الدرس في كتاب الهبات 1، كتاب الهبات . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الكتاب أحكام الهبات وشروطها، مثل أن تكون من جائز التصرف وباختياره ومقبوضة، ويفرق بين الهبة بغير عوض والهبة بعوض. كما يبين ضوابط العمر والرقبة في الإسلام.
يتناول تعريف العمراء بأنها هبة أو عطية تعطى لشخص ما مدى حياته، ويشرح حكمها في الإسلام، حيث حرم بعض صورها التي تشبه الوصية أو الميسر، وأباح صورًا أخرى لا تخالف النصوص الشرعية.
يفسر المقطع حديث 'أنت ومالك لأبيك' على أنه حث على الإحسان إلى الوالدين دون إضرار بالنفس أو الغير، ويشير إلى أهمية العدل في التعامل مع الأبناء وتقديم الحقوق للوالدين.
ينهي المؤلف كتابه ببيان ارتباط باب العمر والرقبة بالقرابات، ويختم بصلاة وسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ويشير إلى أنه كتب هذا القدر من الحديث عن جابر بن عبد الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: كتاب الهبات، قال: إن كانت بغير عوض فلها حكم الهدية في جميع ما سلف، وإن كانت بعوض فهي بيع ولها حكمه. والعمر والرقب يوجبان الملك للمعمر والمرقب ولعقبه من بعده، لا رجوع فيهما. قوله رحمه الله: كتاب الهبات، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الهبات. والهبات جمع هبة، وتقدم معنا في الدرس السابق في الكلام على الهدايا أنها بمعنى الهبة، وأن الهبة تبرع بالمال في حال الحياة والصحة. وللهبة شروط، من هذه الشروط أن تكون الهبة من جائز التصرف، وهو المكلف الرشيد، فلا تصح الهبة من مجنون، ولا تصح الهبة كذلك من صغير غير مميز، كما لا تصح الهبة من السفيه. وهكذا من شروط الهبة أن تكون باختياره، فخرج ما كان بغير اختياره كهبة الهازل، فإنها لا تنفذ، وإنما الأعمال بالنيات. وهكذا هبة المكره، فلا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه. ومن شروطها كذلك أن يكون ممن يصح تصرفه في المال، فلا يجوز الهبة من مال لا يملك، أو ما كان في الغيب؛ لأنه تصرف في غير مقدور عليه. وهكذا من الشروط التي ذكرها العلماء أن تكون هذه الهبة منجزة، لا مؤقتة. وسيأتي معنا إن شاء الله في العمر والرقبة أنها من الهبات، فلذلك لم يصح شرط الجاهلية فيها. ألغى الإسلام ما كان فيها من شروط الجاهلية. وهكذا من شروط الهبة أن يحصل القبض للموهوب، وقد نقل المروزي رحمه الله أنه اتفقت كلمة الخلفاء الأربعة بأن الهبات لا تقع إلا مقبوضة؛ لأن ما لم يقع فيه القبض قد يكون ادعاء. يعني مثلاً لو أن إنسانًا قال: أبوكم مات ووهب لي هذا -مثلاً مال معين، حديقة أو نحوها- فيقول: أبوكم مات ووهب لي هذه الحديقة قبل أن يموت، ولم يقبضه إياها، أو وهب لي هذه السيارة ولم يقبضها، فيجوز للورثة أن لا ينفذ ذلك؛ لأنه لم يحصل القبض. والرجوع في الهبة قبل أن يحصل القبض ممكن، فلهذا ولغيره قال العلماء: أنها لا تقع إلا مقبوضة، إغلاقًا لباب المخاصمات والمنازعات، سدًا للخصومة بين الناس، ولغيرها من المفاسد الأخرى. ثم قال رحمه الله تعالى: إن كانت بغير عوض فلها حكم الهدية في جميع ما سلف. ومعنى بغير عوض يعني بغير مقابل. وهي تكون كذلك الهبة، فالهبة تبرع بالمال في حال الحياة والصحة. وأخرج العلماء بهذا التعريف العطية؛ لأن العطية تبرع بالمال، لكن في مرض الموت المخوف. فما كان من تبرع في وقت المرض الذي يخاف منه صاحبه الموت، يسمى هذا عطية في اصطلاح أهل العلم، وحكمه حكم الوصية، لا تنفذ إلا في الثلث وأقل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الثلث والثلث كثير». وقاله: هل لرجل ميت أم لرجل خشي على نفسه الموت؟ الجواب الثاني. وسيأتي إن شاء الله في الكلام على أحكام الوصية. وهكذا قالوا: حال الحياة والصحة، الحياة لإخراج الوصية؛ لأنها تكون بعد الوفاة، والصحة لإخراج العطية؛ لأنها تكون في وقت المرض. فإذا كانت بغير عوض فلها حكم الهدية في جميع ما سلف، يعني يشرع قبولها، ويشرع المكافأة عليها، وتجوز بين المسلم والكافر والعكس، ويحرم الرجوع فيها، وتجب التسوية بين الأولاد فيها، ولا يجوز تفضيل بعض الأولاد على بعض بدون مانع شرعي. فهذه المسائل التي أشار إليها في الباب الذي قبله، فيقال: ها هنا كما قيل ها هناك في تلك المسائل. قال: وإن كانت بعوض فهي بيع ولها حكمه، يعني إذا كانت الهبة بعوض فهو بيع طيب. إذا كان بيع، كيف يمكن تسمى هبة؟ قد تسمى هبة؛ لأن الناس يختلفون في تعابيرهم، أو يجهلون الأحكام الشرعية، فيظن أنها ليست ببيع، ويظن أنها هبة، وهي ليست هبة بل هي بيع. فيكون لها أحكام البيع، مثلاً لو أن إنسانًا قال لآخر: اعطني هذا الكتاب، سأهبك هذا الكتاب على أن تهب لي هذا الكتاب الآخر، هذا ربما يسميه الناس هبة على ظاهر اللفظ، أو بعض الناس يسميه مبادلة، لكنه في الشرع حكمه حكم ماذا؟ حكم البيع؛ لأن الهبة كانت بعوض. ولو لم يكن العوض مال يعني دراهم؛ لأن البيع لا يشترط أن يكون بالدراهم، البيع قد يكون بالدراهم وقد يكون بغير الدراهم. فلهذا قال: وإن كانت بعوض فهي بيع ولها حكمه، أي لها حكم البيع. ومرت معنا في كتاب البيع مسائل كثيرة، فما قيل في البيوع يلحق بالهبة إذا حصل فيها عوض؛ لأنها بمعنى البيع. وقوله: والعمر والرقبة يوجبان الملك للمعمر والمرقب ولعقبه من بعده، لا رجوع فيهما. أصل العمر والرقبة معاملات تعامل بها أهل الجاهلية، فأقر الإسلام أصل هذه المعاملات، لكن بضوابط شرعية، وحرم تلك الشروط والقيود الجاهلية. العمر كان يفعله أهل الجاهلية، يقول أحدهم: تنتفع بهذه عمري، أو عمرك، أو يقول: هذه تنتفع بها، أو أنا أنتفع بها في عمري، ثم تكون للآخر الذي يتأخر موته. فهي إذن صور كثيرة، أحيانًا تكون هبة مرجوع فيها، وهذا حرمه الإسلام. وأحيانًا يكون فيه إضرار بالورثة، معناها كمعنى الوصية، ولا يجوز إلا في الثلث. وأحيانًا يكون فيه معنى من معاني الميسر، يعني كأن هؤلاء يدخلون عقدًا كعقد الميسر، يقول: تعمرني بيتك وأعمرك بيتي، يعني معناه: أنا سأسكن في بيتي في مدة عمري، فمن مات أولاً فبيته للآخر، من مات أولاً فبيته للآخر، هذا نوع ومعنى من معاني العمراء، وهذا كذلك حرمه الإسلام. ولكن أقر الإسلام العمراء بمعاني لا تخالف النصوص الشرعية وعموماتها. وقد أشار إلى بعض هذه الأدلة في الشرح. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العمر ميراث لأهلها» أو قال: «جائزة». ومعنى جائزة أي من حيث الجواز، وكذلك من حيث الإمضاء، أي تمضي. ويدل عليه كذلك ما جاء بالصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله أنه قال: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالعمر لمن وهبت له. ومعنى أنها لا ترجع لمن أعمرها، فهي هبة تخرج ولا ترجع. وفي لفظ لمسلم: «فمن أعمر عمرًا فهي للذي أعمر حيا وميتا». وقوله: ميتا رد على أهل الجاهلية. وقوله: ولعقبه، فهي للذي أعمر حيا وميتا ولعقبه، يعني ولدريته. كذلك رد على أهل الجاهلية الذين كانوا يستثنون استثناءات تخالف هذا المعنى. وذكر في الشرح قال: وفي لفظ لأحمد ومسلم وأبي داود: «إنما العمر التي أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبك». فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها. وهذا اللفظ ظاهره منافي للأحاديث الكثيرة التي وردت في العمر، ولهذا مع تتبع علماء الحديث لهذا اللفظ وجدوا أن هذا المعنى غير صحيح، وهو كذلك من جهة الرواية مدرج، كما أشار المؤلف رحمه الله في الشرح، فهو ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن من كلام أبي سلمة. فإذا كان كذلك فلا يعول عليه، ويعول على الأحاديث الصحيحة الصريحة، ومنها ما سبق. ومنها كذلك ما جاء في حديث ابن عمر: «لا تعمر ولا ترقب، فمن أعمر شيئًا أو أرقبه فهو له حياته ومماته». والحديث صححه العلامة الألباني في الإرواء. وفي الحديث الآخر: «من أعمر عمره فهي لمعمره حياته ومماته، لا ترقب. من أرقب شيئًا فهو سبيل الميراث». وكل هذه الأحاديث تدل على أن من أخرج شيئًا لا يرجع إليه، من أخرج شيئًا فإنه لا يرجع إليه. وبهذا نعرف أن حقيقة العمر في الإسلام ليست هي حقيقة العمر عند أهل الجاهلية، وإنما الذي عند أهل الجاهلية كان لمعاني كثيرة، والكثير منها يخالف الشرع. وأما في الإسلام فهو بمعنى الهبة التي لا يجوز الرجوع فيها. ولهذا قال: والعمر والرقب يوجبان الملك للمعمر والمرقب ولعقبه من بعده، لا رجوع فيهما، أي لا يجوز أن يرجع من أعمر شيئًا أو أرقبه فيما أعمر أو أرقب. ولأجل أن هذا يوجب الإشكال، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، كما في حديث ابن عمر: «لا تعمروا ولا ترقبوا». لماذا؟ لأنه سبب لدخول الإشكال. فإن بعض الناس يظن أن العمر والرقب في الإسلام كالعمر والرقب عند أهل الجاهلية، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنها ليست كذلك، بل من أعمر شيئًا فلا ترجع إليه، ولا ترجع كذلك لورثته، بل ترجع لمن أعطيت له ولذريته من بعده. هذا هو خلاصة ما يذكر في العمر والرقب. ثم ذكر رحمه الله تعالى في ثنايا كلامه عن ذلك قصة في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في أن رجلاً من الأنصار أعطى أمه حديقة من نخل حياتها، فماتت، فجاء إخوته فقالوا: نحن فيه شركاء سواء. يعني نحن شركاء، كأنه في الشرع سواء. قال: فأبى، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقسمها بينهم ميراثًا. والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله، وإن كان في إسناده بعض المدلسين، كما أشار المعلق حبيب نبي ثابت. لكن صححه أولاً؛ لأن أصل الحديث تؤيده عمومات كما تقدم في حكم العمرة والرقبة. وهكذا كذلك ربما بعض الآثار تؤيده. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم هذه الحديقة ميراثًا بين الإخوة. فلو كانت هذه على سنة أهل الجاهلية لكان ردها النبي صلى الله عليه وسلم لمن أعطى هذا الولد هذه الحديقة. وهنا تقع مسائل كثيرة شبيهة بهذا، فينبغي أن يعرف مثل هذا الحكم، ويستفصل في حقيقة ما يقع بين الناس ذلك. فمثلاً بعض الناس يهب شيئًا معينًا، لكنه لا يهبه على وجه التمليك، يهبه على وجه الانتفاع. فهنا يقال: أشهد في هذا. إذا كنت تريد على وجه الانتفاع في الحياة، أشهد في هذا. مثلاً رجل عنده أب، فتح الله عز وجل على هذا الولد، فأعطى لأبيه أشياء كلما طلب الأب شيء أعطاه، لكنه في نيته أنه لم يعطيه على وجه التمليك، وإنما أعطاه على وجه الانتفاع دون التمليك. مثلاً قال: يا ولدي أحتاج هذه السيارة التي معك، قال: خذها يا ولدي. أحتاج هذا البيت الذي تسكن فيه، خرج من البيت، قال: خذه. وكلما رأى مع ولده شيء، قال: أحتاج لهذا. والولد برًا بأبيه لا يقول له: لا. ولكنه في نفسه لا يريد بذلك التمليك، وإنما يريد أن ينتفع الأب فترة حياته بهذا. يقال: الأولى في مثل هذا أن يشهد؛ لأن المال إذا وقع في يد الأب وتصرف فيه تصرف المالك، فإنه يجري فيه مجرى هذه القصة. فإن الرجل أعطى الحديقة لأمه، يعني تصرفت فيها تصرف المالك. والله أعلم بما في نفس هذا الولد. فلما ماتت اختصموا، معناه ادعى الأخ أن الحديقة حديقة، وجاب الإخوة أن الحديقة حديقة الأم، وأنه قد وهبها، إذن هي تركة من ما للأم، فهم شركاء فيها. فهنا يأخذ الأمر على الظاهر. فإذا كان الإنسان لا يريد أن يقع في مثل هذا الحرج، فليشهد. هذا هو الأحوط. أو يشترط على أبيه أن يكتب ورقة: أن ينتفع بها في فترة حياته. وليس هذا من الرقب، ليس هذا من العمر، لكنه من الإعارة. هذا من الإعارة. وهنا يأتي التنبيه على مسألة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك». هذا الحديث الصحيح الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أوجه. فإن الناس فيه طرفان ووسط. فإن من الناس من يجحد هذا الحديث، ويقول: كيف يمكن أن يتسلط الأب على الابن؟ وهذا يوجب الظلم. وهذا وهذا. والإسلام لا يرضى بالظلم. فيفهم القضية خطأ، ثم يجحد الحديث، فلا يعمل بالحديث في شيء. وربما فهم طرف آخر أن الحديث على ظاهره مطلقًا، ومعناه أن يتسلط الأب على أبنائه بحق وبغير حق، خصوصًا إذا كان الأب قليل العلم، وقليل الدين، ربما تسلط على الأبناء، وظلمهم، وأثار الفتن فيما بينهم وبين إخوانهم، وبينهم وبين أهاليهم. وهذا لا يجوز، لا شك. فشريعتنا تنهى عن هذا. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. يعظكم لعلكم تذكرون. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». لكن معنى الحديث: «أنت ومالك لأبيك»، أي لا تمتنع من أن تعطي أباك شيئًا إذا احتاج؛ لأنك وما تملك ثمر من ثمراته، وحسن من حسناته. والأم من باب أولى، والأم من باب أولى. فإذا كان كذلك، فلا يجوز أن يبخل الابن مع والديه، ولا البنت مع والديها، بل يجب أن يمتثل لهذا الحديث، وأن يحسن إلى والديه، ويكرمهما. لكن ليس على حساب الإضرار بشرع نفسه ودينه، ولا كذلك الإضرار بالنفس والغير. فلا ضرر ولا ضرار. ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ليس «أنت ومالك لأبيك» لو قال الأب: هات المال، ويبدأ يفعل الحفلات المنكرات، والأعراس، والأرقاء، والرقص، وغير ذلك. «أنت ومالك لأبيك»، هل معناه تعينه على الإثم والعدوان؟ لا. «وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان». كذلك «أنت ومالك لأبيك»، هل معناه أنك تضر بأولادك وأسرتك، فتظلمهم في مقابل أن تعطي الوالدين ما هو زائد عن الحاجة والضرورة؟ كذلك هذا لا يجوز. لكن إذا تعارضت قضية دفع ضرورة الأبوين، وضرورة الأبناء والزوجة، أيهما يقدم؟ اختلف أهل العلم. اختلف العلماء. ورجح الكثير من أهل العلم أن حق الوالدين مقدم على حق الأبناء والزوجة. وعضد أهل العلم يرى أن حق الزوجة مقدم؛ لأن حق الزوجة أخذ بشرط. وما أخذ بشرط مقدم، كالدين بالنسبة للتركة. ها الدين بالنسبة للتركة مقدم على ماذا؟ على الورثة؛ لأنه حقوق للآخرين. فالشاهد: هذه مسألة أخرى. لكن المقصود ها هنا: لا يجوز طاعة الوالدين فيما فيه معصية لله. ومن معصية الله أن توسع عليهم في المباح في مقابل الإضرار بالأبناء والزوجة. كما لا يجوز أن يكرم الأبناء والزوجة على حساب الإضرار بالوالدين. بل الواجب العدل في هذا المقام. وهكذا على القول الصحيح: لا يجوز للأب أن ينزع المال من أحد الأبناء ويعطيه لابن آخر؛ لأن هذا منافي لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». إذا كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعدل في العطية، فمن باب أولى العدل في الأخذ. يعني إذا أخذ من الأبناء، ينبغي أن يأخذ منهم بالسوية؛ حتى لا يضر بأحد. ممكن أن يراعي الأخذ بحسب حال سعة الولد، مثلاً: ولد غني يأخذ منه كفايته أكثر، وآخر مسكين يأخذ منه كفاية أقل، بحسب الحاجة وبحسب الحال. لكن ليس من العدل الذي أمر الله عز وجل به ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون متجبرًا على أبنائه. خلاص هو أحب مثلاً الولد الصغير، إذن يأخذ من الكبير ويعطي الصغير. حتى ولو كان الصغير غنيًّا، فهذا لا يجوز. «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». لكن لو كان الصغير فقيرًا، وجب على الغني من الإخوة أن ينفق على هذا الفقير شرعًا، وجب شرعًا. فإذا لم يمتثل هذا الولد شرعًا، ماذا؟ فأخذ الأب من مال الغني فأعطى الفقير حاجته ليزفّع ضرورته، لا يجوز. للإبن أن يرفض «أنت ومالك لأبيك». واحد واثنين: أنت أصلا يجب عليك أن تنفق على هذا الولد الفقير. فننتبه لمثل هذه التفاصيل. وبهذا نعرف أن الحديث يفسر تفسيرًا وسطًا بين هذين القولين الذين هما خرجا عن معنى عمومات الشريعة في هذا الباب. وباب العمر والرقبة كذلك إذا كانت في القرابات، فكذلك كهذا. حديث جابر بن عبد الله نكتب بهذا القدر وإلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه السلام.