الدرس في تفسير سورة الفاتحة من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تفسير الإمام المحلي لسورة الفاتحة، ويشرح الخلاف حول البسملة وعدد الآيات. يُبين أن الفاتحة مكية ويفسر معنى "رب العالمين".
يشرح معاني أسماء الله الحسنى مثل "الرحمن الرحيم" و"ملك يوم الدين". يتناول معنى الرحمة والإرادة الإلهية وملك الله يوم القيامة.
يشرح معنى "إياك نعبد وإياك نستعين" و"اهدنا الصراط المستقيم". يبين أهمية التمسك بالصراط المستقيم ومعنى الهداية كإرشاد وتوفيق من الله.
يختتم الدرس مع الإشارة إلى استكمال الموضوع لاحقًا، ويعبر عن التوكل على الله تعالى.
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام المحلي -رحمه الله تعالى- في تفسيره سورة الفاتحة: قال مكية، سبع آيات بالبسملة إن كانت منها والسابعة. ومعنى قوله مكية، أي أنها أنزلت في فترة وحي نزول القرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة. وقد اختلف العلماء في التفريق بين المكي والمدني، وهذا هو الراجح والصحيح من الأقوال المذكورة، إذ من المكي ما نزل ليس في نفس مكة، ولكن خارج مكة، كأن يكون ببعض الأصفار ونحو ذلك. وقوله: سبع آيات بالبسملة إن كانت منها والسابعة، يعني: وهو معنى أن الفاتحة مبتدأة بالبسملة. وقد اختلف في البسملة: هل هي آية من كل سورة، أو آية استفتحت بها السور وليست هي من السور؟ والصحيح الثاني: أنها آية افتتح بها السور وليست من السور، ويؤكده ما جاء في السنة، وكذلك ما جاء في سورة براءة؛ فإنها لم تستفتح بالبسملة. ولهذا قال العلماء -والاعتبارات الأخرى-: إن البسملة ليست آية من كل سورة، بل آية تستفتح بها السور. وعلى هذا لا إشكال فيما ورد في كونها السبع المثاني؛ لأنها باعتباري ما استفتح بها السبع. قال -رحمه الله تعالى-: قولوا: سراط الذين إلى آخره، وإن لم تكن منها فالسابعة غير المغضوب إلى آخرها، ويقدر في أولها قولوا؛ ليكون ما قبل «إياك نعبد» مناسبًا له بكونها من مقول العباد. يعني: الكلام على عدد الآيات كما تقدم وسبق تفسيره تفصيله. فقوله: قولوا، فالسابعة غير المغضوب عليهم، أي: الآية السابعة إلى آخره. وقولوا: ويقدر في أولها، يعني: ليستقيم المعنى والسياق. فهذا التقدير كما تقدم: معنى قد يكون خاصًا، وقد يكون عامًا، وكلما كان خاصًا كان أدق بالمعنى. والسورة الفاتحة أمر بها في مواضع كثيرة من السنة، وهذا يدل على أنه مأمور بها، مأمور بها. ولهذا نحن أمرنا أن نقرأ بها في جميع صلواتنا، بفرضها ونفلها. وقوله: ليكون ما قبل «إياك نعبد» مناسبًا له بكونها من مقول العباد؛ والمعنى: أن قوله «إياك نعبد» مع تقديري قول يتم المعنى ويتناسب. ولهذا كان التقدير بهذا الفعل الخاص أولى من غيره. قال -رحمه الله تعالى-: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله» جملة خبرية قصد بها الثناء على الله بمضمونها، على أنه تعالى مالك لجميع الحمد من الخلق، أو مستحق لأن يحمدوه. وكلا الأمرين كذلك، وهو سبحانه وتعالى مالك للحمد وأسبابه. والله -جل وعلا- يحمد لكماله في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله -سبحانه وتعالى-، ويحمد لعظيم إحسانه إلى خلقه -جل وعلا-. فباعتبار الأول: مالك لجميع الحمد، أي: أسباب المحامد. وكذلك مستحق للحمد؛ لأنه -جل وعلا- هو الذي أسدى أنواع النعم التي لا تعد ولا تحصى. فمهما حمده الحامدون لم يؤد مقدار حمده وشكره -سبحانه وتعالى-. قال: «والله»: عالم على المعبود بحق. وقد تقدم معنى أن الله أعرف المعارف. «عالم» على الذات الإلهية المقدسة -سبحانه وتعالى-. وسائر أسماء الله ترجع إلى هذا الاسم العظيم الذي هو أعرف المعارف. قال: «رب العالمين»، أي: مالك جميع الخلق من الإنس والجن والملائكة والدواب وغيرهم، ومن كل منها يطلق عليه عالم، يقال: عالم الإنس، وعالم الجن، إلى غير ذلك. وغلب في جمعه بالياء والنون. قال: عندي. قال: أولى العلم على غيرهم. وعلى التعليق قال: أي: العالم. والمعنى: رب العالمين، وهو كل ما سوى الله من عالم علمنا، ومأخوذ من لفظه، وهو كل ما كان معلومًا من المخلوقات والمحسوسات والمسموعات والمرئيات والذوات والصفات وكل شيء. فكل ما سوى الله هو مما يدخل في معنى العالم، فهو أوسع من أن يكون عالم المخلوقات، بل حتى المخلوقات: منها علمنا، ومنها لم نعلم ما لا نعلم، ولم يعلمنا الله -عز وجل- به. فالله -عز وجل- خلق خلقًا لا يحصون -سبحانه وتعالى-. فلذلك كان الصحيح أن العالم كل ما سوى الله -سبحانه وتعالى- مما خلقه الله -جل وعلا-. قال: قوله: «الرحمن الرحيم»، أي: ذي الرحمة، وهي إرادة الخير لأهله. «رب العالمين»، أي: مالك جميع الخلق، هذا واضح. «الرحمن الرحيم»: اسمان يتضمنان كل منهما لصفة الرحمة لله -عز وجل-، كما تقدم معنا. وقوله: ذي الرحمة، أي: صاحب الرحمة. وقوله: «هي إرادة الخير لأهله»: هذا مما انتقد عليه -رحمه الله-، وهي ليست على طريقة أهل السنة في باب الصفات، بل هي من طريقة الأشاعرة في تحريف الصفات. وليس بصحيح أن يقال: إرادة الخير لأهله؛ لأن هذا تحريف للصفات. فقد رد العلماء على هذا لكتب العقائد بأوجه كثيرة. فإذا أثبت لله صفة الإرادة، فما المانع أن تثبت له صفة الرحمة على ما يليق بجلال الله وعظمته، كما يثبتون إرادة تليق بجلاله وعظمته لا تشبه إرادة المخلوقين؟ فكذلك الواجب أن تثبت لله -عز وجل- رحمة لا تشبه رحمة المخلوقين. وليس إثبات الرحمة كما زعم يستلزم النقص للخالق -جل وعلا-، بل الرحمة للخالق لما يليق به -سبحانه وتعالى- بجلال عظمته وعظيم صفاته هو الكمال. قال -رحمه الله تعالى-: «ملك يوم الدين»، وقرئ: «مالك يوم الدين»، إراءتان سبعيتان مشهورتان. قال -رحمه الله تعالى-: «يوم الدين»، أي: الجزاء، وهو يوم القيامة. وخص بالذكر؛ لأنه لا ملك ظاهرا فيه لأحد إلا لله؛ لأن الدنيا فيها ملك نسبي. الدنيا فيها ملك نسبي، وهذا الملك النسبي لا يكون يوم القيامة. ليس لأحد ملك حتى اللباس الذي يستر الإنسان لا يملكه يوم القيامة هذا الإنسان، بل يبعث الناس حفاة عراة غرلا كما خلقهم الله -عز وجل-. ولكن الحكمة من لبسهم الله -سبحانه وتعالى-. وإذا تأمل الإنسان حقيقة نفسه فإنه يخرج لهذه الدنيا وهو ماذا ضعيف، لا يملك شيئًا. والذي من على هذا الإنسان الضعيف هو الله -سبحانه وتعالى-. قال -رحمه الله تعالى-: لأنه لا ملك ظاهرا فيه لأحد إلا لله تعالى، بدليل: «لمن الملك اليوم؟ لله». لأن الله -عز وجل- يقول ذلك كما جاء في أدلة الكتاب والسنة. وسيأتي معنى في موضعه. قال: ومن قرأ «مالك» فمعنى «مالك الأمر كله في يوم القيامة». وملك من الملك، ومالك كذلك من الملك، لكن الفرق بينهما: التعدي. زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى. فمالك متعدي، وهذا هو قوله: فمعنى «مالك الأمر كله في يوم القيامة». وملك كذلك، لكن هو في نفسه ملك، وهو ملك لكل ما حوله. ومالك: أي مالك الأمر وغيره -سبحانه وتعالى-. قال -رحمه الله-: أو موصوف بذلك دائما، وهو كذلك، ولكن خصه بيوم الدين كما تقدم؛ للتذكير به من ثلاثة أوجه: أولها: لأنه لا ملك لأحد إلا له. وثانيها: لأنه تذكير بيوم الحساب والعقاب، وهذا يقتضي التذكير بإحسان العمل والاستعداد لذلك اليوم العظيم. وثالثا: أنه مأخوذ كذلك من الدين، أي: ما سيكون من أعمال الناس ويداينون عليه أن يحاسبون. لهذا قال بعضهم: يوم الدين يوم الحساب. يوم الحساب، فهو التذكير بهذا اليوم العظيم، تذكير بهذا اليوم العظيم. كما تقول: رب الكعبة. الله رب كل بيت، أليس كذلك؟ لكن ذكروا الكعبة أو البيت؛ لأجل تعظيمه والتذكير به. قال -رحمه الله-: كغافر الذنب. فصح وقوع صفة لمعرفة. وهذا من جهة اللغة، ومن جهة المعنى. يعني: مالك الدين مثل غافر الذنب بهذه الإضافة. وهذا الصفة فهي من إضافة الصفة لموصوفه. الصفة لموصوفه. من الذي يغفر الذنوب؟ الله، هل في أحد يغفر غيره؟ لا، كذلك. من الذي يملك ذلكم اليوم؟ الله -سبحانه وتعالى-. هل يملك أحد غيره؟ الجواب: لا. طيب، هذه الإضافة أفادت الملك، وأفادت ماذا؟ شيئا آخر، وهو ماذا؟ اللجوء إلى الله لمغفرة الذنب. التذكير بالرجوع إلى الله في طلب مغفرة الذنب. وهذا كذلك المقصود: أن نرجع إلى الله بإصلاح أعمالنا والاستعداد ليوم الدين. قال -رحمه الله تعالى-: وقوله: «إياك نعبد وإياك نستعين»، أي: نخصك بالعبادة من توحيد وغيره، ونطلب المعونة على العبادة وغيرها. والعبادة أوسع من أن تحصر في التوحيد، بل التوحيد إذا فهم بمعناه الصحيح فهي تشمل العبادة بمعنى الأعم. فالتوحيد هو إفراد الله -سبحانه وتعالى- بربوبيته وولوهيته وأسمائه وصفاته، كيف بغاية الحب والخضوع والذل الذي تتحقق به هذه العبادة. ولهذا عرف العلماء -كشيخ الإسلام من التيمية -رحمه الله-: العبادة بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فـ«إياك نعبد» تشمل ذلك كله. وقدم المعمول على العامل لإفادة الحصر، كأنك تقول: لا نعبد إلا أنت. لا نعبد إلا أنت. فهي مثل: لا إله إلا الله. و«إياك نستعين» كذلك، كما قال: ونطلب ونطلب المعونة، وهو من عطف الخاص على العام؛ تأكيدا لأهميته. مثل: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى؛ تنبيها على أهمية هذه الصلاة. فكذلك نحن نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعيننا على عبادته، وأن يعيننا على الاستعانة به. «إياك» لا نعبد إلا أنت، و«إياك» لا نستعين إلا بك. فهذا من عطف الخاص على العام. فنفرده بالعبادة، ونفرده كذلك ماذا؟ بالاستعانة. وكذلك كما قال غير واحد من أهل العلم: أكثر الشرك يقع بسبب الخلل في باب ماذا؟ الاستعانة. فالمشركون الأولون والمتأخرون يظنون أن هناك من يقربهم إلى الله فيعينهم في الوصول إلى ما يريدون من خير الدنيا أو الآخرة. كما قال الله -عز وجل- عنهم: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى». وهذا نوع من أنواع الاستعانة. وهذا نوع من أنواع الاستعانة. فإذا كرر العبد بلسان المقال، وبلسان الحال، وصار بلسانه وبقلبه تحقيق هذا المعنى، لم تحصل عنده شائبة الشرك: لا لفظية، ولا قولية، ولا فعلية، ولا حالية. يعني: حتى في قلبه. القلب تجرد لله -عز وجل- يعلم أن الأمر كله لله. فلذلك لا يلتجئ إلا إلى الله. قال -رحمه الله-: فأولوا «اهدنا الصراط المستقيم»، أي: ارشدنا إليه. قال: ويبدل من يعني: نطلب من الله -سبحانه وتعالى- الهداية. والهداية معنى أوسع من الإرشاد، بل الهداية: الإرشاد والتوفيق والإعانة. فإذا سألت الله -عز وجل- بعد علمك أنه يملك كل شيء وحده لا شريك له، وأنه يستحق العبادة وحده لا شريك له، فأنت تطلب منه بقلب خالص ولسان صادق. فعند ذلك يأتيك ما طلبت وسألت من الله -سبحانه وتعالى-. وقوله: «الصراط المستقيم» سيأتي -إن شاء الله-. ووصف الصراط -وهو الطريق الواسع- بالمستقيم؛ إشارة إلى ما سواه من غير صراط الله؛ فهو ليس مستقيمًا، بل هو أعوج: حسا ومعنى. كما قال الله -عز وجل-: «وأن هذا صراط ماذا؟ مستقيما». يعني: استقامة حسية، واستقامة معنوية. «فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله». في حديث ابن مسعود -مسند الإمام أحمد وغيره-: خط النبي -صلى الله عليه وسلم- خطا مستقيما طويلا، وخطوطا عن يمينه ويساره، وقال: «هذا صراط الله، وهذه سبل الشيطان». الشاهد هو: تأكيد أن الصراط هو الطريق الواسع المستقيم: حسا ومعنى. وهو يدل على اجتناب ما سواه من الطرق المنحرفة المعوجة: حسا ومعنى. وهو كل طريق ليس طريق الله -عز وجل-. طيب، نقف إلى هنا، ونكمل -إن شاء الله- في درس قادم. وإلى الله تعالى أعلم.