الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 32، الدرس الثاني والثلاثون : (وكل ما له من الصفات ... فحقه التسليم والقبول ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش أهمية التوقف في أسماء الله وصفاته على ما ورد في الكتاب والسنة، ويحذر من إطلاق أسماء أو صفات لم يدل عليها الدليل. يُظهر أن باب الأسماء والصفات توقيفي ولا يجوز تجاوزه.
يجب إثبات الصفات الإلهية كما وردت في الكتاب والسنة دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل، مع التأكيد على أن الصفات الإلهية ليست كصفات المخلوقين. يُثبت لله أسماء وصفات على ما يليق بجلاله وعظمته.
الصفات السلبية لله تعالى تتضمن إثبات كمال الضد، والصفات الإثباتية تثبت لله على الوجه اللائق بجلاله، وهناك صفات فعلية وذاتية، وتثبت الصفات الخبرية كما وردت في النصوص الشرعية.
يوجب التسليم والقبول لما أثبته الله لنفسه، ويبين أن هذا هو الواجب على المسلمين. تم استنباط ثلاث مسائل من البيتين السابقين. تم التأكيد على الاكتفاء بما تم شرحه والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريب بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. اشتركوا في القناة. وقبلت أدلة الكتاب والسنة على ذلك. فأما أدلة الكتاب، فقوله تعالى: ﴿أن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾، فلا يقال على الله بغير علم، بل بعلم، والعلم لا يكون إلا من الكتاب أو من السنة. وقل قوله سبحانه: ﴿ولا تضربوا لله الأمثال﴾، وقوله سبحانه: ﴿وما محمد إلا رسول﴾، وقوله: ﴿ولا تقفوا ما ليس لك به علم﴾. ونحن من الآيات التي تدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يخوض فيما يتعلق بمبحث الأسماء والصفات إلا بما كان عليه الدليل من الكتاب أو من السنة. وأما ما جاء من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يدل على هذا المعنى، ما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود أن حضرًا من اليهود جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «إننا نجد فيما أوحي إلينا في التوراة أن الله يمسك الأرضين على أصبع، والجبال على أصبع...» إلى أن ذكر الحديث، فأقر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ذلك. فعلم أن باب الأسماء والصفات لا يتعدى به الوحي، فهذا كذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يتعلق بباب الأسماء والصفات كله توقيفي؛ لأنه يخبر عن الله عز وجل. ولو كان هذا الباب قياسيًا ليس توقيفيًا لأشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام، ولو بحديث واحد، ولكنه لم يرد، فعلم أنه توقيفي. ولهذا جاء عن الإمام محمد -رحمه الله- أنه قال: «لا يتعدى القرآن والحديث»، يعني باب الأسماء والصفات لا يتعدى القرآن والحديث، بل يتوقف في ذلك على ما ورد به الدليل. فعذا كذلك إذا علمنا هذا، فإنه لا يجوز أن يثبت لله عز وجل اسم لم يدل عليه الدليل من الكتاب ولا من السنة، ولا صفة لم يدل عليها الدليل من الكتاب أو من السنة. بل نتوقف بحدود ما جاءت به أدلة الكتاب والسنة بباب الأسماء أو بباب الصفات. والمؤلف -رحمه الله- ذكر الصفات والأسماء من باب أولى؛ لأنه إذا ذكر الأدنى فالأعلى من باب أولى. فمثلًا ليس من أسماء الله ما اشتهر بألسنة كثير من الناس، «الساتر» يقولون: يا ساتر. من وصفه سبحانه بالستر، لكن ليس من أسمائه «الساتر»، ليس من أسماء الله «الساتر». فذلك اشتهر بألسنة الناس، أن من أسماء الله «الجليل». والجليل ليس من أسماء الله؛ لأنه لم يثبت به دليل لا من الكتاب ولا من السنة، بل هو من وصفه أنه جليل، لكن ليس من أسمائه «الجليل». وهكذا مثل هذا كثير. فلا ينبغي للإنسان أن يصف الله عز وجل بصفة أو يسميه باسم إلا إذا دل عليه الدليل من كتابه أو من السنة. وهكذا كذلك يراد بالصفات، لا ينبغي للإنسان أن يختلق صفات من عنده ويقول: هي مما يوصف الله عز وجل، مثل ما يفعل بعض أهل الكلام فيقولون: «علة العلل»، فيصفون الله بأنه «علة العلل»، ونحوها من العبارات الفلسفية الكلامية التي لم يدل عليها الدليل لا من الكتاب ولا من السنة. فلينبغي أن نعرف في حدود الكتاب والسنة. أما المسألة الثانية، فهي أن كل ما دل عليه الدليل فيجب أن يثبت. كل ما دل عليه الدليل فيجب أن نثبته على ما يليق بجلال الله وعظمته، كما سيأتي -إن شاء الله- من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. نثبته إثبات وجود، كما أثبتنا لله ذاتًا موجودة ليست كالذوات، فنثبت له أسماء وصفات ليست كالأسماء والصفات التي للمخلوقين، كما قال سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، ليس كمثله شيء في ذاته، كذلك ليس كمثله شيء في أسمائه وصفاته. أثبت الله عز وجل لنفسه أسماء نثبتها من دون أن نعطلها. فإن كان من أسمائه «العليم»، فنحن نثبت هذا الاسم وما تضمنه من صفة، ولا نقول كقول المحتملة «عليم بلا علم»، أو «عليم بذاته». ولا نقول كذلك كقول الكلابية والأشاعرة وما تريدية. أو «السميع» أو «البصير» نثبته لله عز وجل اسمًا متضمنًا للصفات، لا نقول: «سميع بذاته»، ولا نقول: «سميع بلا سمع»، ولا نقول: «سميع علمه بالمسموعات»، لا، بل «سميع» اسمه من أسماء الله على ما يليق بجلال الله وعظمته، متضمن لصفة السمع. نثبت معنى الدليل، وهذا دأب السلف، لا تقليد ومن غير تكييف ولا تشبيه، هذا هو الواجب. أثبت الله عز وجل لنفسه صفة الرحمة، نثبت له سبحانه وتعالى. أثبت لنفسه صفة الهرولة، نثبت له صفة الهرولة. لا نتردد في إثبات الصفة التي يثبتها سبحانه وتعالى لنفسه في كتابه. ويجب أن نثبتها إذا أثبتها في محكم الكتاب أو في محكم الآيات، أو صح بما قاله الرسول. يعني كل ما جاء في كتاب الله عز وجل فإنه يجب أن يثبت. وهو يريد -رحمه الله- نشير بقوله: «وكل ما له من الصفات»، إلى أن هناك صفات أخرى كثيرة لم يذكرها -رحمه الله- هي بالكتاب وهي بالسنة. لكن القاعدة العامة أن كل ما جاء في الكتاب أو بالسنة فلا نتردد في إثباته إذا أثبته الله عز وجل. وصفات الله منها ما هو من الصفات السلبية، ومنها ما هو من الصفات الثبوتية. فنثبت ذلك لله عز وجل على ما جاء في كتاب أو بسنة رسوله. مثال السلبية الصفات المنفية التي نفاها عن نفسه، فقوله سبحانه: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، فهذه الصفات السلبية توقيفية، لا نتعدى القرآن والحديث. فهو سبحانه: ﴿لا تأخذه سنة﴾ هو النعاس ﴿ولا نوم﴾، وقال عن نفسه: ﴿ما مسنا من لغوب﴾، فهذه الصفات السلبية كذلك نثبتها لله عز وجل. والقاعدة في الصفات السلبية أننا إذا أثبتناها أثبتنا كمال الضد معها. فإن الله عز وجل وصف نفسه بأنه ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ لكمال حياته وقيوميته، ولهذا قرنت هذه الصفة باسمه «الحي القيوم»، باسمه «الحي القيوم». وهكذا نفيه عن نفسه اللغوب، دليل على إثبات كمال قدرته وقوته، إثبات كمال قدرته وقوته. فالصفات السلبية ليست في الصفات السلبية محضة، بل هي متضمنة لكمال الضد. وهكذا كذلك الثبوتية التي فيها إثبات، مثل السمع والبصر والعلم ونحو ذلك. وهكذا من أسماء الله وصفاته أن من صفاته كذلك ما هي صفات فعلية، ومنها ما هي صفات ذاتية. منها ما يتعلق بذاته، مثل الوجه: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، ومنها ما يتعلق بأفعاله، مثل الصخب والغضب والعجب. ﴿وإن تعجب فعجب قوله﴾، بل عجبت. ﴿ويسخرون﴾، فأثبت لنفسه صفة العجب سبحانه، عجب يليق بجلال الله وعظمته، لا يشابه عجب المخلوقين الذي معه الجهل وزيادة العلم والعلم بعد عدم العلم. بل يثبت لله على المعنى الكامل من كل الوجود، ليس هو كعجب المخلوقين. وهذا كذلك الصخب والغضب يليق بجلال الله وعظمته كما أثبته لنفسه سبحانه. وهذا كذلك بالسنة، كل ما أثبته سبحانه لنفسه نثبته له، سواء كما مر من الصفات الفعلية أو الذاتية، كما مر معنا في حديث الأصابع، أو كذلك في حديث ابن عمر في إثبات الكف واليد واليمين. وكل ما أثبته لنفسه نثبته، أو الصفات الفعلية مثل إثبات الهرولة، وإثبات كذلك الملل: «إن الله لا يمل حتى تملوا». فكل ما أثبته لنفسه نثبته على ما يليق بجلاله وعظمته. بل إذا ورد أنه نفاه عن نفسه في موضع وأثبته في موضع، فإننا نثبته بالموضع الذي أثبته، وننفيه بالموضع الذي نفاه إن قاد لما أقدر الله عز وجل به. فإن ذلك هو تمام التسليم، ولا معارضة بين موضع النفي وبين موضع الإثبات؛ لأن في كل منهما معنى مقصود. مثل النسيان، نفيه الله عز وجل عن نفسه: ﴿وما ربك بنسي﴾، وأثبته سبحانه وتعالى لنفسه: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾. فنثبته لله في الموضع الذي أثبته، وننفيه عن الله في الموضع الذي نفاه. فإن ربنا لا يظل ولا ينسى، هذه صفة سلبية لإثبات كمال الضد، وهو كمال العلم له سبحانه وتعالى. وهو كذلك ينسى من ينسى، هذه صفة. وهذه من الصفات المقيدة التي تثبت كما أثبتت، لا نتعدى القرآن والحديث؛ لأن بعض الصفات تثبت مطلقة، مثل ما سبق العلم والقدرة ونحوها من الصفات. ومن الصفات ما تثبت مقيدة، مثل النسيان ومثل المكر ومثل الكيد: ﴿ومكروا مكرا﴾، ﴿والله خير الماكرين﴾. وهكذا الكيد كذلك: ﴿ويكيدون كيدا وأكيد كيدا﴾. وهكذا كذلك النسيان: ﴿نسوا الله ونسيهم﴾. وكل ما أثبته مقيدًا يثبت مقيدًا، وما أثبته مطلقًا نثبته مطلقًا. وهكذا الصفات الخبرية التي كما يقال لا تعرف إلا بالخبر، مثل الوجه واليد والكف ونحو ذلك مما أثبته الله عز وجل لنفسه، فإنه يثبت كله لله عز وجل. «والسماوات مطويات بيمينه»، وهكذا حديث ابن عمر بمعنى. وكل ما جاء نثبته كما أثبته الله عز وجل لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا قال: «فحقه التسليم والقبول»، فحقه التسليم والقبول. فمعنى بهذا أن الواجب هو الإثبات ما أثبتها رب جل وعلا لنفسه. هذه ثلاثة مسائل استنبطناها من هذين البيتين، وقد تضمنتهما بما جلى به إليه من معنى. فبهذا قد نكتفي -والحمد لله رب العالمين- شكرًا للمشاهدة.