الدرس في تفسير سورة الملك من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع تفسير سورة الملك وشرح معنى "تبارك" مع التركيز على إثبات الصفات لله تعالى. يُظهر أهمية فهم عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا السياق.
يناقش المقطع تفسير صفات الله تعالى مثل اليد والملك، ويؤكد على إثباتها على ما يليق بجلاله. كما يتناول مسألة وجودية الموت مستندا إلى أدلة الكتاب والسنة.
يشرح المقطع معنى خلق الموت والحياة ويفند آراء مختلفة حول الموضوع. كما يتطرق إلى مسألة اختبار الله للإنسان في مختلف المراحل.
ذكر حديث أبي هريرة في فضل سورة الملك وأنها تشفع لصاحبها، وأشار إلى حديث جابر في فضل قراءتها كل ليلة قبل النوم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. تبارك الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور. قال المفسر رحمه الله تعالى: سورة الملك مكية، ثلاثون آية. بسم الله الرحمن الرحيم، تبارك تنزه عن صفات المحدثين، الذي بيده في تصرفه الملك، السلطان والقدرة، وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت في الدنيا والحياة في الآخرة، أو هما في الدنيا، فالنطفة تعرض لها الحياة، وهي ما به الإحساس، والموت ضدها أو عدمها قولان، والخلق على الثاني بمعنى التقدير، ليبلوكم ليختبركم في الحياة أيكم أحسن عملا، أطوع لله، وهو العزيز في انتقامه ممن عصاه، الغفور لمن تاب إليه. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذه سورة عظيمة من سور القرآن، سورة الملك، وكما ذكر مفسر رحمه الله أنها مكية، ثلاثون آية، وعلم هذا بآياتها وسياقها، وما ذكر كذلك في تفسيرها مما سيأتي معنا إن شاء الله. وقوله سبحانه: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ تقدم وتكرر وتقرر أنها آية من كل سورة استفتحت بها سور القرآن، إلا سورة براءة، ومر معنى الكلام على معناها بما يغني عن الإعادة. وقوله جل وعلا: ﴿تبارك﴾ قال المفسر: تنزه عن صفات المحدثين، وهذا التعبير خطأ، وفيه مدخل لأهل الكلام، وهي عبارة موهمة ومشعرة لتعطيل الصفات، إذ عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الصفات إثبات ما أثبت الله عز وجل لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. فما أثبته الله عز وجل لنفسه أثبتناه، إثبات وجود لا نتعرض له لا بتحريف ولا بتعطيل، فلا نقول: أن هذه الأسماء أو الصفات لا تدل على ظواهرها، أو أن ظواهرها تدل على كذا وكذا مما ينافي ذاك الظاهر، كل هذا من التحريف والتعطيل، سواء كانت الأسماء والصفات فيها معاني معنوية أو كانت فيها معاني ذاتية. أثبت الله عز وجل لنفسه اسم السميع البصير، فنثبت له هذان الإسمان العظيمان، ونثبت ما تضمنته من صفتي السمع والبصر، أثبت لنفسه العلو، نثبت له العلو على ما يليق بجلاله وعظمته، أثبت لنفسه العين واليد، نثبت له سبحانه العين واليد على ما يليق بجلاله وعظمته، كل ذلك من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. فلا كما أننا لا ننفيها، لا نقول أنها تشبه صفات المخلوقين، لا المعنوية منها ولا الذاتية، بل كل ذلك على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه، ونثبتها إثبات وجود، أي أنها موجودة وحقيقية، من غير أن نتعرض لكيفيتها ولا لتمثيلها، لأن الله العظيم سبحانه كما قال عن نفسه: ﴿ليس كمثله شيء﴾، ومع عدم وجود المماثلة، فنثبت له كذلك ما أثبت لنفسه. لهذا أكملت الآية بقوله: ﴿وهو السميع البصير﴾، ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته، ومع ذلك عدم وجود المثلية لا يعني نفي وجود ما أثبت الله لنفسه، بل نثبت ما أثبت الله لنفسه في كتابه أو في صحيح سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك، كما أننا نثبت لله ذاتا تليق بجلاله وعظمته لا كالذوات، فكذلك نثبت لله عز وجل الصفات لا كالصفات، ولذلك صار من عقيدة أهل السنة والجماعة إمرار الصفات كما جاءت، يعني لا نتعرض لها لا بتحريف وتعطيل فننفيها لفظا أو معنا، ولا نتعرض لها بتكييف وتمثيل، فكذلك نبعدها عن حقيقتها. قول المفسر: "تنزه عن صفات المحدثين"، إن أريد به معنى من غير تمثيل فهذا صحيح، لكن طريقة النفاة من الجهمية والكلابية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية أنهم ينفون الصفات بحجة أن إثباتها يلزم المشابهة بصفات المحدثين، وهذا خطأ. ويؤكد هذا ما ذكره في الآية التي بعدها، فالتفسير الصحيح بمعنى تبارك، أي تنزه وتعاظم لتعاظم ذاته وأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، ولفظ تبارك يدل على التعاظم في البركة سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى المبارك بذاته وفي أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، وهو الذي يجعل البركة حيث شاء وكيف شاء ومتى شاء سبحانه وتعالى، كل ذلك على ما يليق بجلاله وعظمته. وقول سبحانه: ﴿الذي بيده الملك﴾، قال: في تصرفه، وهذا خطأ آخر، فإنه ليس من الصواب أن نفسر اليد بالتصرف، بل نثبت لله اليد التي أثبتها لنفسه كما تقدم، من غير أن نتعرض لها بتحريف أو تعطيل. ومن التحريف والتعطيل أننا ننفي لفظ اليد، فإن ذلك تعطيل لما أثبت الله عز وجل لنفسه، وكل المعطلة من الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية ينفون هذه الصفة، ثم منهم من يحرف معناها فيجعلها بمعنى التصرف والإحاطة والقدرة ونحو ذلك من العبارات، فيفسرونها بأثرها أو بلوازمها. وأهل السنة والجماعة يثبتون الصفة وآثارها، وآثارها على ما يليق بجلاله وعظمته، الله عز وجل أثبت لنفسه اليد واليدين، الذي بيده نقول: لله يد تليق بجلاله وعظمته، ولا يلزم أن تكون كيد المخلوقين حتى نقول أن إثبات اليد يستلزم أن تكون كيد المخلوقين. فالقول في الصفات فرع عن القول في الذات، كما أننا نثبت لله ذاتا لا كالذوات، فنثبت لله صفات لا كالصفات، من ذا الذي ينفي عن الله الذات؟ الله أثبت لنفسه ذاتا مقدسة تليق بجلاله وعظمته، فهل ننفي الذات لأجل أن ننزه عن مشابهة المخلوقات؟ الجواب: لا، ولا يفعل هذا أحد حتى من أهل التعطيل. أثبت لله ذاتا تليق بجلاله وعظمته لا كالذوات، فكذلك نثبت لله عز وجل الصفات لا كصفات المخلوقين، على ما يليق بجلاله وعظمته، ثم هذه اليد تدل على عظيم تصرفه وقدرته وقوته، هذا شيء آخر يضاف، ولا يعني ذلك أن ننفي ونحرف ما أثبت الله عز وجل لنفسه، بل نثبتها على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. الذي بيده الملك، قال: السلطان والقدرة، وهذا من معاني الملك، فالملك هو من معانيه السلطان والقدرة، وكذلك الإحاطة وغير ذلك من المعاني التي تحتفي بها هذه اللفظة. وهو على كل شيء قدير، تأكيد بسعة ملكه سبحانه وتعالى وقدرته وإحاطته وعظيم سلطانه سبحانه وتعالى، فلا أحد يخرج عن عظيم قدرته لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل. وقوله: ﴿الذي خلق الموت﴾، قال: في الدنيا، وهذه اللفظة كذلك لم تأت من فراغ، بل هي جاءت على مسألة حصل فيها نزاع وخلاف أثارها المتكلمون تبعا لمن أثارها من الفلاسفة، وهي هل الموت أمر وجودي أم عدمي؟ فإن الكثير من الفلاسفة وتبعهم على ذلك الكثير من أهل الكلام أن الموت أمر عدمي، يعني ليس شيئا يوجد وموجود، بل هو عدم، فإذا لم توجد الحياة فإن ذلك معناه الموت، الذي عندهم معناه العدم. وهذا القول ليس بالصحيح، بل أدلة الكتاب والسنة تدل أن الموت أمر وجودي، بل يؤتى به يوم القيامة كما صحت به السنة، فيذبح، وهذا يدل أنه وجودي. أو عدمي أنه وجودي، ولو كان معنويا إلا أن الله عز وجل يجعله حسا يوم القيامة، يؤتى به كحس، وهذا يؤكد أنه أمر وجودي، ولا ينافي ما جاء في بعض الآيات أن الموت قبل هذه الحياة كان شبيها بالعدم. والجمع بينها والأصل أننا نجمع بين ما ظاهره التعارض ولا نجعلها متعارضة، فهنا يقول: الذي خلق الموت، أي الموت شيء مخلوق يخلقه الله سبحانه وتعالى، تفسيره عند أهل السنة أن الموت هو أمر وجودي حصل فيه تعطيل بعض صفاته. مثل العمى، العمى ليس بأمر عدمي، وهذا من باب تقريب المعنى، فالأعمى هل معدوم العين؟ ليس بمعدوم العين، وإنما نزع من العين بعض صفاتها، فصار صاحبها يوصف بأنه ماذا؟ أعمى، ومعضهم يقول: العمى إضافة وصف للعين، هذا الوصف وجودي، عطل ماذا؟ عطل الرؤية، فصار بدل أن يكون بصيرا صار أعمى. والأمراض والأمراض وجودية وعدمية وجودية، ولذلك تجد العملة أسباب كثيرة، وكل أسبابها أمراض، وهذه الأمراض وجودية أكثرها وجودية. ثم أمر آخر، الموت عند أهل السنة والجماعة كذلك، وبأدلة الكتاب والسنة هو معنى آخر لاختلاف أحوال الحياة، فالحياة الدنيوية على الوصف الذي نحن نعرفها، والانتقال إلى الحياة البرزخية عند أهل السنة حياة أخرى. وهذه الحياة الأخرى يوصف لجزء منها بالموت، وهو ماذا؟ الجسد، الجسد يأتيه وصف الموت، والروح هل تموت؟ لا، وإنما تنتقل من الحياة الدنيا إلى الحياة البرزخية، وهكذا تنتقل من الحياة البرزخية إلى الحياة الأخروية. فالروح حية لم تمت، والجسد هو الذي وجد فيه صفة الموت، فهي صفة وجودية كذلك، يوم البعث والنشور الله عز وجل يحيي الأجساد، يحيي الأجساد، فتنبت في القبور ينبتها الله عز وجل كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره. ينزل مطرا كمني الرجال، فينبت الناس من عظمة الظهر، ثم يكونون بعد ذلك كالجراد المنتشر، يحييهم الله عز وجل، وهذا معناه كذلك أن الحياة الجسدية لم تنته بالكلية، بل تراجعت في ذاك الجزء الصغير في آخر الظهر، ووصفت بوصف الموت، ثم يحييها الله عز وجل متى شاء وكيف شاء سبحانه وتعالى. وهكذا بعد أن خلق آدم أوجد في صلبه ذريته، فذريته موجودة، لكنها وضعت لها صفة وهي صفة ماذا؟ الموت، صفة وجودية، صفة الموت صفة وجودية، فما في النطفة وفي الصلب هذه صفة وجودية. وقبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام لم يكن آدم، لكن الله عز وجل شاء فخلقه من طين سبحانه وتعالى، وهكذا قل في المخلوقات، فتحول المخلوقات كله عبارة عن إيش؟ وجود أو عدم؟ وجود. وبهذه الاعتبارات يجمع بين ما ظاهره التعارض في الآيات في هذا المعنى، فمن الخطأ أن نخص خلق الموت بأنه ماذا؟ في الدنيا، بل الموت أمر وجودي خلقه الله عز وجل حيث خلقه سبحانه وتعالى في الدنيا، وهكذا كذلك يخلقه يوم القيامة ويكون حسا، وكذلك يخلقه متى شاء وكيف شاء. قال: والحياة قال: في الآخرة، يعني خص الحياة بأنها الحياة الدائمة، والصحيح أن الحياة كذلك خلقها الله عز وجل أنواع، فالحياة الدنيا ناقصة، والحياة البرزخية ناقصة، والحياة الأخروية حياة ماذا؟ كاملة. فالحياة خلقها الله عز وجل أنواع، والموت خلقه الله عز وجل كذلك أنواع. قال: أو هما في الدنيا، فالنطفة تعرض لها الحياة، وهي ما به الإحساس، والموت ضدها أو عدمها قولان، والصحيح التفصيل في هذا على ما تقدم، سبق الإشارة إليه. قال: والخلق على الثاني بمعنى التقدير، والخلق على الثاني يعني على القول الثاني، على الأول أنه ضد الحياة، وما ليس به إحساس، وهذا ليس بصحيح، بل الميت عنده إحساس، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كسر عظم الميت ككسره حيا»، فدل أن الميت يشعر بما يؤذى به وهو ميت، ولهذا أمر بعدم أذيته بعد موته. وقوله: أو عدمها، يعني أنها معدومة، وهذا تقدم عدم صوابه. قال: والخلق على الثاني بمعنى التقدير، يعني أنه تقدير وجود الحياة بعد العدم، وهذا كذلك ليس بالصحيح كما تقدم، وفيه تفصيل سبقت الإشارة إليه. قال: ليبلوكم، قال: ليختبركم في هذه الحياة، بل الاختبار في كل المواضع، الله عز وجل يختبر هذا الإنسان في هذه الحياة بأن يختار طريق الخير من طريق الشر، وطريق الإيمان من طريق الكفر، وكذلك في البرزخ، فيرسل له ملكان ويختبرانه. والبرزخ موت، ولكنه موت أصغر بالنسبة لما بعده، وأكبر بالنسبة لما قبله، فالنائم ميت سماه الله عز وجل ميتا، ولكنه موت أصغر، وهكذا. قال: وهو العزيز، قال: في انتقامه ممن عصاه، والله عز وجل له اسم العزيز، وصفة العزة، ومن صفة العزة أنه ينتقم ممن عصاه، فلا نفسر العزة بأنه الانتقام ممن عصاه، هذا كذلك موضع آخر من مواضع ماذا؟ التعطيل والتحريف. الغفور، قال: لمن تاب إليه، فنحن نقول: اسمه الغفور يتضمن صفة المغفرة، ومن آثارها أنه يتوب على من تاب عليه، ولا نحرف فننفي صفة المغفرة، فنثبت له ذلك على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. يقول: هل يفهم من درس أمس أن لله صفة الروح؟ ما قلنا أن لله صفة الروح، يعني, من فهم هذا فقد أخطأ، لم يتلفظ بهذا، ولا يوصف بهذا. غارة الله فيكم، إنما كما تقدم معناه أن الله عز وجل أرسل جبريلا بما أرسله به في أعمال كثيرة، ومنها نفع الروح المخلوقة في مريم رضي الله عنها ورضاها. كيف مرة معنا في كلام على الفاتحة أن مختلف: هل آية منفصلة أو آية من نفس السورة؟ والصحيح أنها آية منفصلة، نقول: آية استفتح بها السورة، ليست من السورة، مسألة كونها من السورة فيها خلاف. وذكر هنا حديث، ذكرها هنا حديث في فضل سورة الملك، حديث أبي هريرة: «سورة من القرآن ثلاثون آية تشفع لصاحبها»، يعني صاحبها قارئها وحافظها، وجاء في حديث جابر يحسنه بعض أهل العلم بفضل قراءتها كل ليلة، هذا أصح ما روي في سورة الملك، أصح ما روي في سورة الملك أي عند النوم. نعم، عند النوم، فهذا أصح ما روي في سورة الملك، ذكر السجدة بعضهم يصححها، وبعضهم يضعها. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم النبي محمد، وآله الصحابة السلام.