شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 78

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 78

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 78، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

فضل قراءة القرآن عند المريض وشفاؤه للأمراض

يستحب قراءة الفاتحة والمعوذات عند المريض مع النفث، وقد وردت آثار عن السلف في تخفيف المرض بالقرآن. القرآن شفاء عام للأمراض العضوية والنفسية والروحية بشرط صدق اليقين والتوكل، مع العلم أن الشفاء بيد الله.

الرقية النبوية وطرقها الثابتة بأذن الله

يؤكد المقطع أن الشفاء النهائي مرهون بإذن الله حتى مع الأخذ بالأسباب الشرعية، ويستعرض عدة طرق للرقية النبوية الثابتة. منها التعوذ بالقرآن والدعاء النبوي، والرقية بالريق والتراب، ووضع اليد على موضع الألم مع الأذكار المأثورة.

أحكام الرقية الشرعية وحكم تخصيص سورة يس للمحتضر

يستعرض المقطع مشروعية الرقية بالقرآن والأدعية النبوية للمريض، مبيناً أعظم ما يُقرأ كالفاتحة وآية الكرسي والمعوذات. ثم يناقش حكم قراءة سورة يس عند المحتضر موضحاً ضعف الحديث الوارد فيها واختلاف العلماء بين الاستحباب والبدعية.

فضيلة إشغال الوقت بالطاعات وختم الدرس

يشير المقطع إلى أن شغل الوقت بالخير كالمذاكرة وسماع الموعظة وتشغيل القرآن من الأعمال المحبوبة عند الله. ويختتم الدرس بالدعاء بالتوفيق للجميع في طاعة الله.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال: فصل فيما يُقرأ عند المريض. قال: يستحب أن يُقرأ عند المريض الفاتحة، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «وما يدريك أنها رقية» رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري. وقال: يستحب أن يُقرأ عنده: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، مع النفث في اليدين، فقد ثبت ذلك في الصحيحين من فعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قالوا: قد تقدم بيانه في فصل النفث في آخر الباب الذي قبل هذا. قالوا: عن طلحة بن مصرف قال: كان يُقال: إن المريض إذا قُرئ عنده القرآن وجد لذلك خفة. فدخلت على خيثمة وهو مريض، فقلت: إني أراك اليوم صالحا. فقال: إني قُرئ عندي القرآن. في التحقيق إسناده صحيح. وقال: روى الخطيب أبو بكر البغدادي رحمه الله بإسناده أن الرمادي رضي الله عنه كان إذا اشتكى شيئا قال: هلموا أصحاب الحديث. فإذا حضروا قال: اقرؤوا علي الحديث. وفي التحقيق أن الأثر صحيح. قال: فهذا في الحديث، فالقرآن أولى. نعم، القرآن فيه الشفاء والعافية. قال الله عز وجل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾، ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾. فالله سبحانه وتعالى جعل هذا القرآن شفاء للأمراض، وهذه الأمراض تشمل الأمراض الحسية والمعنوية، تشمل الأمراض النفسية والأمراض الروحية والأمراض العضوية. فالقرآن شفاء بإذن الله سبحانه وتعالى من هذه الأمراض كلها. فليس القرآن فقط شفاء للأمراض الروحية كالعين والسحر والمس، فإذا كان بالمريض مرض عضوي قيل له: اذهب إلى المستشفيات، وإذا كان فيه مرض نفسي قيل له: اذهب إلى الأطباء النفسانيين. لا، القرآن شفاء من كل مرض، لعموم قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾. فإذا وجد الصدق واليقين والقناعة التامة والتوكل على الله وحسن المعتقد من الراقي والمرقي، فإنه ينفع في الغالب، ليس في كل حالة. لماذا؟ لأن التداوي بالقرآن، أو التداوي بالرقى، أو التداوي بالأدوية التي عند الأطباء، هذه من جملة الأسباب، من جملة الأسباب، والأسباب جاء الشرع بفعلها، ولكن الأمور هي بيد الله سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى هو الشافي عز وجل. قد يعمل المريض بالأسباب الشرعية لكن لا يكتب الله عز وجل للمريض الشفاء والعافية، مع أنه استخدم العلاج سواء كان بالقرآن أو بالرقية أو بالأعشاب أو بهذه الإبر والعقاقير، استخدمها على الوجه المطلوب. بل وزيادة على هذا: إذا كان في الرقى وهي أثير وأسرع، إذا كان الراقي من أهل التوحيد والتوكل واليقين والقناعة والصدق والتوجه، وهكذا كان المريض. يعني أن الراقي يعتقد نفع الرقية بالقرآن أو بالأدعية النبوية، صاحب توكل وعقيدة، وصاحب صدق وقناعة ويقين، يقين بأن هذا نافع بإذن الله سبحانه وتعالى، وكان المريض كذلك، كان على هذه الأوصاف، سبحان الله! لأن تكاملت أسباب الشفاء. لكن يبقى، يبقى إذن الله سبحانه وتعالى في الانتفاع بهذه الرقية، يبقى إذن الله، لأن الله سبحانه وتعالى هو مسبب الأسباب. يعني لا يخفى علينا أن الإنسان في الأمور الحسية إذا أراد سفرا اتخذ سيارة نظيفة، هي من أسباب السلامة من الحوادث، وتفقد السيارة كما يقال من وإلى، ومشى بالطريقة السليمة، وابتعد عن كل شيء يكون سببا في الحادث. هل لو عمل هذه الأسباب كلها... هل لو عمل هذه الأسباب كلها يسلم من الحادث؟ ها، يبقى إذن الله. ممكن يعمل هذه الأسباب كلها وما يشعر إلا سيارة تأتي فوقه، ليس هو الذي يخطئ، غيره يخطئ. تعرفون من الحوادث ما تقفز السيارة من الخط الذاهب تقفز إلى الخط الراجع وتأتي على سيارات في الخط الآخر. فهكذا الله سبحانه وتعالى جعل من القرآن الشفاء: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. فينبغي التعالج بالقرآن، التعالج بالأدعية النبوية وهي كثيرة. النبي صلى الله عليه وسلم زار سعدا وهو مريض، فجعل يدعو: «اللهم اشف سعدا، اشف سعدا». وهكذا في حديث عائشة في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي بعض أهله فيمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهم رب الناس، مذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقما» متفق عليه. وأنس بن مالك رضي الله عنه هو القائل لثابت: «ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» قال: بلى. قال: «اللهم رب الناس، اللهم رب الناس، مذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقما». وهكذا في حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شكا الإنسان شيئا من بدنه، أو كان به قرحة أو جرح، قال بأصبعه هكذا، يعني بأصبعه السبابة، كما أشار سفيان بن عيينة. روى حديث وضع الريق على أصبع السبابة، وضع الريق على أصبع السبابة، ثم وضعها في الأرض في التراب، ثم يمسح على الموضع الذي به الوجع وهو يقول: «بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا» متفق عليه. كان إذا شكا الإنسان شيئا، أو كان به قرحة أو جرح، قال بأصبعه هكذا، يعني هكذا: بالريق على الأصبع السبابة، يأتي إلى فمه ويأتي بشيء من الريق على الأصبع السبابة، ثم يضع هذه الأصبع في الأرض في التراب، ثم يمسح على موضع الوجع أو الألم أو المرض وهو يقول: «بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا». هذه رقية نبوية: «بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا» متفق عليه. وأما في حديث عثمان بن أبي العاص: أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئا يجده، فقال: «ضع يدك على موضع الألم، وقل: بسم الله ثلاثا». إذا كان فيك وجع في المعدة، ضع يدك على موضع الألم، وقل: بسم الله ثلاثا: «بسم الله، بسم الله، بسم الله»، ثم يقول سبع مرات: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر». تعوذ أو ترقي نفسك بنفسك: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» رواه مسلم. وهكذا قال في مسلم: حديث أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أتشتكي؟» قال: نعم. قال: «بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين حاسد، بسم الله أرقيك، الله يشفيك». هذه رقية نبوية. فالحاصل: أن المريض يُقرأ عليه القرآن، ومن أعظم القرآن سورة الفاتحة، فهي رقية شرعية كما في حديث أبي سعيد، جعل يقرأ الفاتحة وينفث ويمسح. وهكذا تُقرأ آية الكرسي، وهكذا تُقرأ المعوذات بالجمع، فيشمل الإخلاص والمعوذتين. وهكذا سائر القرآن، لا سيما الذي فيه سحر، تُقرأ آيات السحر التي في البقرة، والتي في الأعراف، والتي في يونس، والتي في طه، والتي في الشعراء، إضافة إلى المعوذات وسورة البقرة وخواتيم البقرة. وهكذا الأدعية النبوية وهي كثيرة. ولا بأس أن يُرقي المريض بغير الأدعية النبوية، لكن بشرط أن لا يكون فيها محذور شرعي من الاستعانة بالشياطين، لا، فيها التوكل على الله والالتجاء إلى الله وإفراد الله سبحانه وتعالى بطلب الشفاء والعافية، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ سبحانه وتعالى. ولا بأس أن تأتي تقول له، يعني تزور المريض، ما تحفظ أدعية، تقول: شفاك الله، عافاك الله، سلمك الله، رفع الله عنك الوجع. هذه أدعية، هذه أدعية. قال رحمه الله: فصل فيما يُقرأ عند الميت. قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: من أصحاب... قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يستحب أن يُقرأ عنده يس، لحديث معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرؤوا يس على موتاكم» رواه أبو داود، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وابن ماجه، بإسناد ضعيف، وهو ضعيف كما قال المصنف رحمه الله. وقال: روى مجالد وهو ابن سعيد، ضعيف، عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا حضروا قراءة عند الميت... نعم، إذا حضروا قرؤوا عند الميت سورة البقرة. ومجالد ضعيف، هذا أيضا ضعيف. في الحاشية: أخرجه ابن أبي شيبة، وسنده ضعيف لأجل مجالد. نعم، أكثر العلماء على مشروعية قراءة سورة يس عند المحتضر، والحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا ذهب بعض علمائنا، منهم العلامة الألباني رحمه الله، إلى بدعية قراءة سورة يس عند المحتضر، لأن الحديث المروي لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والذين استحبوا قراءة سورة يس استندوا إلى هذا الحديث: «اقرؤوا على موتاكم»، والمراد من موتاكم: أي من حضره الموت، يعني المحتضر الذي بدت عليه علامات الموت. وقالوا: فائدة قراءة يس هو تسهيل خروج الروح، لأن سورة يس كسائر سور القرآن فيها ذكر الجنة، فيها التشويق: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾، في ذكر الرجاء: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ الآيات. قالوا: فيشتاق العبد إلى لقاء الله سبحانه وتعالى فتسهل عليه خروج روحه. هكذا يقولون. وعلى كل، هذا لم يثبت كما تقدم، فهو غير مشروع. بل ذهب بعض علمائنا إلى أن هذا بدعة، إلى أن هذا يعتبر بدعة، كقول العلامة الألباني رحمه الله. لكن المريض والمحتضر إذا طال مدة مرضه وخشي عليه الملل، فلا شك أن إشغال وقته بالخير والذكر أفضل من أن يملأ مجلسه بالقيل والقال والضحك والمرح. فإذا أتي له بأشرطة مواعظ، أو أحيانا يعني يُشغل القرآن، لكن خصوص قراءة سورة يس هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. لكن إشغال الوقت يعني بالخير، بالمذاكرة، بسماع موعظة، بتشغيل القرآن، هذا كله من الخير الذي يحبه الله تبارك وتعالى. وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله.