كتاب المفلس  1

كتاب المفلس 1

الدرس في كتاب المفلس 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام المفلس وتصرفات الدائنين

يناقش أحكام المفلس وما يترتب على إفلاسه من تصرفات قانونية وشرعية، وتوزيع ماله بين الغرماء بالعدل. يتم استثناء بعض الضروريات مثل المسكن وستر العورة.

توزيع مال المفلس بين الدائنين وحدود الحجز

يتم تقسيم مال المفلس بالعدل بين الدائنين إذا لم يكفي لسداد جميع الديون، مع شرح حكم حبس المفلس وشروطه. كما يتم توضيح كيفية التصرف في ماله بعد الإفلاس.

معنى السفه والحجر على السفيه والمبذر وأثره على التصرفات المالية

يشرح معنى السفه وأحكام الحجر على السفيه والمبذر، ويبين دور ولي اليتيم في إدارة مال اليتيم بالمعروف. كما يشير إلى أهلية التصرف في الخصومات ودور الحاكم في حلها.

أهلية التصرف في الخصومات ودور الحاكم

يُشترط فيمن يتصرف في الخصومات أن يكون أهلًا لذلك، وعند الاختلاف يحل الحاكم هذه الخصومات، مما يضمن العدالة في توزيع المال والتصرفات.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب المفلس. قال: يجوز لأهل الدين أن يأخذوا جميعًا ما يجدونه معه، أي من المفلس، إلا ما كان لا يستغنى عنه، وهو المنزل، وستر العورة، وما يقيه البرد، ويسد رمقه، ومن يعول. ومن وجد ماله عنده بعينه فهو أحق به. وإذا نقص مال المفلس عن الوفاء بجميع دينه، كان الموجود أسوة الغرماء. وإذا تبين إفلاسه، فلا يجوز حبسه. ولي الواجد ظلم يحل عرضه أو عرضه وعقوبته. ويجوز للحاكم أن يحجره عن التصرف في ماله، ويبيعه لقضاء دينه. وكذا يجوز له الحجر على المبذر، ومن لا يحسن التصرف، ولا يمكن اليتيم من التصرف في ماله حتى يؤنس منه الرشد. ويجوز لوليه أن يأكل من ماله بالمعروف. هذه مجموعة من المسائل تتعلق بمعنى الإفلاس وما يلحق بها. ويقال في هذا الكتاب، وما فيه من مسائل، كما قيل فيما قبله: أن الأولى أن يذكر هذا في كتاب البيع. قوله: كتاب المفلس، أي هذا مكتوب يتعلق في معنى أو في أحكام المفلس. والمقصود بالمفلس في اللغة، وهو كذلك في العرف والشرع: من لا متاع له ولا دينار، إذ المقصود الإفلاس الحسي. وأما الإفلاس المعنوي، والذي ينبغي أن يحذر منه، وهو الأعظم: إفلاس المسلم عن الحسنات. وهذا الذي جاءت به الأدلة الشرعية التي تحث أهل الإسلام أن لا يكون من هؤلاء. وإن كان كلا الأمرين مطلوب من المسلم أن يجتنبه، لكن الثاني هو أعظم. ونسأل الله عز وجل أن لا يجعلنا من المفلسين. قوله: يجوز لأهل الدين أن يأخذوا جميع ما يجدون معه، سيأتي إن شاء الله ذكر ذلك فيما ذكره في الشرح. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء عند الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أنه قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها -يعني اشترى ثمار- ثم تلفت، وكان بدين. قال: فكثر دينه -يعني هذا وربما شيء كان قبله- قال: فقال: تصدق عليه -أي النبي عليه الصلاة والسلام- فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. الصدقة كانت قليلة بالنسبة لكثرة الدين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» -يعني من المال الموجود- وبه يُعلم ما استثناه المؤلف رحمه الله في قوله: إلا ما كان لا يستغنى عنه، وهو المنزل، وستر العورة، وما يقيه البرد إلى آخره. لماذا؟ لأنه لم يبع بيته عليه الصلاة والسلام، وهكذا كذلك لم يطلب منه ترك ما يلبسه من ثياب، ولا كذلك ما مع أهله من ثياب. ولهذا قال العلماء: يستثنى من ذلك ما لا يستغنى عنه المسلم مما هو من ضروريات أمره: مسكن، ملبس، وكذلك حتى مركب -مركوبه الذي لا غنى له عنه- كذلك يدخل في هذا المعنى. وقد أفتى غير واحد من أهل العلم من مشايخنا المعاصرين بنحو هذه الفتوى. وأشار بالشرح إلى قصة نحوها رواية عن معاذ رضي الله عنه، ولكن الصحيح أنها لم تصح. فقد رويت في هذه الطريق الموصولة بإسناد لا يصح. فمدارها على إبراهيم بن معاوية بن الفرات الخزاعي، ويقال: الساجي، وقد تفرد بها. وقد نص العلماء أنه ممن لا يقبل تفردهم. ولهذا رجح الحفاظ أن الصحيح في هذا الأثر المروي عن معاذ الإرسال. والمرسل من قسم الضعيف. فيغني الحديث الأول -الحديث بسعيد- عن هذا المعنى. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «وليس لكم إلا ذلك» معنى أنهم إذا لم يجدوا فعليهم بالصبر. وقد قال الله عز وجل: ﴿فَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. هذا هو الواجب. والمسلم إذا احتسب صبره على المعسر كان سببًا لأجر عظيم. فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي اليسر رضي الله عنه، وجاء معنا عند أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أنظر معسرًا، ووضع عنه، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». ومر معنا كيف أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يوضع عن صاحب الدين. وكفى بمثل هذا الفضل فضلًا وأجرًا. و صح عنه عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد والحاكم بإسناد صحيح من حديث بريدة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أنظر معسرًا، فله بكل يوم مثله صدقة» -يعني إذا كان أنظره في ألف، فله بكل يوم صدقة ألف- قال: قبل أن يحل -يعني الأجل- فإذا حل الدين فأنظره لأنه معسر، جاء وقت السداد فأنظره. قال: فله بكل يوم مثله صدقة. فإذا كان الدين ألفًا، صار كم له في كل يوم أجر صدقة ألفين. وهذا فضل عظيم. ولهذا كان الكثير من السلف يتاجر مع الله عز وجل بإسلاف وإقراض أهل الفاقة، ويصبرون في السداد. وهذه متاجرتهم مع الله: تارة بالصدقة، وتارة بالإسلاف وهكذا. و صح في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يسر على معسر، يسر الله له في الدنيا أو عليه في الدنيا والآخرة». فينبغي للمسلم أن يسر على المعسرين، وأن ينظرهم. والأحاديث المروية في هذا الباب كثيرة. قال رحمه الله: ومن وجد ما له عنده بعينه -أي عند المفلس- فهو أحق به. وأشار في الشرح إلى دليل هذه المسألة. وأصح ما روي في هذا حديث أبي هريرة، ما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: من أدرك ما له بعينه عند رجل أفلس، أو إنسان قد أفلس، فهو أحق به من غيره. وفي لفظ لمسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وجد عنده المتاع، ولم يفرقه، أنه لصاحبه الذي باعه». وجاء في لفظ: «أيما رجل أفلس، فوجد رجل عنده ماله، ولم يكن اقتضى من ماله شيئًا، فهو له». وأشار إلى ألفاظ أخرى، وكلها تدور حول هذا المعنى. ولكن من تأمل هذه الألفاظ، ووقف على كلام أهل العلم، وجد أنها ألفاظ تتضمن دقائق ومسائل علمية لا يدركها الكثير من الناس. ولكن نبه عليها العلماء في كتبهم. ولهذا قالوا: خرج بألفاظ هذه الأحاديث ورواياتها مسائل. أولها: أن يكون هذا الذي وجد المال وجده والمفلس حيًا. فهذه الألفاظ كلها تدل على حياة المفلس. لأنه لو كان ميتًا، صار هذا المال الموجود لمن للورثة، صار للورثة، فانتقل الملك، فليس له حق أن يأخذه. ولهذا جاء في لفظ ما سيأتي إن شاء الله ما يدل على ذلك. والاستثناء الثاني: استثنى العلماء بما جاءت به الألفاظ ألا يكون من له الحق قد قبض بعض حقه. لأنه لو قبض بعض حقه، لم يستحق أن يأخذ ما هو له بعينه. ودليل هذا الاستثناء، والذي قبله: ما جاء في الحديث الذي أشار إليه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه، فهو أحق به». وتأمل قوله: «ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا» معناه: إذا قبض، لم يصح أن يأخذ ويستحق هذا المتاع، ولو كان هو له. قال: «فوجد متاعه بعينه، فهو أحق به». وإن مات المشتري، فصاحب المتاع أسوة الغرماء. والحديث وإن كان روي هنا مرسلًا، لكنه جاء من حديث أبي هريرة موصولًا، وله طرق يشد بعضها بعضًا يرتقي بها إلى الحسن. فهو حديث حسن بمجموع طرقه. وقد أشار الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء إلى معنى ذلك. وإن كان في بعض كتبه ضعف بعض ألفاظه، فإذا استثنى من هذا المعنى هذين الأمرين، وأمر ثالث استثناه العلماء: وهو إذا كان هذا المال لم يجده بعينه تغير. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وجد ماله بعينه». وفي لفظ: «متاعه». مثاله: رجل اشترى من إنسان غزلًا -الغزل لمن للبائع- اشتراه هذا الإنسان. فيلزم المشتري أن يعطي للبائع ماذا؟ قيمة هذا الغزل. لكنه لم يعطيه، أخذه بالدين. فأفلس، وجاء وقت السداد، ولم يستطع أن يسدد. فصار هناك أناس كثر يطالبون هذا الرجل بديونهم. فوجد ما عنده من مال. فإذا الرجل ليس عنده غزل، لكن حول هذا الغزل إلى ثياب: قمص، أو معاوز، أو أي شيء آخر. فهنا الغزل يقر البائع والمشتري أنه غزل هذا الرجل، لكنه اليوم ليس هو غزل، اليوم صار ماذا؟ توبًا. فهنا لم يجده بعينه. فإذا هو أسوة الغرماء. يباع الموجود كله، ويعطون بالنسبة بحسب ديونهم. يعطون بالنسبة بحسب ديونهم. فإن كانت نسبتهم خمسين، على عشرين، على ثلاثين. وكان مثلًا -يعني- خمسين مثلًا. الرجل له خمسون ألفًا، وآخر له عشرون ألفًا، وثالث له ثلاثون ألفًا. فالذي له الخمسون، كان المبلغ الموجود مثلًا عشرة آلاف. فهنا ينظر كم نسبة هؤلاء الثلاثة. هذا النصف -خمسون في المئة- وهذا عشرون في المئة، وهذا ثلاثون في المئة. الموجود عشرة آلاف. إذن صاحب خمسين في المئة له كم؟ خمسة آلاف. وصاحب العشرين في المئة له كم؟ يعطى ألفين. وصاحب الثلاثين بالمئة يعطى الباقي، الذي هو ثلاثة آلاف. فهذا بالنسبة. أما إذا جاء فوجد الغزل كله كما هو، لم يعمل فيه شيء. فهنا هو يستحق هذا الغزل، يأخذه كاملًا. فهو أحق به بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا مما ذكره العلماء مما يستثنى. وهناك تفاصيل كثيرة، لكن هذا أهم ما يذكر. ثم قال رحمه الله تعالى: وإذا نقص مال المفلس عن الوفاء بجميع دينه، كان الموجود أسوة الغرماء. ومعناه: إذا كان الموجود لا يكفي لإعطاء الجميع. فهنا يكون الموجود يقسم بالعدل على جميع الغرماء. وأخذ هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فصاحب المتاع أسوة الغرماء» في الحديث المتقدم. وقوله رحمه الله: وإذا تبين إفلاسه، فلا يجوز حبسه. لماذا؟ لأنه معسر. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. وقوله: «ولي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته». ويجوز للحاكم: هذه مسألة أخرى. ومعنى: «لي الواجد» يعني تلاعبه وتأخره، وإظهاره عدم الاستطاعة وهو مستطيع. هذا من الظلم. هذا من الظلم. فإذا علم مثل هذا، أو وجدت القرينة التي تدل عليه. فهنا يجوز للحاكم أن يحبسه. لأنه قلنا في الأول: إن علم أنه معسر، فلا يجوز أن يؤذى، بل: «فنظرة إلى ميسرة». لكن إذا علم من حاله التلاعب، كأن تكون هناك قرائن تدل عليه: رجل اشتهر هذا عنه. وقد وقعت حوادث تدل على ذلك: أنه يأخذ من الناس، ثم لا يسدد لهم، ويدعي الإفلاس. فلأجل أن لا يعان الظالم على ظلمه، ولا يعتدي أحد على حقوق الناس. فيجوز للحاكم أن يحبسه، وأن يفعل الأخف ثم الأشد شيئًا فشيئًا، حتى يرد هذا الظالم ما عليه للمظلومين. وهذا هو قوله عليه الصلاة والسلام: «يحل عرضه وعقوبته» -يعني عرضه- بأن يتهم، ويكون حاله كحال المتهمين. وكذلك عقوبته بما يستحق من سجن، أو ضرب، أو غير ذلك، حتى يعترف أين المال، ويرده للناس، ويرده للناس. وقوله رحمه الله: ويجوز للحاكم أن يحجره عن التصرف في ماله -يعني المفلس- إذا كان له مال. فيجوز أن يحجر على هذا المال. ومعنى الحجر: أي منع المالك من التصرف. فيتصرف الحاكم في ماله بما يكون به أداء الحقوق التي عليه. وقد صح هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. بل معناه في القرآن، كما سيأتي إن شاء الله في مسألة اليتيم، وغيره -يعني ممن هو في معناه-. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل أعتق عبدًا له، وليس له مال، وقد أفلس. وفي رواية في صحيح مسلم: أنه أكثر من عبد. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم -أو رد هؤلاء- وجعلهم في سداد ما عليه من حقوق. في سداد ما عليه من حقوق. وهذا يدل على معنى الحجر الذي ينبغي أن يفعل مع المفلس. فيحجر على ماله، ويسدد للغرماء. وكما تقدم: إذا تزاحم الغرماء لقلة الموجود، فيعطون بالنسبة. كل بحسب ما له من حق: الكثير يعطى الكثير، والقليل يعطى القليل، لكن بالنسبة. وقوله رحمه الله: ويبيعه لقضاء دينه. كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع مالك أولئك العبيد الذين اعتقهم. فإنه ردهم، ولم ينفذ ذلك العتق. وباع العبد، وسدد به ديون ذلكم الرجل. وقوله: وكذا يجوز له الحجر على المبذر، ومن لا يحسن التصرف -يعني لأجل تبذيره وعدم حسن تصرفه- صار في معنى السفيه الذين ذكر الله عز وجل أنهم لا يمكنون من المال في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. لماذا؟ لأجل أن لا يقع هذا المعنى الذي ربما حتى هو يندم عليه. فيجب على وليه أن يحسن القيام برعايته -برعايته وولايته- لهذا السفيه، حتى يعود إلى رشده. ويتناول معنى السفه ثلاثة أشياء: إما صغر السن، فإنه معنى من معاني السفه. فيصل إلى الرشد بحسن التصرف وكبر سنه. وإما أن يكون السفه بسبب خفة العقل، فيعود إلى الرشد برجوع عقله أو اكتماله. فإن من الناس من يكون فيهم خفة، لكن إذا كبر تقل قليلًا، بما يمكن أن يمكن من ماله. أو إنسان يكون به مرض، فيعالج حتى إذا عاد له عقله، صار من أهل الرشد الذي يمكن من ماله. ومن معنى السفه كذلك: ذهاب العقل بعد وجوده لكبر السن. إنسان كبر في سنه، فصار ماذا؟ لا يحسن التصرف، خف عقله. فهذا كذلك يدخل في معنى السفه. فإذن: السفيه هو الذي لا يحسن التصرف، أيًا كان حاله وسنه، وغير ذلك من المعاني الأخرى. وهل المرأة أو النساء يدخلن في هذا الحكم؟ الجواب في هذا تفصيل. إن كانت المرأة فيها معنى السفه لخفة عقلها، أو كذلك قلة خبرتها. فهنا تدخل. قلة خبرة يكون معها التبذير. لأن النساء لا يستوون في كمال العقل كما أن الرجال لا يستوون. لكن قد يكثر أمر الخفة خصوصًا في التصرف في الأموال في النساء أكثر من الرجال. لماذا؟ لأن النساء لقلة خبرتها، وكذلك قلة تعاملها بالمال. قد يكون عندها معنى السفه أكثر من الرجل. فربما تنفق المرأة في أسبوع ما ينفقه الرجل في سنة. ممكن. أو لا؟ ممكن. وهذا نوع من السفه. فمن علم من حالها ذلك، جاز للولي ومن له الرعاية أن يحجر عليها. وطبعًا بأمر الحاكم دفعًا للخصومات. وإذا كان الأمر نسبيًّا، فإذًا يكون كذلك أمر الحجر نسبيًّا. يعني ممكن أصل المال يحجر عليه، ولكن يعطى لها شيء شهري، أو شيء ماذا؟ أسبوعي، على حسب ما يقرره الحاكم، بما لا يكون فيه إتلاف لهذا المال. إتلاف لهذا المال. والكثير من التفاصيل يرجع فيها إلى الحاكم. ولهذا قال: ويجوز للحاكم أن يحجره عن التصرف في ماله. وكذلك يجوز الحجر على المبذر، ومن لا يحسن التصرف. وقوله: ولا يمكن اليتيم من التصرف في ماله حتى يؤنس منه الرشد. الغالب على اليتيم هو السفه وعدم إحسان التصرف. لأنه لا يسمى يتيمًا إلا وهو دون سن البلوغ. لا يسمى يتيمًا إلا وهو ماذا؟ وهو دون سن البلوغ. وهذا هو الغالب العادي الذي يدور حوله معنى السفه. وقوله: «يؤنس منه الرشد» كما جاء به نص القرآن. لأن الله عز وجل قال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾. ومعنى «آنستم» يعني وجدتم، وحصل لكم شيء من اليقين في ذلك، بما كان من رؤية معالمه وآثاره عن قرب. وقوله رحمه الله: ويجوز لوليه أن يأكل من ماله بالمعروف -يعني ولي اليتيم الذي يقوم عليه، قريبًا كان أو بعيدًا- إذا احتاج أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف. إن احتاج أن يأكل منه للقيام عليه. فيأكل بالمعروف. ومعنى المعروف عرفًا وشرعًا. فشرعًا: بما ليس فيه ظلم واعتداء. وعرفًا: بما يكون لمثله من النفقة. فمثلًا إذا كان اليتيم مثلًا غنيًّا، وعمه فقير، قام برعايته وتولي أمر هذا اليتيم. فهنا يجوز لعمه في مقابل قيامه بتربية هذا اليتيم أن يأخذ ما يحتاجه بالمعروف. مثلًا: أسرة هذا العم لها دخل شهري من العم ومن غيره قدره عشرة آلاف. وفي عرف الناس أن مثل هذه الأسرة نفقتها الشهرية بين الأربعين إلى الخمسين. إذن كم الناقص؟ ها كم الناقص؟ إما ثلاثين، وإما أربعين. إذن هو يأخذ ما يكفي في القيام بهذا اليتيم بما يسد حاجته بالعرف -بما يسد حاجته بالعرف- ويجتهد قدر المستطاع أن لا يتكئ على مال اليتيم. يعني يجتهد لو كان مال اليتيم غير موجود ماذا سيصنع؟ سيقتصد المعيشة، وسيأخذ أسباب أخرى ليوفي النقص. فكذلك يجتهد في هذا الباب. ولو قدر أنه عجز، إذن لا يأكل أكثر من هذا. لو أخذ أكثر من هذا لصار هذا ماذا؟ من الاعتداء الذي لا يجوز. ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا -يعني تتوسعون في الحلال- أو تتعدون ذلك إلى الحرام. لأن الإسراف هو التوسع في الجائز المباح. والتبذير هو التعدي عن ذلك إلى الدخول في المحرم. والأدلة الشرعية دلت على ذلك. قال الله عز وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾. الأكل والشرب ماذا؟ مباح. فإذا تعدى المباح بشيء أكثر منه، صار إسرافًا. مثلا عادة الناس يأكلون كل يوم سمك، ويوم الجمعة ممكن يأكل بعض الناس الذين تتيسر لهم الأمور دجاجًا أو لحمًا مثلا. أقول: مثلا لا أقول هذا هو العرف، إنما خبر. هذا خبر ليس حكم يخرج من هنا أحد فيرجع إلى أهله يقول: سمعنا اليوم كلام. لا هذا خبر. يعني هذا مثال. فإذا كان كذلك، فما شاء الله. وجد الآن مال اليتيم. فإذا به كل يوم لحم، وزيادة على ذلك. إذا كان يكفيهم ربع رأس، يأخذون نصف رأس أحيانًا رأس، وما زاد. ما شاء الله. الجيران المحتاجين كثير. هذا يعد إيش؟ إسرافًا. لأنه تعدى الذي يحتاجه. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾. وأما التبذير: فهو ما كان ابتداء فيما لا يجوز -فيما لا يجوز- سواء أكان في شيء حرام -في شيء حرام- أو كان شيء أصله حلال، لكن بهذا الوصف حرام -بهذا الوصف حرام- نوع من التبذير. مثاله من التبذير: أن يشتري مثلا أو أن يدخل في معنى الميسر. مثل بعض الناس إذا تيسر له شيء من المال، دخل في تجارة الأسهم. تجارة الأسهم في الحقيقة هي معنى من معاني الميسر في هذا الزمان -معنى من معاني الميسر- فمثل هذا تبذير. مثل هذا تبذير. أو كان الشيء أصله حلال، لكن بهذا الوصف ماذا؟ لا يجوز، وحرام، وهو نوع من التبذير. مثل: تيسر له المال، قال: اليوم إن شاء الله نذهب رحلة. الناس يذهبون رحلة إلى شرمة. يذهبون رحلة يعني مثلا إلى المكلا، صنعاء، إب، حولها. عمره ما شاء الله شيء معقول. لكن إذا به ينقل كل الأسرة، ويقول: نذهب إلى بلد كذا وكذا، بلد بعيدة. وهو ليس في حاجة إلى هذا. ثم في أفخر الفنادق، وغير ذلك من المال الكثير الذي يصرف على وجه الإهلاك. هذا تبذير بلا شك. لأنه لا يحتاج إلى هذا، وليس شيء يضطره إلى هذا. فإن كان أصل السفر مباحًا، لكن بهذا الوصف ماذا؟ غير مباح. بهذا الوصف غير مباح. بل هذا عين التبذير. عين التبذير. فإذن: التبذير قد يكون في الحرام ابتداء. وقد يكون فيما أصله حلال، لكن بوصفه الذي وقع فيه صار حرامًا. ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. ولهذا قال العلماء: التبذير بكل صوره أو صافح حرام. وأما الإسراف: فهو تعد الحلال والتوسع فيه -تعد الحلال والتوسع فيه-. فالخلاصة: يحرص من أكل من مال اليتيم أن يأكل بالمعروف عرفًا وشرعًا -بالمعروف عرفًا وشرعًا- وإلا فليحذر من قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. نعم. ما سمعت. لا الصغير من يخاطب الصغير. لا رضيت أو لم ترضى بالمعروف، يجوز أن يؤخذ. وإذا اختلفوا، يرجعوا إلى الحاكم. إن كان الولي صاحب دين وعلم، فيجوز له أن يفعل ذلك ولو لم ترضَ، ولو عارضت. إذا كان أهلًا عنده أهلية لذلك. وإذا اختلفوا، فالحاكم هو الذي يحل مثل هذه الخصومات. نعم. والله تعالى أعلم.