كتاب الأطعمة  3

كتاب الأطعمة 3

الدرس في كتاب الأطعمة 3، كتاب الأطعمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم بعض الحيوانات وتأصيل معنى الخبث

يتناول هذا الفصل تحريم بعض الحيوانات مثل الكلاب والهر والحيوانات التي تتغذى على الخبائث، مع توضيح معنى الخبث في الشرع وتأثيره على التحريم. يُبين أن التحريم يرتبط بالخبث المتأصل في الشيء.

تفاصيل حول الخبث والتحريم في الشرع

يتناول هذا الفصل تفصيل معنى الخبث في الشرع وتأثيره على تحريم الأفعال والأشياء، موضحًا أن الخبث يأتي على معنيين: متأصل وغير متأصل. كما يُبين أن التحليل والتحريم ليسا بحسب الأهواء بل بمقتضى الشرع.

أحكام صيد البحر وطعامه مع بيان الاستثناءات

يتناول هذا الفصل أحكام صيد البحر وطعامه، مبينًا أن الأصل فيها الحل إلا ما دل الشرع على تحريمه لخبثه أو ضرره. يُذكر فيه أمثلة على ما يحرم من صيد البحر مثل التمساح والضفدع.

ختام بالصلاة على النبي وآله

يختتم الفصل بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مؤكدًا على أهمية الصلاة على النبي في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: قال والكلاب والهر وما كان مستخبثا، أي: كذلك من المحرمات الكلاب. وأشار بالشرح رحمه الله تعالى إلى أن دليل التحريم كونه خبيثا، ولأنه يدخل من ذوات الأنياب من السبع. وقد اختلف أهل العلم في سبب تحريم الكلب بعد اتفاقهم على تحريمه، اتفقوا على التحريم ولكن اختلفوا في سبب هذا التحريم. فمنهم من جعل سبب التحريم كونه من السباع، وأبى ذلك بعض أهل العلم حتى قال: ليس هو من السباع، إذ لو كان من السباع لم يكن مستألفا عند الإنسان. كما أنه ليس من بهيمة الأنعام أو من البهائم، لأن البهيمة كل ما مشى على أربع من حيوان البر والبحر، وبهيمة الأنعام أخص من البهائم، فبهيمة الأنعام ما مشى على الأربع مما يستألفه الإنسان، الإبل والبقر والغنم خاصة. فالشاهد نازع بعضهم بهذا المعنى الذي ذكره المؤلف رحمه الله، وذهب بعضهم إلى أن ذلك لأجل خبثه، وخبثه علما بما جاء بالصحيحين من حديث أبي هريرة وغيره في كون سؤر الكلب وما أصاب الإناء إذا لعق يغسل سبعا، أحداهن بالتراب. وقالوا: هذا لخبثه، فإذا كان كذلك فيحرم. وذهب بعضهم إلى أن سبب التحريم هو لأجل الأمر بقتله في أول الأمر، ثم النهي عن قتله. ومر معنا أن بعضهم ذكر من قواعد التحريم في هذا الموضع كون الشيء مأمورا بقتله أو منهي عن قتله. والحاصل أنه بعد اتفاق أهل العلم على تحريم الكلب، فالأمر واسع في سبب التحريم. ومن تأمل هذه الأسباب التي ذكرت وجد أن كل واحد منها له وجه، سواء تطابق ذاك أو لم ينطبق. فبمجموعة هذه الأسباب اتفق أهل العلم على تحريم الكلاب. وبه نعرف خطأ ما يروى عن بعض المالكية وينسب للإمام مالك في تحليل الكلاب، وأنه ليس بصواب، وهو خطأ. والصحيح أن الكلاب محرمة. وأعظم من ذلك أن يتلاعب بعض المعاصرين بمثل هذه الأحكام الشرعية، بمكظ العقل، كما زعم بعض العقلانيين المعاصرين أنه يجوز للمسلم إذا ذهب إلى بلاد الكفار وهم يأكلون الكلاب أن يجيز لهم أكل الكلاب بحجة أن لا ينفرهم عن الإسلام. وهل هذا مما أذن بمثله الشرع؟ وقد قال العلماء: من تتبع الرخص تزندق. لو كان كل إنسان يذهب فيؤلف الناس بالهوى والعاطفة، أخرجهم من الدين من حيث لا يشعر. فما أكثر الخلاف الموجود في أوساط المسلمين؟ وهل كل خلاف يجوز التوسع فيه؟ أم بعضه يصل والعياذ بالله إلى الكفر؟ يوجد في المسلمين من ذهب تلك المذاهب الباطنية والأقوال الكفرية والمعتقدات الشركية. فهل معنى ذلك أن يسكت عما قد يجده المسلم في بعض حدثاء العهد بالإسلام من الشرك بحجة أنه يوجد مثله في المسلمين؟ وهذا هو الواقع أن بعض دعاة مسايرة الواقع وبعض العقلانيين جرى واضطرد في هذا الأصل حتى صار يتوسع فيه توسعا عظيما، فلم يفرق بين مسلم ومشرك. قال رحمه الله: والهر، أي: ومما يحرم كذلك الهر. وأشار في الشرح إلى حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الهر وأكل ثمنها، وهو حديث ضعيف كما أشار رحمه الله في الشرح، ففي إسناده عمر بن يزيد الصنعاني ضعيف. وقد ضعفه غير واحد من أهل العلم، لكن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع ثمن السنور، وهو في صحيح مسلم وغيره. وأنه عن ثمنه يدل على معنى من معاني الخبث في تجارته، وكذلك لأن له ناب ويأكل الخبائث. فهذه المعاني كلها جعلت أهل العلم يحرمون الهر، ثلاثة معاني: كونه له ناب يفترس به افتراسا بقدر حجمه، وكونه يأكل الخبائث، وكونه فيه معنى الاستخباث كذلك. فلأجل هذا ولغيره حرم العلماء الهر، فلا يجوز أكلها كذلك. وقد حرم بالإجماع، نقل بعض أهل العلم الإجماع في تحريمه. وقد نقل خلاف فيه، لكن خلاف شاذ، فيكون الأولى أن يقال فيه اتفاق أهل العلم، أي: قول الأكثرين الذي يكاد أن يصل إلى الإجماع. ثم قال رحمه الله: وكل مستخبث حرام. واستدل بالشرح بقول الله عز وجل: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، أي: في وصف نبينا عليه الصلاة والسلام. وذكر أحاديث فيها ضعف في تحريم الرخمة. والرخمة يعرف الكثير منا حجمها، يقرب من النسر، وله شكل يشبه النسر، ولكنه أبيض وفيه شيء من الحمرة، يتغذى على القاذورات والجيف. فهذا النوع من الطير يتغذى على الخبائث، روي فيه حديث لكنه لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولا يعني ذلك أنه حلال، لأن معنى الخبث ثابت فيه، فهو يأكل الخبائث. وقد قال الله عز وجل في وصف نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، وهذا من الخبائث. وكل ما كان بمعناه مما يأكل الخبيث فهو خبيث. وقد تقدم معنى في حديث الجلالة أنه إذا حرمت الجلالة وأصلها حلال لأجل أكلها للخبيث، فما هو الحكم فيما يتغذى أصلا على الخبيث؟ فهذا من باب أولى أن يحرم. إذا كان الحلال الطيب إذا أكل الخبيث ولو قليلا أو أحيانا يحرم حتى يطيب لحمه بزوال أثر الخبث فيه، فكيف من أصله يعيش بين الخبيث ويأكل الخبيث؟ فهذا من باب أولى وأحرى أن يحرم، وهذا هو الصواب. ولهذا كما قلنا ألحق العلماء بهذا أشياء كثيرة، كالثعابين التي تأكل الخبائث، وهكذا بعض الديدان والطيور التي تتغذى على الخبائث والقاذورات. فمثل هذا يحرم أكله. وينبغي أن نعلم هنا أن الخبث في الشرع يأتي على معنيين: خبث متأصل، وهذا الذي يقتضي التحريم، وخبث غير متأصل، وإنما المراد به الاستقذار والاستقباح لمعنى الخبث المعنوي. فهذا الثاني ليس بحرام. ومنه كسب الحجام، خبيث سماه الشرع خبيثا، ومع ذلك دفع النبي صلى الله عليه وسلم للحجام أجرة. فلو كان حراما لم يدفع له أجرة. ولا يصح أن نستدل بهذا الحديث على أن ما سمي في الشرع خبيثا فليس بحرام. فقد قال ذلك بعض الناس، وزعم أنه ليس كل خبيث حرام، وهذا ليس بالصحيح. صحيح ليس كل خبيث حرام على هذا التفصيل، إذا كان الخبث معنويا، فنعم ليس بحرام، لا يلزم أن يكون حراما، قد يكون حراما وقد لا يكون حراما. أما إذا كان الخبث ليس معنويا، فهذا أصل في التحريم، فعمومات الأدلة تؤكد وتدل على هذا الأصل. ثم ننتبه هنا لأمر قد سبق التنبيه عليه، أن معنى الخبث ليس هو بالهوى والعاطفة ولا بالشهوات، ولكن بمقتضى ما علم من الشرع. فالناس تفاوتوا في وصف وتسمية الخبيث، فقد يوصف بالخبث ما ليس بخبيث. فكون الإنسان لا يحب الشيء ولا يرغب به لا يعني ذلك أنه خبيث. وقد روى فيما يدل على هذا المعنى الإمام البيهقي رحمه الله في سننه بإسناد صحيح عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقدرا، فبعث الله تعالى نبيه عليه السلام وأنزل كتابه، فأحل حلاله وحرم حرامه. فما أحل فهو الحلال، وما حرم فهو الحرام، وما سكت عنه فهو عفو. وهذا حديث موقوف له حكم الرفع. وجاءت أحاديث بهذا المعنى فيها ضعف، وهي معناها صحيح. فهذا يدل أن التحليل والتحريم والاستخباث ليس هو بحسب الأهواء. ولهذا نص بعض أهل العلم في هذا الباب في كتاب الأطعمة أن التحليل والتحريم والاستخباث وعدمه ليس بعرف الأعراب، ولكن هو بمقتضى الشرع وما علم كذلك عند أهل العلم. لأن الأعراب ليسوا ميزانا ومعيارا يعرف بعرفهم الحلال من الحرام، ولكن ذلك يرجع إلى أهل العلم. فأهل العلم هم الذين يميزون معنى الخبث الذي يصلح أن يدخل في التحريم، ومعنى الخبث الذي لا يصلح أن يدخل في التحريم. وهنا قد يحصل الخلاف بين أهل العلم في بعض المسائل. وما حصل فيه الخلاف فالقول فيه بمقتضى قوة الدليل من جهة صحته ومن. فمثلا مر معنا معنى القنفد، وقد أشار إلى ذلك في الشرح، روي فيه حديث أنه خبيث من الخبائث، ولكنه لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهل إذا لم يصح الحديث يعني أن القنفد حلال؟ وهل كذلك إذا صح الحديث معناه أن القنفد حرام؟ أما الثاني فنعم، إذا صح الحديث فهو حرام. لكن ننتبه كما تقدم في الغراب، لا يلزم ذلك أن كل ما سمي قنفذا فهو حرام، لأننا ننظر ما هو السبب في تحريمه، كونه خبيثا، طيبا، ما سبب خبثه؟ كونه يأكل الخبائث. فإذا كان هناك نوع من القنفد لا يأكل الخبائث، فهل هو حرام حتى لو صح الحديث؟ الجواب: لا. لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. فإذا لم يصح الحديث فمن باب أولى التفصيل. ومن الخطأ كذلك أن نلغي حكم المسألة بضعف الحديث، لأن الحكم قد يثبت بغير الحديث بعمومات أخرى. فتقدم معنى أن معنى الخبث سبب من أسباب التحريم. فلذلك كان الصحيح التفصيل في القنفد. فما كان من القنافد يأكل الخبائث فهو حرام، وما كان من القنافد لا يأكل الخبائث، كما تقدم معنى منه النيص، وهو الذي قلنا: يأتي بحجم الأرنب الكبير أو أكبر قليلا، ويتغذى على الأشجار، وله شوك كبير فوق الشبر، من الشبر إلى الذراع، يضرب به أحيانا إذا خاف. فهذا النوع اختلف به العلماء، والصحيح أنه حلال، لأنه ليس بخبيث ولا يأكل الخبائث. وبهذا نعرف أن المسألة تحتاج إلى شيء من التأني في الأحكام، وتتبع كلام أهل العلم بمقتضى ما استدل به. ثم أشار رحمه الله تعالى في الشرح إلى أن بعض أهل العلم ذكر قاعدة في أن ما أمر الشرع بقتله فهو حرام، وما نهي عن قتله فهو حرام. وأشار رحمه الله في الشرح إلى أن هذا ليس له أصل في الشرع، ولا يلزم منه لازم عقلي ولا عرفي. وهذا الذي قاله رحمه الله خلاف الصواب. وقد تقدم أن أهل العلم ذكروا هذا لأنه لا يتوصل إلى ذلك إلا بمخالفة الشرع. فما نهي عن قتله إذا كنت تريد أن تأكله، كيف ستأكله وأنت منهي عن قتله؟ إذن ستقتله، فهو إذن يحرم. وهكذا كذلك ما أمر بقتله لم يؤمر بقتله إلا لخبثه، فكذلك لا يحل. وهذا هو الصحيح. ويؤكد ذلك أن يقال: هل يمكن أن يوجد شيء أمر الشرع بقتله أو نهى الشرع عن قتله وهو مع ذلك حلال؟ هل يوجد؟ الجواب: لا، لا يوجد. لا يعرف هذا حتى هذه المذكورات، المؤلف نفسه رحمه الله يحرمها. فإذا كان كذلك، فإذن هذه القاعدة صحيحة. وقد مر معنا أن أصول المحرمات في هذا الباب تدخل تحت قواعد دلت عليها الشريعة. نعيدها على وجه الإجمال: أولها ما نص الشرع على تحريمه بالتنصيص والتعيين، كالخنزير والحمار الأهلي ونحوهما. الثاني ما ذكر تحريمه بالوصف، فكل ما دخل في معنى ذاك الوصف هو حرام، كتحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. الثالث ما أمر بقتله لفسقه ولخبثه، مثل ما تقدم معنا الفواسق الخمس، وما كان بمعناها. الرابع ما نهي عن قتله، كذلك هو أنواع. وهذا الذي نهي عن قتله كذلك لهذا النهي حكم. فمنه ما هو لأجل منفعته، ومنه ما هو لأجل كذلك مضرته، ومنه ما هو لأجل شرفه أو خبثه. فالنحلة مثلا فيها منافع، والصرد فيه مضار، لأنه قيل: إنه طائر شرس، يعني هجومي، قد يفقع عينا، وقد يضر على صغر حجمه، وله منقار شديد، ويتغذى على اللحوم. فمعنى الخبث فيه، ومعنى الضرر والفسق فيه. فالشاهد ما نهي عن قتله كذلك يدخل في معنى التحريم على الصحيح. والخامس كل ما كان فيه معنى الخبث الدائم، كالنسر والرخمة، أو المؤقت كالجلالة. والسادس ما تولد من حلال وحرام، مثل البغل، فهو كذلك حرام. والسابع ما كان ضارا، فيشمل ذلك الثعابين ونحوها مما اجتمعت على السموم. وهكذا كذلك من الأطعمة الأخرى كل ما كان فيه معنى المسكر والمخدر. والسابع ما تخلف فيه شرط من شروط التذكية، وسيأتي معنا ذلك. ومنه الميتة، فالميتة لا تحل لأنها لا تأكل إلا بتذكية، وتخلف فيها شرط التذكية، فهي محرمة. وسيأتي معنا في شروط التذكية. ونعرف به أصناف كثيرة تحرم تدخل في هذا الأصل. فبهذا نعرف أن الشرع دل بالتنصيص وبعمومات على أشياء كثيرة تحرم. وما سوى ذلك فالأصل فيه الحل ما دام طيبا. وأما ما لم يكن طيبا فلا. وهكذا صيد البحر، وهكذا طعام البحر، بل صيده وطعامه. قال الله عز وجل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله فيما نقله عن عمر بن الخطاب: أن صيده ما صيد، وطعامه ما رم به البحر. وروي عن ابن عباس معلقا عند الإمام البخاري، ووصله ابن جرير في تفسيره، أن ما طعامه هو ميتته، ما رم به البحر من ميتته. وهذا من التفسير ببعض المعنى، وإلا فطعامه يشمل الميتة، ويشمل النبات، ويشمل أشياء كثيرة أخرى. فالأصل في صيد البحر كذلك وطعام البحر الحل، إلا ما دل معنى من معاني التحريم على تحريمه. مثل أن يكون فيه أحد هذه الأصول التي دلت الشريعة عليها بعموماتها، وهي سبعة كما تقدم معنى. فمثلا إذا وجد فيها ما فيه معنى الخبث، كالذي يأكل القاذورات، وهذا موجود. يوجد نوع من الأسماك يتغذى على رجيع الإنسان والحيوان، خصوصا في هذا الزمان مع رمي وللأسف رجيع الناس إلى البحر مباشرة. فصارت أنواع من الأسماك تتغذى على هذه النجاسات، وهي معروفة عند بعض الصيادين، يعرفونها بل يعرفها أهل المعرفة والخبرة بطعمها ممن لم يعرف أجناسها. فمثل هذا النوع من السمك ما دام أنه يتغذى على النجس، وظهر أثر النجاسة على لحمه ورائحته وطعمه، فهذا لا يجوز أكله. ولو كان من سمك البحر، ما هو الدليل؟ الدليل كون صيد البر الحلال الطيب حرم إذا أكل الخبيث، فهذا من باب أولى. إذا كانت الدجاجة تحرم لأجل أكلها للنجاسات، فكذلك السمك لا فرق. إذا ظهر أثر النجاسة على هذا النوع من السمك. وكما ذكرت لكم أنه توجد أسماك معينة يعرفها بعض الصيادين، خصوصا في المدن التي ترمى فيها النجاسات في البحار، تتغذى تلك الأسماك على هذه النجاسات، ويظهر أثر النجاسة في لحمها وطعمها ورائحتها. فمثل هذه لا يجوز أكلها لأنها خبائث. وهكذا كذلك بعض الأسماك الضارة التي عرف أهل الخبرة أنها ضارة، سامة فيها سموم. فمثل هذه كذلك تحرم حتى لا يقول قائل: كل سمك البحر حلال، لا، ما استثناها الدليل فهو حرام، وما لم يستثنه الدليل فالأصل هو الحل. وهكذا كذلك لو وجد في سمك أو في بعض حيوان البحر ما ينزل إلى البر ويكون له ناب يفترس به، فهذا على الصحيح حرام، مثل التمساح. وقد اختلف أهل العلم في التمساح، والصحيح أن التمساح حرام، لأنه ينزل إلى البر، فيكون له حكم سباع البر. ليس سباع البحر، سباع البحر الأصل فيها الحل، مثل سمك القرش وغيره. وأما سباع البر ما ينزل إلى البر فلا فرق بينه وبين سباع البر، الصحيح أنه يلحق حكمه به. وذلك لأن هذه السباع كما ذكر العلماء حرمت لأجل خبثها بتوحشها وأكلها بالافتراس، وفيها مضار كثيرة مع خبثها. فكذلك التمساح، فهو أخبث وأشد، بل بعض التماسيح تأكل الإنسان، خصوصا الكبير منها. وهذا لا شك أنه يلحق بالسباع. والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وهكذا كذلك مما يستثنى من البحر ما دل الشرع كذلك على استثنائه بأحد الأصول المتقدمة. مثل ما نهي عن قتله، مثل الضفدع. الضفدع من صيد البحر، أليس كذلك؟ هو يعيش في البحر. لا، ليس المراد بالبحر البحر المالح، ولكن البحر أعم من المالح، فهو يشمل المالح والحلو، الأنهار والبحار والبحيرات، وهكذا البحار. والضفدع تعيش في المياه الحلوة، فهي من حيوانات البحر. ومع ذلك هي حرام، لماذا؟ حرام لأن الشرع نهى عن قتلها. وما نهي عن قتله حرام، ما أكله. وهذا مما يستثنى كذلك من صيد البحر. وعلى هذا نعلم أن من أطلق بأن كل ما في البحر حلال، كان إطلاقه فيه نظر. والصحيح التقييد بما دلت عليه القيود الشرعية في هذا الباب. ومما ينبه عليه ها هنا كذلك التفريق بين ما تولد من طيب فهو طيب، وما تولد من خبيث فهو خبيث. فقد يتولد بعض الدود من الطيبات، ويشق إزالته، فالمشقة تجلب التيسير. وقد نص العلماء على التسامح في ذلك، مثل دود الحب والدقيق، ودود التمر، وما كان بمعناه. فهذا يعفى عنه، ويشق على الناس إزالته. فكونه يؤكل مع الحرص على إبعاده هذا لا يضر. كما أن ما تولد من الخبيث فهو خبيث فيحرم. ونفرق بين هذا. ومر معنا في القواعد: يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. لو قال قائل: هل يجوز لي أن أجمع دود التمر أو دود الدقيق فآكله؟ يقال له: لا، لأن هذا خبيث وليس بنافع، وقد يكون ضارا. وأنت أمرت بأكل الطيبات. لكن إذا كان تبعا للتمر وتبعا للدقيق فيعفى عنه. فالمشقة تجلب التيسير. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.