير، يعني ما ذهب إليه الإمام أحمد وداود الظاهري. قال: لأن الحكمة التي شرع من أجلها الغسل غير واضحة، إنما يغلب عليها التعبدية، فلا مجال لقياس النهار على الليل وإن طال فيه النوم؛ لأنه على خلاف الغالب، والأحكام تتعلق بالأغلب، وظاهر الأحاديث التخصيص. هذه ثلاثة أوجه استدل بها رحمه الله على الترجيح. الوجه الأول: أنه ليس هناك حكمة واضحة، والظاهر والله أعلم أن التعليل حكمة. ومر معنا قريبا في درس الأصول أن التعليل والسبب قد يكون نفسه حكمة. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» يدل أنه تعليل، وأن هذا حكمة لأجل هذا الأمر. وقد اختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر بالغسل، فمنهم من قال: تعبدي، كما قال المؤلف، وهو المروي عن الإمام أحمد وجماعة من الظاهرية. ومنهم من قال: إنه معلل، وأنه علل بالنوم الناقض للوضوء الذي يكون معه ذهاب العقل، وعند ذهاب العقل لا يدري الإنسان أين باتت يده، يعني من نجاسة أو خبث أو نحوها. وهذا قول جمهور أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم أن العلة هو بيتوتة الشيطان على اليد، كما أنه يبات على الخيشوم، كما سيأتي معنا إن شاء الله في الكلام على الاستنثار والاستنشاق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الشيطان يبات على خيشومه، فأمر عند ذلك بالاستنثار والاستنشاق. ومال إلى هذا القول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى. وإذا تأملنا فنجد أن ما ذهب إليه ومال إليه شيخ الإسلام قد يدخل في معنى ما ذهب إليه الجمهور، ولا مانع. فإن قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» معلل بماذا؟ بذهاب العقل. وهذا يشمل النجس والخبث، وكذلك الضار ومنه الشيطان، لا مانع إن صح. فإنه لا مانع أن يدخل فيه، فيكون التعليل أقرب، وهو الأصل في الأحكام الشرعية أنها معللة لا تعبدية. الأصل في الأحكام الشرعية أنها معللة لا تعبدية، يعني لها حكمة ولها علة معلومة، هذا هو الأصل، خصوصا أنه ذكر السبب في الحديث. فإذا كان كذلك، فإذا ننتقل إلى ما ذكره ثانيا، وهو قوله: «فلا مجال لقياس النهار عليه». إذن نقول: هناك مجال لقياس النهار عليه؛ لأن العلة موجودة. فالشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع، خصوصا إذا طال النوم، خصوصا إذا طال النوم؛ لأن النائم يستعمق في نومه، وإذا استعمق في نومه فإنه يتأكد فيه وجود العلة، فإنه لا يدري أين باتت يده، بخلاف القائل الذي ينام قيلولة خفيفة؛ لأن القيلولة لا يلزم منها النوم، وإنما هو الاسترخاء، قد ينام الإنسان أو لا ينام. فالمهم أنه ما أشبه نوم الليل وكان قريب منه، وتأكد أنه لا يدري أين باتت يده، فإنه عند ذلك يتبعه ويلحقه هذا الحكم. ومر معنى وسبق أن معنى «أين باتت اليد» ليس فقط ملامسة النجاسة ودخولها إلى الفرج أو نحوه كما ذكر ذلك بعض أهل العلم، لا، بل الأمر أوسع من ذلك. فقد يصيبها بعض الضار كبعض الدواب من فأرة أو ثعبان أو عقرب أو غير ذلك. وقوله كذلك: «والأحكام تتعلق بالأغلب، وظاهر الأحاديث التخصيص». هذا الكلام يصح إذا كان لا يمكن الجمع بين الأحاديث؛ لأن القاعدة عند أهل الأصول: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. عندنا نص عام، فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إذا قام إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء». وفي رواية: «لا يدخل يديه في وضوئه أو يده في وضوئه»، ولم يذكر بيتوته ولم يذكر الليل. وفي رواية ذكر البيتوته وذكر الليل. فهنا عندنا معنيان، فكوننا نخصص هذا العام بهذا الخاص، هذا إهمال للمعنى العام وتعطيل له. وليس هناك دليل صحيح صريح يخصص، فكان الأولى والأحوط والعكس، وهو إعمال الدليلين. إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، والتخصيص إضاعة لمعنى العموم. فتبين بهذا والله تعالى أعلم أن الذي يظهر هو التعليل، والشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع. طيب، هذه هي المسألة الأولى. قال رحمه الله: ثم اختلفوا أيضا هل غسلهما واجب أو مستحب؟ وهذه المسألة الثانية. قال: فذهب الجمهور إلى الاستحباب، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخرق والموفق والمجد. وهكذا هذا مما روي من الجمهور عن عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وجماعة من أهل الحديث والفقه، وهو قول جماعة من أصحاب الرأي. قال: والمشهور من مذهب الإمام أحمد الوجوب، ويدل عليه ظاهر الحديث. وهكذا كذلك روي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة والحسن، إلا أن الإمام أحمد قيده بنوم الليل خاصة. وأما ما روي عن الحسن وإسحاق فإنهما لم يفرقا بين نوم الليل ونوم النهار. واستدل الجمهور بأنه لم يذكر في الآية هذا الحكم، وأنه إذا كان كذلك فإنه لا وجوب. واستدل من قال بالوجوب بظاهر النصوص، فإن ظاهرها الأمر، والأصل في الأمر للوجوب، وهو الأحوط والأقرب للصواب والله تعالى أعلم. فإنه يحسن بأن يغسل الإنسان إذا استيقظ من نومه يغسل يديه، ولا يدخلهما في الإناء. فإن سأل سائل وقال: كيف نصنع إذا كان الإناء مما لا يمكن أن يكفأ، كبحيرة أو بئر أو نحو ذلك، وليس عنده ما يغرف الماء؟ الجواب: يستطيع أن يغرف بأي شيء، بعمامته، بخفه، بأي شيء يستطيع أن يغرف الماء ويغسل يديه خارج الإناء. هذا إذا كان إدخال اليد مضن للخبط. وأما الماء الكثير فإنه لا يضر إذا أدخل يده فيه فصوصا المتحرك منه غير الدائم. وإذا اضطر قدر أنه لا يستطيع، فالضرورات تبيح المحظورات. لكن الأصل ينبغي عليه أن يغسل يديه خارج الإناء ما استطاع إلى ذلك سبيلا. قال رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث. طيب، قبل أن ندخل في ما يؤخذ من الحديث، كذلك من المسائل المتعلقة في هذا الموضع، وفي هذه المسألة: كم تغسل اليد مرات؟ فقد جاء في بعض الروايات ذكر المرة الواحدة: «فإذا استيقظ أحدكم فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه». كما جاء في رواية البخاري: «قبل أن يدخلها في وضوئه إذا استيقظ أحدكم فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه»، لم يذكر ثلاث مرات. وجاء في رواية لمسلم: يغسلها ثلاث مرات. وهكذا جاءت من طريقين عن عبد الله بن الشقيق عن أبي هريرة، وعن أبي الزبير عن جابر وعن أبي هريرة. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكفي مرة، وأن الثلاث مستحب. وذهب بعض أهل العلم أنه يكفي مرة، وأن رواية الثلاث فيها شذوذ. وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الثلاث. والظاهر والله تعالى أعلم أن المرة هو الواجب، وهو الذي به تجتمع الأدلة. وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. ورواية البخاري كما نرى فيها ذكر الغسل الواحدة تكفي. والأصل في الأمر أنه للمرة. وإذا اقتضى التكرار أو الكثرة فإنه لا بد أن يأتي ما يدل عليه. فكونه ورد في بعض الروايات ذكر المرة، فهذا يغني. وذكر في بعض الروايات ذكر الزيادة، وهي ثلاث مرات، فهذا يدل على زيادة حكم. حتى نعمل الدليلين، فنقول: الزيادة مستحبة، والمرة تكفي. المرة تكفي والزيادة مستحبة، إلا إذا جاء النص على التثليث، ولم يأت النص على التثليث فقط. فلما لم يأت النص على التثليث فقط، فالأولى أن لا نقيد العام بالخاص، فيكون الثلاث مستحب، والمرة هو الواجب، والمرة هو الواجب. وأما الشذوذ فقد علمنا بمتابعة هذا الحديث من هاتين الطريقين وغيرها، أنه ليس بشاذ. فقد جاء من حديث عبد الله بن الشقيق عن أبي هريرة، وجاء من طريق أبي الزبير عن جابر عن أبي هريرة. بل وجاء خارج الصحيح عن غير أبي هريرة كذلك بذكر لفظ التثليث، بذكر لفظ التثليث. طيب، المسألة الرابعة: ما هو حد اليد الذي تغسل؟ مر معنا فيما سبق أن الصحيح في اليد أنها إلى الرسغ، فهي الكف فقط. فإذن الذي يغسل الكف، فيغسل الكفين إلى الرسغين، هذا هو حد اليد، فهو كذلك لغة وشرعا. طيب، نكتب بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس آخر. والله أعلم.