شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 2

شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 2

الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 2، الدرس الثاني : ( 3 -فلم يخل جل ثناؤه أحدا من ... ومضلات الآراء إنه سميع الدعاء ) . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ابتلاء الله تعالى للرسل وأوليائه ورفع منزلتهم

يشرح هذا الفصل ابتلاء الله تعالى للرسل وأوليائه والمقصود من هذا الابتلاء، حيث يرفع منزلة المبتلى ويزيد كرامته عند الله تعالى. يميز الابتلاء بين الصادق والكاذب والمؤمن والمنافق.

التمييز بين أهل الحق وأهل الباطل من خلال الابتلاء

يفصل هذا الفصل الفرق بين محنة أهل الحق وأهل الباطل، حيث تكون محنة أهل الحق رفعة وعزة، بينما تكون محنة أهل الباطل ضلالاً ومهانة. يُظهر الله عز وجل الفضل بين الصادقين والكاذبين من خلال نتائج ابتلاءاتهم.

صفات وخصائص العلماء الربانيين ومنزلتهم الرفيعة

يتناول هذا الفصل بيان فضل أهل العلم وخصائصهم وصفاتهم، حيث يرفع الله درجاتهم ويجعلهم أئمة للهدى ومصابيحا للدجا. يكونون مرجعا للناس عند الحاجة والشدائد، ولا يمنعهم سوء معاملة الناس لهم من التعطف والتحنن عليهم ونصحهم وإرشادهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. فلم يخلُ جلّ في ثناه أحدًا من مكرم رسله المقربين، وأولياء من محنة في عاجلة دون آجلة؛ ليستوجد بصبره عليها من ربه من الكرامة ما عدله، ومن المنزلة التي لديه ما كتبه له. ثم جعل تعالى جل وعلا ذكره علماء كل أمة، كل أمة نبي ابتعد منهم، والراكب من بعده، والقوام بدينه بعد اكترانه إليه، وقضه الدافعين عن عراق واسبابه، والحامين عن علامه وشرائعه، والناصبين دونه لمن بغاء، وحاذه الدافعين عنه كيد الشيطان وضلاله. يقول المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل، أو في هذا المقطع من مقدمته: «أن الله جل وعلا لم يخلي جلّ في ثناه أحدًا من مكرم رسله ومقرب أولياء من محنة في عاجلة دون آجلة». ومعنى أن الله عز وجل إذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام قد ابتلوا بالمحن، وقد أخبر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام بذلك، كما صبر أولي العزم من الرسل، فإذا كان كذلك فهذه سنة الله أن يبتلي ويمتحن سبحانه وتعالى. وبيّن رحمه الله أن الغرض من هذا الامتحان والابتلاء هو الرفع، قال: «ما عد لهم لصبره عليه من ربه من الكرامة، هذا في الآخرة، وفي الدنيا ما عده له، ومن المنزلة لديه ما كتبه له». فيرفع الله عز وجل أهل الحق بهذه الفتن والمحن، يظن الناس أنها شر وسوء، وفي الحقيقة أن بها الخير؛ لأن الله عز وجل يميز فيها بين النافع والضار، والطيب والخبيث، والصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق. ويجعل الله جل وعلا هذه الفتن والمحن سببا لمعرفة فضل أهل العلم وأهل الفضل، فإنه بأهل الفضل تعرف الرذائل، فيكون بذلك الخير العاجل والآجل. أي: بما يكون من هذا الابتلاء، والآثار الحسنة بعد هذا الابتلاء. وهذه هي الجمل والعبارات كلها تأكيد لهذا المعنى، وهو ما ذكره أن الله عز وجل جعل هؤلاء ورثة الأنبياء. أي: فإذا كانوا ورثة الأنبياء، فأهم يكون لهم ما يكون للأنبياء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر». ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل». فعلم بهذا أن من سلك طريق الأنبياء وورث الأنبياء في العلم، لا بد أن يورثهم كذلك في المحنة والابتلاء، فيكون في ذلك سبب لرفعته. وما من محنة يصاب بها إلا ويكون فيها رفع له. وهنا يحق أن يُنبه بشيء، وهو أن محن وبلايا أهل الحق وأهل الصدق تختلف عن المحن التي يكون بها العذاب ويكون فيها التنكيل. فإن البلاء بلاء، وإن المحنة محنة، لكن محنة أهل الحق يكون فيها العزة ويكون فيها الرفعة، وأما محنة أهل الباطل والضلال يكون فيها الضلال والمهان، هذا هو الفرق. فالله عز وجل ابتلى بني إسرائيل، وابتل الله عز وجل في بني إسرائيل الأنبياء، لكن هل بلاء بني إسرائيل الكفار منهم؟ فبلاء أهل الإيمان منهم، الجواب: لا. فجنس بلاء أهل الإيمان هو من النوع الذي تكون فيه الرفعة والعزة، وجنس بلاء الكفار يكون فيه الضلال والمهان. وهذا الفرق بين الصادقين والكاذبين، الجميع يبتلون، ولكن بلاء أهل الصدق رفعة. كيف يعرف أنه رفعة بنهاية البلاء والمحنة؟ فنهايتها رفعة. أما أهل الكذب والنفاق، فإن بلاءهم يكون ذلة. كيف يعرف ذلك بنهاية هذه المحنة والفتنة؟ فإن الله عز وجل يذلهم بها ويعذبهم ويعاقبهم بها، فيظهر فيها آثار العقاب والعذاب، بخلاف أهل الصدق والحق، فإن المحنة إنما هي فترة مؤقتة، حتى إذا استيئست الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا، جاءهم النصر، ﴿فَنَجَّيْنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾، هذه سنة الله جل وعلا، محنة مؤقتة تكون بعدها الرفعة والعز، هذا هو الفارق، وبه يعرف الفضل. قال الإمام: «وَجَعَلَهُمُ الْأَئِمَّةَ الْهَادِينَ مِنْ أَجْلِ الْعِلْمِ، وَفَضَّلَهُمْ بِشَرَفِ الْعِلْمِ، وَكَرَّمَهُمْ بِوَقَارِ الْحِلْمِ، وَجَعَلَهُمْ لِلدِّينِ وَأَهْلِهِ أَعْلَامًا، وَلِلْإِسْلَامِ وَالْهُدَى مَنَارًا، وَلِلْخَلْقِ قَادَةً، وَلِلْعِبَادِ أَئِمَّةً وَسَادَةً، إِلَيْهِمْ مَفْزَعُهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَبِهِمْ اسْتِغَاثَتُهُمْ عِنْدَ النَّائِبَةِ». لا يذنيهم عند التعطف والتحنن عليهم سوء ما هم من أنفسهم يولون، ولا تصدهم عن الرفق عليهم والرأفة بهم قبح ما يأتون محرما. منعهم طلب جزيل ثواب الله فيهم، وتوقيا لطلب رضا الله بالأخذ بالفضل عليهم. ثم جعل جل سناؤه وذكره علماء أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أفضل علماء أمم الذين خلق قبلها، فيما كان قسم لهم من المنازل والدرجات والمراتب والكرامات. فشملوا أجل لهم فيه حظا ونصيبا مع عباد الله الأطاضل بمنافعها، وامتحن خيارها بشرارها، ورفعائها بسفلها، ورقعائها، فلم يكن يثنيهم ما كانوا به منهم يقتلون، ولا كان يصدهم ما في الله منهم للقول عن النصيحة لله بعباده وبلادهم أيام حياتهم. بل كانوا بعلمهم على جهلهم يعودون، وبحلمهم لسباههم يعمدون، وبفضلهم على نفسهم يأخذون. بل كان لا يرضى كبير منهم ما يذلك لنفسه، ثم الله من فضله ذلك أيام حياته، وتعله بصدق، ثم الله من فضله لذلك أيام حياته، واتذكر منه من كريم الزفائر لديه قبل النمات، حتى تبقى لمن بعده آثار على الأيام باقية، ولو من الرشاد هادية. جزاهنا الله عن أمة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفضل ما جزاه عالم أمة عن نبيهم، وحباه من التواب أجزل ثواب، وجعلنا من قسم لهم من صالح ما قسم لهم، والحقنا بمنازلهم، وقرمنا بحبهم ومعرفة حقوقهم، وأعاذنا والمسلمين جميعا من مرديات الأهواء ومضلات الفتن ومضلات الآراء، إنه سميع الدعاء. جعل رحمه الله تعالى هذا المقطع من مقدمة رسالته كذلك ببيان فضل أهل العلم الذين هم ورثة الأنبياء، وكيف أن من سنن الله عز وجل أنه سبحانه يبتليهم. ثم ذكر رحمه الله في هذا المقام عددا من خصائصهم وصفاتهم. فقال رحمه الله: «فضلهم بشرف العلم»، يعني كان تفضيل الله عز وجل للعلماء لما كان معهم من العلم، فللعلم شرف، والله عز وجل يقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ويقول: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، فكان الشرف لأجل العلم الذي يحملون. قال: «وكرمهم بوقار الحلم»، فكان من تكريم الله عز وجل أن جعل لهم وقار الحلم، فلا يكون عالم من العلماء العاملين إلا ألبسه الله وقار الحلم، والحلم هو العفو الحسن عند المواقف السيئة. قال: «وجعلهم للدين وأهله أعلاما»، يعني جعل الله عز وجل هؤلاء العلماء للدين وأهل الدين أعلاما ليرتفع بهم أهل هذا الدين، وهذا تجد العلماء في كل زمان ومكان أئمة للهدى ومصابيحا للدجا. قال: «للإسلام والهدى منارا»، كذلك جعلهم الله عز وجل، وهذا من تشريفهم ورفعتهم وعلو منزلتهم عند الله سبحانه، أن جعلهم للإسلام والهدى منارا، والمنار هو الشيء المرتفع. قال: «وللخلق قادة وللعباد أئمة وسادة»، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، قال: «وسادة»، فالسيادة الحقيقية سيادة العلم، لا سيادة المال ولا سيادة الجاه ولا سيادة السلطان، فإن السيادة هي السيادة بالطواعية لا السيادة بالإكراه. قال: «إليهم مفزعهم عند الحاجة، وبهن استغاثتهم عند النائبة»، يعني أنهم مرجع هذه الأمة وأهل هذا الدين عند الحاجة وعند الشدائد، يرستغيثون بهم، ومعنى الاستغاثة هنا أي أنهم يطلبونهم ويدعونهم أن يفكوا عنهم هذه الكربة، بمعنى بما أعطاهم الله عز وجل من العلم. قال: «لا يذنيهم عند التعطف والتحنن عليهم سوء ما هم من أنفسهم يولون»، يعني معناه أن هؤلاء العلماء لا يذلهم ولا يمنعهم عند التعطف والتحنن عليهم، أي على هؤلاء الناس والرعية التي ينصحونهم ويوجهونهم، سوء ما هم من أنفسهم يولون، فإنهم مع ذلك يرون من سوء من الناس، سواء سوء بأنفسهم أو سوء تجاه هؤلاء العلماء، مع ذلك ما يقفون عن التعطف والتحنن والمراضي، وهذا التعطف والتحنن هو إيصال العلم والهدى إليهم والنصيحة لهم. قال: «ولا تصدهم عن الرفق عليهم والرأفة بهم قبح ما يأتون محرما»، يعني ولا تصدهم عن الرفق عليهم والرأفة بهم، معناه أنهم كذلك لا يكون مانعا لهم إذ يروا قبح هؤلاء الناس في تعاملهم مع أنفسهم من نتيان المحرمات، أو كذلك من قبح معاملتهم لهؤلاء العلماء، بل إنهم لا يزالوا يعاملونهم بالرأفة والرحمة. قال: «منعهم طلب جزيل ثواب الله فيهم، وتوقيا لطلب رضا الله بالأخذ بالفضل عليهم»، يريد بلال رحمه الله أن الذي يدفعهم إلى هذا العمل هو الطمع بثواب الله عز وجل وفضله، فهم يعملون مثل قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، وهم يعملون مع أنفسهم ومع غيرهم. وهكذا ذكر رحمه الله عددا من الصفات في هذه العبارات فيها فضل هؤلاء العلماء وعلو منزلتهم ودرجتهم، وكذلك خيرهم على الناس مع ما يكون من الناس من سوء عليهم، وهذه كلها من فضائلهم وعلو منازلهم. ولعل بهذا كفاية، وفيما ذكر إشارة تغني عن الزيادة، وبه التفي والحمد لله رب العالمين.