كتاب الأطعمة 1

كتاب الأطعمة 1

الدرس في كتاب الأطعمة 1، كتاب الأطعمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الأصل في الأشياء الإباحة

يناقش الأصل في الأشياء وهو الحل مستندًا إلى أدلة من القرآن والسنة، ويوضح أن التحريم لا يكون إلا بدليل شرعي واضح. يُبين أن ما سكت عنه الشرع فهو عفو.

تحريم الحيوانات بناءً على قواعد شرعية

يتناول تحريم بعض الحيوانات بناءً على قواعد شرعية مثل تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، مع توضيح العلة في التحريم. يُستثنى من ذلك بعض الحيوانات.

استثناءات في تحريم الحيوانات وتطبيقات الحكم الشرعي

يتناول استثناءات في تحريم بعض الحيوانات مثل الضبع، ويشرح حكم الحمر الإنسية والخيل والبغال بناءً على قواعد شرعية. يُوضح أيضًا تطبيق الحكم الشرعي على حمار الوحش.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: كتاب الأطعمة، قال: الأصل في كل شيء الحل، ولا يحرم إلا ما حرمه الله ورسوله، وما سكتا عنه فهو عفو. فيحرم ما في الكتاب العزيز، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، والحمر الإنسية، والجلالة قبل الاستحالة، والكلاب، والهر، وما كان مستخبثًا، وما عدا ذلك فهو حلال. أورد رحمه الله تعالى في هذا الموضع أحكاما من أحكام الأطعمة، فقال: كتاب الأطعمة، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الأطعمة. والأطعمة جمع طعام، وهو ما يتغذى به الإنسان، فهو المقصود هاهنا، وإن كان يطلق على كل ما يتغذى به. وقوله: الأصل في كل شيء الحل، يريد أن أصل الأشياء الحل. وفي هذا خلاف بين أهل العلم، فمن أهل العلم من أطلق هذا الأصل وأدخل فيه الأطعمة، ومنهم من عكس ذلك. وهذا قول بعض أهل الكلام، فجعل الأصل في الأشياء المنع والحرمة إلا ما دل الحل عليه. وذهب بعضهم إلى التفصيل، فقالوا: الأصل في الأشياء الإباحة والحل لقوله جل وعلا: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ أي تنتفعون به بعموم أنواع الانتفاع. وهكذا كذلك في الأطعمة، وهو يدخل في الأشياء ويدخل في عموم هذه الآية. واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا﴾ فدل على أن الأصل في كل ما في الأرض هو أنه حلال طيب. فـ«مما» أي من الذي في الأرض، وهو من معاني العموم، فالاسم الموصول من مواضع العموم. وقيد بعض أهل العلم هذا العموم بقوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ فجعل الحلال في الأطعمة إنما هو الطيب، وما ليس بطيب فليس بحلال. وعند تأمل هذا القول يجد الناظر فيه أنه لا يعارض ما سبق، فالأصل في الأشياء الحل إلا ما علم أنه ينافي الحل بكونه خبيثًا؛ لأن الشرع حرم الخبيث. فرد بعضهم فقال: ليس هذا كذلك؛ لأن إذا قلنا الذي يحرم هو الخبيث، معناه أن الأصل تأكل من أي شيء ولو كان مجهولا، والشرع لا يأذن لك بذلك، لا يأذن لك أن تأكل من المجهول، ولكن يأمرك أن تأكل مما علم أنه لا يضر. فما علم أنه لا يضر وهو من الطيبات فالأصل فيه الحل. وعلى هذا يكون ها هنا قيد آخر فيما يستثنى من الإباحة، وهو المجهول. فيكون معنى الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ التحذير مما هو مضنة الخبث والضرر، والمجهول هو يتناوله هذا المعنى. وهذا بهذا التفسير والمعنى لا يعارض أصل الإباحة، فالأصل الإباحة، لكن يستثنى من الإباحة الخبيث، ويستثنى من الإباحة ما حرمه الشرع، ويستثنى من الإباحة الضار، ويستثنى من الإباحة كذلك المجهول الذي هو مضنة الضرر لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار». ثم ذكر في الشرح أدلة تدل على معنى ما ذكر، منها قول الله عز وجل: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾ وكما يقولون: الاستثناء معيار العموم. لما قال: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة﴾ إلى آخره، علم أن المحرم الميتة وما ذكر في الآية، وما دون ذلك فكله حلال. واعترض بعض أهل العلم فقال: قد حرمت أشياء غير المذكور في الآية. فقال وأجاب من أجاب من أهل العلم: أن هذا لا ينافي الآية؛ لأن الآية ذكرت الاستثناء، فإذا زيد استثناء فهو يدخل بقوله «إلا». الأصل الحل إلا ما دل الدليل على تحريمه من الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك من أصناف المحرمات التي حرمت، فهو داخل كذلك في الاستثناء، يعني أنه زيد في الاستثناء، لكن لا ينافي ذلك أن الأصل الحل. وهذا هو المقصود، المقصود هو الاستدلال بالآية على أن الأصل في الأشياء الحل إلا ما استثني، سواء في نفس الآية أو في آيات أخرى أو بأحاديث أخر. وأشار كذلك إلى أحاديث بعضها ضعيفة وبعضها صحيحة، فالصحيح ظاهر الدلالة على هذا الأصل، كحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في الصحيحين: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته». ووجه الشاهد فيه دليل أن الأصل في الأشياء الحل، يعني قبل أن يرد التحريم. وهكذا كذلك بحديث أبي هريرة: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» فدل أن ما لم يأتي به أمر ولا نهي فهو على أصل الإباحة. والحديث أصله في الصحيح، في الصحيح البخاري وكذا مسلم. وأما الأحاديث الضعيفة فالكثير منها معناه صحيح، تدل عليه عمومات كثيرة، مثل: «الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله وما سكت عنه فهو عفو» جاء معناه من حديث سلمان ومن حديث أبي ثعلبة رضي الله عنهما، ولكنه لا يصح، وهو حديث ضعيف، لكن معناه صحيح. فالأصل فيما سكت عنه أن الأصل فيه الحل كما تقدم، إلا ما استثنى الدليل مما حرم. وقد تدل الأدلة على أشياء محرمة بعمومات أو أشياء محرمة بأعيانها، وسيأتي معنا الإشارة إلى ذلك. وقوله: ولا يحرم إلا ما حرمه الله ورسوله وما سكتا عنه فهو عفو، لما سبق من الأدلة من أن الأصل في الأشياء الحل إلا ما دل الدليل على تحريمه، سواء دل الدليل على تحريمه بمعنى عام مثل «لا ضرر ولا ضرار» ومثل «يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث»، وهذا ما دل الدليل على معناه بالعموم بالنص. ومنها ما يعلم تحريمه بمعنى آخر من العموم، ليس بالنص على نفس العلة الجامعة لهذا الأصل، ولكن على معنى العلة، مثل قول أهل العلم: ما نهى الشرع عن قتله فهو محرم، وما أمر الشرع بقتله فهو كذلك محرم. ليس هناك قاعدة دل النص الصريح عليها بهذا النص، ليس هناك في الكتاب ولا في السنة أن ما نهى الشرع عنه فهو أو ما حرمه ما أمر الشرع بقتله فهو حرام، أو ما أمر الشرع بقتله فهو كذلك حرام، ليس هناك آية أو حديث يدل على هذا. لكن هناك أدلة استنبط منها العلماء هذا المعنى، إذ وجدوا بالاستقراء أن هذه القاعدة تكاد تكون مضطردة، تكاد تكون مضطردة، ففهموا هذا المعنى فجعلت قاعدة، وستأتي الإشارة إليه إن شاء الله. وهكذا كذلك أشياء حرمت بأعيانها، يعني ذكرت بالإسم، مثل الميتة والخنزير، وهكذا كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وبعضه قد يكون فيه شيء من العموم، مثل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وبعضه يأتي التنصيص عليه بعينه، مثل الخنزير والميتة والحمر الأهلية ونحو ذلك. وأما قوله: وما سكتا عنه فهو عفو، لما تقدم معناه في حديث سلمان وأبي ثعلبة، وهي أحاديث ضعيفة، لكن معناها صحيح، دل الشرع على ما فيها. فالآية مثلا تدل على ذلك: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة﴾ فدل على أن الأصل الحل، وما سكت عنه فهو حلال إلا ما نص الشرع على تحريمه. وهكذا كذلك الأحاديث التي ستأتي وفيها تحريم أشياء، وكما قلنا: الاستثناء معيار العموم، أي كونه يحرم أشياء يدل أنه خلاف الأصل الذي هو الحل. ثم قال رحمه الله تعالى: فيحرم ما في الكتاب العزيز، يعني مما حرمه الله، حرم الله الميتة، حرم الله الخنزير، حرم الله الدم، وكل ذي ناب من السباع. يعني ومما دلت عليه السنة، ومن ذلك كل ذي ناب من السباع. والناب كما بيّنه في الشرح هو السن الذي يلي الأسنان الرباعية، وهذا معروف. فعندك في الواجهة أربعة أسنان، ما بعد هذه الأسنان الأربعة هو الناب. والناب هو أشد هذه الأسنان جميعا، ولذلك يستعين بها السبع في الافتراس. ولهذا قال: وكل ذي ناب من السباع. وفي هذا اللفظ كما قال العلماء إشارة إلى أن ما كان من السباع ليس له ناب، أو ما كان له ناب وليس من السباع، فهو لا يدخل في هذا النص. هناك أشياء لها ناب، ولكنه ليس من السباع، يعني لا يفترس بهذا الناب، مثل ماذا؟ أي شيء له ناب لا يفترس به. بعض الحيوانات البحرية مثلا ما يسمى بفيل البحر أو كلب البحر، تعرفونه له ناب، لكنه لا يفترس به، يدافع عن نفسه به، ولا يفترس به، وهذا حلال؛ لأنه من صيد البحر، ولأن نابه لا يفترس به، فهو على أصل الحل. وهكذا كذلك قس عليه مثله مما هو في البر، إن وجد شيء من الحيوانات له ناب، ولكنه لا يفترس به، فهذا يلحق حكمه بأصل الحل. ولهذا قد يختلف في بعض الأشياء، مثل الفيل، الفيل يختلفون فيه، اختلف به العلماء؛ لأجل الاختلاف في هذا الناب. فمن قائل أن الناب يفترس به، ومن قائل أن الناب لا يفترس به، وإنما يدافع عن نفسه به، ولكن لا يفترس به. فما كان كذلك فهو محل نظر، والخلاف فيه من الخلاف الذي يسع فيه الخلاف؛ لأنه ليس فيه نص صحيح صريح في تحريمه. ولهذا ذهب كثير من أفضل العلم إلى حله؛ لأنه لا يأكل اللحوم، وهو لا يفترس بهذا الناب، فهو على أصل الحل، إلا أن يثبت معنى آخر من معاني التحريم فيلحق؛ لأجل المعنى الآخر، مثلاً كان يكون لحمه ضارًا، إذا ثبت هذا فـ«لا ضرر ولا ضرار». وهكذا كذلك: وكل ذي ناب من السباع، فهل إذا كان من السباع وليس له ناب، معناه أنه يحل؟ قال بعض أهل العلم: لا، وإنما هذا ذكر من باب التعليل، لا من باب التقييد. يعني ليس هذا ذكر على وجه التقييد، وإنما ذكر على وجه التعليل. والغالب أن السباع يكون لها ناب، وإذا لم يكن لها ناب فهي بافتراسها تلحق بالخبائث؛ لكونها من الحيوانات المفترسة، فهي تلحق بالخبائث إلا ما استثناها الدليل. وأشار هنا إلى هذا الحديث: تحريم النبي صلى الله عليه وسلم مهيه عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وقد جاء في الصحيح مسلم من حديث ابن عباس، وهكذا كذلك من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنهما. فحديث أبي ثعلبة في الصحيحين، وحديث ابن عباس في الصحيح مسلم. وجاء معنا عن عدد من الصحابة، أي معنى هذا الحديث موقوفا ومرفوعا عن عدد من الصحابة. فهذا هو الأصل، فكل ذي ناب من السباع فهو حرام، وهكذا كل ذي مخلب من الطير فهو حرام. والمخلب هو بمثابة الظفر، يفترس به الطير، مثل الصقر والشاهين والنسر، وما كان بمعناه من الطيور المفترسة. فكل ذي مخلب من الطير فهو حرام، لا يجوز. وقد لا يكون له مخلب، ولكنه مفترس، يأكل كما يأكل هذا الطائر المفترس، لكنه أضعف. فهل يلحق به أو لا يلحق؟ الصحيح أنه يلحق به؛ لأن هذا ليس ذكر على وجه التقييد، وإنما ذكر على وجه التعليل. فكل ما كان مفترسا من الطير فهو يلحق به، مثل الحدأة. وهكذا كذلك الغراب، وسيأتي أنه يدخل التحريم من باب آخر. لكن ما دام أنه فيه هذا المعنى فهذا معنى آخر يثبت به تحريمه. كما أننا ننتبه أن الأسماء قد تتوافق والأوصاف تختلف. فمثلا الغراب جنس، لكن تحت هذا الجنس أنواع. فيوجد من الغراب ما يأكل اللحوم، فهو يلحق به الطيور المفترسة. ويوجد من الغراب ما لا يأكل اللحوم، وإنما يأكل الحبوب فقط والزرع. فكونه يسمى غرابا لا يدل ذلك على أنه حرام؛ لأن حكم الحرمة كان لعلة، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما. فإذا وجد من الغراب لا يأكله كما يأكل الغراب المعتدي، إنما يأكل الحبوب والزرع، فهذا كغيره من الطيور على أصل الحل. وكما قلنا: هذا هو الأصل، فكل ما يدخل في هذا العموم يلحق هذا الحكم. وبهذا استدل العلماء على تحريم سباع كثيرة، كالأسد والنمر والذئب والثعلب، على القول الصحيح، فهو له ناب ويفترس به. وهكذا كذلك الدب، وحيوانات كثيرة لا تعد ولا تحصى، منها ما عرفها الناس، ومنها ما لم يعرفه الناس إلا في هذا الزمان، لاتصال الناس بعضهم ببعض في هذا العالم الواسع. فكلها يلحق هذا الحكم لعموم هذا المعنى، واجتماع هذه العلة. وهكذا كذلك في الطير، ونقولها هنا: إلا ما استثناها الدليل كما تقدم. ومما استثناها الدليل ها هنا الضبع، فالضبع الأصل أنه من السباع، وله كذلك ناب، ولكن الدليل استثناه، فهو يستثنى باستثناء الدليل له. فقد ثبت في حديث جابر بن عبد الله عند أبي داود والترمذي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الضبع صيدًا، وأنه يفدى بكبش. وجاء في رواية أخرى صحيحة أن جابر بن عبد الله سئل عن الضبع أحلاله؟ قال: نعم. قال له السائل: أقاله النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، سأل أحلاله أو أصيده؟ قال: نعم، قاله النبي عليه الصلاة والسلام. فدل على أن الضبع مما استثناه. وقد ذكر العلماء تعليلات، فمنهم من قال: أن الضبع الأصل فيه أنه يأكل الزرع، ولا يأكل غير الزرع إلا إذا اضطر إلى ذلك. وبعضهم قال: أشياء أخرى. والعبرة بالدليل، ما دام أن الدليل استثناه، فنقول: هذا هو الأصل، فهو حلال. وكونه حلال ليس معناه أنه يجب أن تأكله. بعض الناس يقول: أنا أستقبح رائحته، فضلاً عن أكله. فيقال له: ما أمرك الشرع أمر وجوب أن تأكله، لكن لا تحرمه، لا تقول: هو حرام، وقد حله الله. قل: أنا أكره أكله، أعافه. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الضب. قل: أعاف أكله، لا بأس. لم يتعود أهلي وأهل بلدي، أو ليس هو في أرض قومي، فلا بأس أن لا يأكله الإنسان، أو يكرهه، أو كذلك يكرهه لأهله. أما أن يحرمه فلا، فلا يحرم الإنسان ما أحل الله. ثم قال رحمه الله تعالى: والحمر الإنسية. وقوله: الإنسية؛ لأنه جاء هذا النص في الأحاديث الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وضدها الوحشية، أي الحمر، أي الحمر التي تعيش في البر، وهي خلاف هذه الحمر التي نعرفها. وأشار في الشرح لحديث البراء بن عازف في الصحيحين: نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية. وهكذا كذلك جاء في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل. وأذن في لحوم الخيل. وفي هذا دليل على أن تشابه الأشكال لا يعني تشابه الأحكام. شكل الخيل يشبه شكل الحمار، ومع ذلك حكم الخيل يختلف عن حكم الحمار، أحل الإسلام الخيل، وحرم الحمار، أي الحمار الأهلي. والله عز وجل أعلم بما يصلح لعباده، وما يصلح عباده، فهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، له الحكم البالغة سبحانه وتعالى. والحديث في هذا الباب كثيرة، وأشار إلى بعضها رحمه الله بالشرح. وجمهور أهل العلم كما أشار على تحريم الحمر الأهلية، أي الإنسية. وخالف الجمهور بعض أهل العلم؛ لما روي في بعض الأحاديث من حلها، ولكنه كان في أول الإسلام، وقد نسخ ذلك. ويروى عن عبد الله بن عباس أنه كان يبيحها، ولكنه رجع، فثبت وصح عنه من أوجه كثيرة أنه رجع عن القول بإباحتها، كان يقول بإباحتها ثم رجع. فلعله لم تبلغه الأحاديث التي فيها نسخ الحمر الأهلية، أو بلغه عن بعض الصحابة حلها ممن لم يبلغه النسخ، فالتبس عليه الأمر رضي الله عنه أرضاه. لكن الأصل هو الحل، ثم تبين وخرج عن الأصل بالأدلة الصحيحة الصريحة أنها محرمة. فكون بعض أهل العلم لم يبلغه النص، هذا عذر، لكن لا يجوز بعد بلوغ النص أن يعترض إنسان مثل هذه النصوص الصحيحة الصريحة. فقد تواترت وتتابعت كلمات الأئمة بما معنى أنه لا يعارض ما جاء في الشرع بما ينقض عن الإمام. فهذا الإمام الشافعي رحمه الله يقول: إذا خالف قولي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فارموا بقولي عرض الحائط. ويقول مالك رحمه الله: كل يأخذ من قوله ويرد، إلا صاحب هذا القبر. فإذا بلغت سنة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز للمسلم إلا التسليم لما وردت به السنة. وهنا يأتي سؤال، بعض الناس يقول: ما حكم البغل؟ البغل تعرفونه مولد من الخيل والحمار، فإذا كان الخيل حلال والحمار حرام، أي الوحش الإنساني، فما حكم البغل وهو المتولد من الخيل والحمار؟ الجواب: قد جاء موقوفًا عن جابر بن عبد الله عند عبد الرزاق وغيره، أنه قال: كنا نأكل لحوم الخيل، فقالوا له: والبغال؟ قال: لا. وهذا من الموقوف الذي له حكم الرفع، من الموقوف الذي له حكم الرفع، فيدل أن البغال محرمة. واستدل العلماء بهذا قاعدة: أن ما تولد من حلال وحرام فهو حرام. ما تولد من حلال وحرام فهو حرام. فلو مثلاً تولد من الحمار الوحشي والحمار الإنسي حمار، فما حكم هذا الحمار؟ هل الحل من الحرمة؟ الجواب على هذه القاعدة: ماذا؟ الحرمة. الجواب على هذه القاعدة: الحرمة. وهكذا قس في كل ما يكون بهذا المعنى، فإنه يكون هذا حكمه. وهنا تنبيه في مسألة الحمار الوحشي، فقد اختلف أهل العلم ما هو الحمار الوحشي؟ فمنهم من قال: هو هذا الحمار المخطط الذي يعيش في البر. ومنهم من قال: ليس هذا المقصود، بل المقصود به ما يشبه الحمار مما يسميه بعض الناس المهاء، وهو يعيش في الصحراء كثيرًا، وموجود في جزيرة العرب، كان بكثرة. ويعرف الكثير من الأجداد ممن يعيش في الصحراء، ويوجد إلى الآن في بعض هذه الصحراء الواسعة في الربع الخالي منها عددًا، وله محميات إلى يومنا هذا. والصحيح في هذا أنه يشمل الحكم هذا وهذا، سواء قلنا أن المهى يدخل في معنى حمار الوحش أو لم نقل، فكله يدخل في معنى الحل، فلا إشكال في هذا. ونقف عند هذا لانتهاء الوقت، والله تعالى أعلم.