الخطبة بعنوان فضائل التقرب إلى الله في رمضان، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
توضح الخطبة أن رمضان موسم عظيم تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار، وأن صيامه إيماناً واحتساباً يكفر الذنوب السابقة. ويحث المؤمنين على اغتنام الفرصة والفرح ببلوغ الشهر والمسارعة إلى الطاعة.
يبين المقطع أن الصيام لا يُقبل إلا بالإيمان والاحتساب واجتناب الكبائر، وأن الصوم سر بين العبد وربه جزاؤه بغير حساب. ويشير إلى أن غايته العظمى تحقيق تقوى الله عز وجل.
يستعرض آداب الصائم من كف اللسان واليد عن الرفث والصخب، والرد على المعتدي بقول "إني صائم"، وفضل خلوف فم الصائم وفرحتيه. ويؤكد أهمية قيام رمضان إيماناً واحتساباً مقتدين بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى عشرة ركعة بخشوع وتدبر.
يختتم المتحدث بالدعاء بأن يجعلهم الله من عتقائه من النار في رمضان، ويمنحهم العلم النافع والعمل الصالح. ويطلب المغفرة للجميع ختاماً للخطبة.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: فضائل التقرب إلى الله في رمضان، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الله عز وجل بعلمه المحيط بكل شيء، وبحكمته البالغة، يفضل بعض الناس على بعض، وبعض الأمكنة على بعض، وبعض الأزمنة على بعض. وكان مما فضل الله عز وجل شهر رمضان. قال الله تبارك وتعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. هذا الشهر العظيم، وهذا الشهر المبارك الذي لا تحصى فضائله، ولا يحاط بحسناته وخيراته، لمن وفقه الله عز وجل لصيام نهاره وقيام ليله، والإقبال على خالقه ومولاه، ربنا سبحانه وتعالى. هذا الشهر المبارك الذي هو شهر الصيام، وشهر القيام، وشهر البر والخير والإحسان. هذا الشهر الذي تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران. كيف لا يفرح ولا يستبشر المؤمن الطائع بهذا الشهر الذي تفتح فيه أبواب الجنان؟ يدعو ربنا تبارك وتعالى عباده للإقبال، وللتوبة، وللمسارعة، وللمبادرة. هكذا كيف لا يستبشر العبد المقصر وقد غلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين، وأعين العبد على طاعة الرحمن سبحانه وتعالى؟ فحقيقة من بلغه الله عز وجل هذا الشهر، عليه أن يفرح فرحًا عظيمًا. كم من الناس من صاب معنا في السنة الماضية من الآباء والأمهات، والإخوة والأخوات، والجيران والأصحاب، وعموم الناس، ثم أين هم اليوم؟ هم مرتهنون في بطون قبورهم، منتظرون يوم البعث والنشور. نعم عباد الله، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. عليك أن تحمد الله عز وجل، في العام الماضي ودعنا رمضان، بعد مضي سنة كاملة أحل علينا وأطل علينا هذا الشهر المبارك. مضى رمضان الفائت، ومضت هذه السنة بما فيها من حسنات وسيئات، بما فيها من خير وشر، وهكذا طبيعة الأيام. لكن يبقى ما أرصد الإنسان في صحائف الأعمال. فعلى كل واحد منا عباد الله أن يحمد الله تبارك وتعالى، وأن يسأل ربه عز وجل أن يعينه على استغلال فرصة هذا الشهر. المؤمن يستغل هذه الفرص، هذه المواسم التي جعلها الله عز وجل ميدانًا لتنافس المتنافسين، وتسابق المتسابقين، وفوز الفائزين. هذا الموسم العظيم الذي هو من مواسم الآخرة، لمن وفقه الله وعرف حقه، ورجع إلى خالقه مولاه، وسعى بربه سبحانه وتعالى. ونستعرض بإذن الله تبارك وتعالى في هذه الخطبة بعضًا من الأحاديث الواردة في شأن الصوم. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه. «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وهكذا في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر». ففي الحديث الأول: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، أي تصديقًا. إيمانًا أي تصديقًا بفرضية هذا الصوم، صوم رمضان الذي فرضه الله على هذه الأمة كما فرضه على الأمم المتقدمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. إيمانًا واحتسابًا، أي رغبة في ثواب الله عز وجل. لا يحصل هذا الوعد من مغفرة الذنوب إلا لمن صامه إيمانًا، ومن صامه احتسابًا، يطلب الثواب من الله تبارك وتعالى، يرجو الحسنات والخيرات وتكفير السيئات. لا يصومه رياءً ولا سمعة، بل يصومه إخلاصًا لله وتقربًا إلى الله. لا يصومه تجلدًا ولا مماشاةً للناس لأنهم صائمون فيصوم معهم. لا يصومه طلبًا للشفاء من بعض الأمراض، لا يصومه رياضةً للنفس يريد أن يتخلص من بعض الأشياء. لا يصومه طلبًا للثواب من الله سبحانه وتعالى ويعلم أن في طول أيامه، وفي المكاره التي تحصل له، زيادة في الأجر لمن ابتغى بذلك وجه الله سبحانه وتعالى. «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»؛ هذان شرطان، وشرط ثالث مذكور في الحديث الثاني: «ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». الكبائر عباد الله هي الذنوب التي تترتب عليها وعيد في الآخرة، أو حد في الدنيا، أو ختمت بلعنة أو غضب أو سخط أو براءة، إلى غير ذلك: كالشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والزنا، واللواط، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، وأكل مال الربا، وأكل أموال اليتامى، إلى غير ذلك من هذه المعاصي الكبائر. ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾. فاحرص يا عبد الله على أن تكون من الرابحين في هذا الموسم. هذا الموسم موسم العتق من النار. ففي حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله عز وجل عند كل فطر عتقاء من النار، إن لله عز وجل عند كل فطر عتقاء من النار». فاحرص يا عبد الله على أن تكون من الرابحين، واحذر يا عبد الله على أن لا تكون من المحرومين الخاسرين. فقد صعد النبي صلى الله عليه وسلم درجات المنبر، فجعل يقول: آمين، آمين، آمين. قالوا: على ما أمنت يا رسول الله؟ قال: «جاءني جبريل فقال لي: رغم أنفه رجل أدركه رمضان ثم انسلخ ولم يغفر له، فقل آمين، فقلت آمين». هؤلاء هم الخاسرون الذين تفوتهم مواسم الخير والرحمة، ومواسم الحسنات وغفران الذنوب، ثم يتخذون هذه المواسم مواسم للدنيا، ولا ينتبهون، ولا يستفيدون، ولا يهتمون، ولا يكترثون، بضياع الأوقات فيها. أجور عظيمة جعلها الله سبحانه وتعالى لمن صامه إيمانًا واحتسابًا. ففي الحديث الصحيح: «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». قال الله: «إلا الصوم، فإنه لي». الأعمال كلها لله، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾. لماذا خص الصوم بأنه لله في هذا الحديث؟ قال: «إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به»؛ لأنه سر بين العبد وبين ربه سبحانه وتعالى. هذه العبادة المتميزة، قد يكون الإنسان في نهار رمضان مختصرًا ولا يشعر به أحد، وقد يكون في السفر مع زملائه، في سفره، في حضره، بين إخوانه وهو صائم ولا يشعر به أحد. فهذا سر بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى. «إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». كان وسعه أن يأكل خفية، أو أن يشرب خفية، لكن لكمال إخلاصه وإيمانه وتصديقه بفرض هذه العبادة، فإنه يترك ما حرم الله سبحانه وتعالى سرًا وجهارًا، سرًا وجهارًا: لا يشرب، ولا يأكل، ولا يجامع، ولا يفعل شيئًا من المحظورات. هذا يدل على كمال الإخلاص، فاستحقت هذه العبادة أن تكون كما قال الله عز وجل: «إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». فجميع العبادات المضاعفة معلومة: إلى عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف. قال الله: «إلا الصوم»؛ لأن الصوم من الصبر، والله يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال الأوزاعي رحمه الله: لا يكال لهم ولا يوزن لهم، وإنما يغرف لهم غرفًا. فهنيئًا لمن وفقه الله عز وجل لصومه إيمانًا واحتسابًا. وهكذا في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصوم جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». الصوم جنة، أي وقاية وستر من النار، ووقاية وستر من الشهوات والمعاصي والمخالفات، وبينهما ملازمة؛ فلا تستطيع أن تقي نفسك من عذاب النار إلا باتقاء الشهوات المحرمة والأمور المنهي عنها. فهكذا الصوم أعظم عون للإنسان على تهذيب نفسه، وإصلاح قلبه، واستقامة جوارحه، وهذا هو المقصود الأعظم من الصوم. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. الله سبحانه وتعالى عباد الله، لم يفرض صوم شهر رمضان على الناس لأجل أن يعذبهم بترك المألوفات والمحبوبات والشهوات المباحة، وإنما كما ذكر الله عز وجل في هذه الآية الكريمة، فرض عليهم صيام شهر رمضان لأجل تحصيل هذه الغاية العظيمة والحكمة الجليلة، ألا وهي تحصيل تقوى الله عز وجل. فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، لأن الصوم يدعو إلى تهذيب الأخلاق، لا يساير الناس في جهالاتهم، وفي حماقاتهم، وفي إساءتهم وظلمهم. فلا يرفث؛ الرفث هو الجماع ومقدماته. ولا يصخب. فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم. لا بأس أن يظهر عبادته، فليقل: إني صائم، بصوت مسموع، لا أنه يقول ذلك في نفسه فقط، لا، بل يقول بصوت مسموع: إني صائم، لأجل أن يردع هذا المعتدي وهذا المهاجم وهذا المؤذي، يعرف أنه إن كف عن مقابلة الإساءة بالإساءة، فليس ضعفًا ولا عجزًا، ولكن لأنه متعبد لله سبحانه وتعالى بهذه العبادة. وهكذا يذكر نفسه بعبادته وصومه، فليقل: إني صائم. وفي هذا الحديث نفسه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». يعني الرائحة المنبعثة من الصائم بسبب خلو المعدة، هذه الرائحة المستكرهة عند الناس والمستقبحة عند الناس، أما عند الله سبحانه وتعالى فهي أعظم من ريح المسك، لأنها جاءت على أثر طاعة، وعلى أثر عبادة، ولأن صاحبها سارع إلى مرضاة ربه وامتثال أوامره، فكانت هذه الرائحة المستكرهة عند الناس أحب عند الله من ريح المسك، في الدنيا وفي الآخرة. في الدنيا؛ لأن هذه أثر العبادة فهي أحب عند الله وملائكته من ريح المسك. وفي الآخرة؛ لأن تظهر ثواب الأعمال. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان: يفرح إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه». إذا أفطر فرح بفطره لأمرين: أولاً لتوفيق الله عز وجل له، وثانيًا لأنه أباح له ما حرم عليه من الطعام والشراب والشهوة المباحة. وهكذا إذا لقي الله سبحانه وتعالى ووجد أجره موفورًا، فإنه يفرح بذلك. فهذا فيه إشارة إلى أن المؤمن يفرح بقدوم رمضان، لأنه فرح بالدين، وفرح بالهدى، وفرح بالعمل الصالح، وفرح بفرصة من الفرص العظيمة. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. هذا هو الفرح المحمود عباد الله، ليس الفرح بالدنيا وزهرتها وشهواتها وحطامها. ﴿فَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾. ﴿وَقَالَ قَوْمٌ لَّا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. الفرح بالدنيا فرح مذموم، بخلاف الفرح بالطاعات والخيرات. عباد الله، أيضًا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه. فشهر رمضان كما أنه شهر المجاهدة في النهار بصومه، فهو أيضًا شهر المجاهدة في الليل بقيامه. «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا» كما تقدم، غفر له ما تقدم من ذنبه. فاحرصوا عباد الله على مجاهدة أنفسكم على قيام لياليه تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى. «صلي خلف الإمام حتى ينصرف»، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «من صلى خلف إمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة». وليحرص الأئمة على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فخير الهدي وأكمل الهدي وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. وهكذا ثبت في موطأ الإمام مالك أن عمر بن الخطاب أمر أبي بن كعب وتميم الداري أن يصلي بالناس إحدى عشرة ركعة. فهذا الذي ينبغي على الأمة، أن لا يزيد في قيام رمضان على إحدى عشرة ركعة. وليحرص على أن يؤدي الصلاة كما أمر الله، بالخضوع والخشوع، وحضور القلب، والطمأنينة، فهي عبادة من العبادات الجليلة، وليس سردًا للركعات ومسابقة للأئمة الآخرين. فترى كثيرًا من الأئمة من يحرص على الكثرة، ومن يحرص على الكمية، سواء كان في ألفاظ القرآن، أو كان في عدد الركعات، أو محاولة للخروج في أوائل الناس. هذا مما لا ينبغي. وعلى طلبة العلم أن يكونوا منتبهين لذلك. ركعات يسيرات مع الأداء والطمأنينة والخشوع والخضوع، أحب إلى الله، وأعظم في الأجر، من ركعات كثيرة. وآيات يسيرة مع التدبر، أعظم من سرد للقرآن مع حضور الشيطان وفساد النيات. فليتنبه لذلك طلاب العلم. عن استكثار من الخير، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم مطلوب، ولكن تكون القراءة بتدبر وترتيل وطمأنينة، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في قراءته وفي تلاوته. وهكذا بالنسبة للقيام، وهكذا بالنسبة للركوع، وهكذا بالنسبة للاعتدال، وهكذا بالنسبة للسجود، وهكذا في سائر الصلاة. هكذا الذي ينبغي على الأئمة وعلى المأمومين. أسأل الله تبارك وتعالى للجميع التوفيق والسداد. أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم، وأن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يتجاوز عن الجميع، إنه سميع الدعاء. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.