شرح العقيدة الواسطية للهراس 88

شرح العقيدة الواسطية للهراس 88

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 88، الدرس الثامن والثمانون:من( وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة ... وبين من يقول إنه لا يستحق على المعصية عقابا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أسماء الإيمان والدين وآراء الطوائف

تناول الشيخ ابن تيمية مسألة أسماء الإيمان والدين واختلاف الطوائف حولها. وبيّن أن أهل السنة يرون أن مرتكب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان.

مذاهب الطوائف في حكم مرتكب الكبيرة

يتناول المقطع آراء الخوارج والمعتزلة والمرجئة وأهل السنة في حكم مرتكب الكبيرة. يبرز المقطع موقف أهل السنة الوسطي بين المذاهب الأخرى.

تفسير حديث "لا يزني الزاني" وموقف أهل السنة من الكفر

المقطع يشرح تفسيرات حديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ويوضح موقف أهل السنة من الكفر بذنب. يبين المقطع حكم مرتكب المعصية عند أهل السنة.

موقف أهل السنة من العقاب والخلود في النار

أهل السنة والجماعة يتوسطون بين الوعيدية والمرجئة في مسائل العقاب والإيمان. الحكم في هذه المسائل هو وفق ما ورد في النصوص الشرعية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية، قال الشارح: قوله وفي باب أسماء الإيمان إلى آخره، كانت مسألة الأسماء والأحكام من أول ما وقع فيه النزاع في الإسلام بين الطوائف المختلفة. وكان للأحداث السياسية والحروب التي جرت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما في ذلك الحين، وما ترتب عليها من ظهور الخوارج والرافضة والقدرية، أثر كبير في ذلك النزاع -يعني مبتدأه- وإلا فهي بدعة بقيت، ولو زالت أو زال ذاك الذي وقع بين الصحابة رضي الله عنهم، فصارت عقيدة فاسدة تتبناها فرق وطوائف. قال: والمراد بالأسماء هنا أسماء الدين، مثل مؤمن ومسلم وكافر وفاسق إلى آخره. والمراد على وجه الخصوص الكلام في الفاسق الملي -أي الفاسق الذي ينتسب إلى الإسلام- ما حكمه؟ هذا الذي اختلف فيه، فقد اتفق الخوارج والمعتزلة -وهم الوعيدية- على أنه ليس بمؤمن، ثم اختلفوا: قال الخوارج كافر، وقال المعتزلة: بل هو في منزلة بين المنزلتين -يعني لا كافر ولا مؤمن- مع اتفاقهم نزع مسمى الإيمان منه. ومقابل هؤلاء المرجئة قالوا: مؤمن كامل الإيمان. وهذا خطأ وظلال، وذاك خطأ وظلال. وأما أهل السنة فقالوا: مؤمن ناقص الإيمان. وبعض المعاصي عند المعصية يرتفع الإيمان فوقه كالظلة. قال: والمراد بالأحكام أحكام أصحابهما في الدنيا والآخرة -يعني هل هو كافر أو مؤمن أو في منزل بين المنزلتين- في الدنيا، وفي الآخرة هل هو في الجنة أو في النار أو يعذب بقدر معصيته أو هو تحت المشيئة، على ما هو معروف مما تقدم. قال: فالخوارج الحرورية والمعتزلة ذهبوا إلى أنه لا يستحق اسم الإيمان إلا من صدق بجنانه وأقر بلسانه وقام بجميع الواجبات واجتنب جميع الكبائر، فمرتكب الكبيرة عندهم لا يسمى مؤمنا باتفاق بين الفريقين. وكما قلنا: إن هذا ليس على وجه الحصر، وإلا فإن معنى هذا الفكر والمذهب سرى إلى بعض الطوائف الأخرى، فبعض فرق الشيعة عندهم مذهب الوعيدية من الخوارج أو المعتزلة، وهكذا كذلك بعض فرق الباطنية عندهم بعض مذهب المرجئة. فالشاهد أن هذا على وجه التأصيل والتغليب، وإلا فليس هو حصرًا. فهذا المذهب ربما قال به طوائف تنتسب إلى فرق أخرى. قال: ولكنهم اختلفوا هل يسمى كافرًا أو لا؟ فالخوارج يسمونه كافرًا ويستحلون دمه وماله، وهكذا عرضه. ولهذا فهم يستحلون القتل، وهكذا يأخذون المال ويسبون النساء والأطفال. قال: ولهذا كفروا عليًا ومعاوية وأصحابهما، واستحلوا منهم ما يستحلون من الكفار، وهذا منتهى الباطل الذي وصلوا إليه. قالوا: أما المعتزلة فقالوا: إن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو بمنزلة بين المنزلتين. وهذا أحد الأصول التي قام عليها مذهب الاعتزال -يعني في أول الأمر- وإلا فمذهب الاعتزال بعد ذلك صار يتناول مسائل أخرى غير مسائل أسماء الإيمان، بل صارت تحته أمور كثيرة أكثر من الأصول الخمسة التي ذكروها. قالوا: واتفق الفريقان أيضًا على أن من مات على كبيرة ولم يتب منها فهو مخلد في النار. فوقع الاتفاق بينهما في أمرين -يعني الخوارج والمعتزلة- نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة، ثانيًا: خلوده في النار مع الكفار. ووقع الخلاف أيضًا في موضعين: أحدهما تسميته كافرًا، فصار هؤلاء يسمونه كافرًا -أي الخوارج- وأما المعتزلة فيتوقفون ويجعلونه في منزلة بين المنزلتين. قال: والثاني استحلال دمه وماله، وهو الحكم الدنيوي. فهؤلاء -أي الخوارج- يستحلون الدم والمال، والمعتزلة لا يستحلون؛ بل يتوقفون لكونهم يتوقفون في حكمه. وأما أهل السنة وعلماء الصحابة، على ما صدر من الخوارج فهم لم يعاملوهم بالمثل، فلم يكفروهم ولم يسبوا نساءهم ولم يخمسوا أموالهم ويغنموها كما فعلوا بأهل الإسلام. قال: وأما المرجئة فقد سبق بيان مذهبهم، وهو أنه لا يضر مع الإيمان معصية، ومرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، ولا يستحق دخول النار -هذا بالجملة- وإلا كما مر معنا: المرجئة فرق ولهم تفاصيل في بعض المسائل يختلف مذهبهم فيها، بعضهم عن بعض. فالأشعري مثلًا والقاضي توقف في نصوص الوعيد خاصة -يعني فيما يتعلق بهذا الباب- فلم يكونوا كالمرجئة الذين غلوا في باب الإرجاء. قال: فمذهب أهل السنة والجماعة وسط بين هذين المذهبين، فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص من إيمانه بقدر مرتكب من معصية. وكما مر معنا أن هذا بالجملة، وفي بعض النصوص خاصة لهم فيه تفاصيل وخلاف، لكن هذا الخلاف هو كما مر معنا في تحقيق الوقوف عند اللفظ، وليس هو خلافًا يؤدي إلى اختلاف عقدي. مثل حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن». فهذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم وغيره عن أبي هريرة، نقل عن سفيان وأحمد كراهة تأويل مثل هذا الحديث، ونص أنه على ظاهره. ومعنى على ظاهره: لا يحرف، وهكذا لا يحكم بالكفر؛ حتى لا يظن أن أمثال هؤلاء الأئمة كفروا فاعل الكبيرة من الزاني والسارق والمنتهب وشارب الخمر. ولكن أرادوا الوقوف على ظاهر الحديث؛ لأنه ربما له معنى أعظم من مجرد نقصان الإيمان بالمعصية. وهذا الذي فسرت به بعض روايات الحديث، كما مر معنا أن الإيمان يرتفع فوقه كالظلة. وفسره شيخ الإسلام بأنه التصديق المفرق بينه وبين الكافر، لم يعدم. لكن من فعل الخطيئة فهو أحد ثلاثة -يعني كونه يصل إلى الكفر- لا ما أحد يقول بهذا؛ لأنه مصدق، عنده إيمان وعنده كذلك طاعة وخوف من الله، لكن حال المعصية تلك ضعف ذاك الإيمان وذاك الخوف وتلك الطاعة، فهو أحد ثلاثة. قال: إما مضطرب في العقيدة أداه واضطرابه إلى الوقوع في هذه المعصية، فصار كالمرجئة -يعني الذين غلبوا أذلة الرجاء على الوعيد- وهذا حقيقي. صنف من الناس يتجاسر على المعاصي بماذا؟ بمعنى الإرجاء؛ لأنه يغلب أدلة الرجاء. وما أكثر هؤلاء في المجتمع، إذا قلت له: اتق الله كيف تفعل هذه المعصية؟ يقول: الله غفور رحيم، ونسي أن الله كذلك شديد العقاب. والتفسير الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله: أنه يصاب صاحبها بالغفلة والذهول عن التحريم وعظمة الرب وشدة بأسه سبحانه وتعالى، مما يجعله على هذا المعنى: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» للغفلة والذهول عن التحريم وعظمة الرب وشدة بأسه سبحانه. والتفسير الثالث: أنه لفرط الشهوة وغلبتها يقهر الإيمان فيمنعه من تصور الخطيئة، بحيث يصير الاعتقاد مغمورًا مقهورًا كالعقل مع النائم والسكران. فهذا تفسير ثالث يفسر معنى «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». وبعضهم زاد شيئًا رابعًا قال: أن يعتقد أنه محرم على العامة دون الخاصة. وهذا المعنى في الحقيقة لو وقع وقبل منه الحج على صاحبه كان كفرًا؛ لأنه لا فرق بين العامة والخاصة في تحرير الحلال وتحريم الحرام، بل شريعة الله لكل الناس، لا فرق بين نبي مرسل ولا سائر الناس الآخرين. قال رحمه الله تعالى: قال: فلا ينفون عنه الإيمان أصلا كالخوارج والمعتزلة -أي أهل السنة- ولا يقولون بأنه كامل الإيمان كالمرجئة والجهمية. فأهل السنة لا يكفرون بذنب، كما قال شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، ومنه ما أشار إليه في مجموع الفتاوى. قال: وأهل السنة لا يكفرون بذنب، ولكن يكفرون بترك ما أمر الله من الإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت -يعني أركان الإيمان- وكذا يكفرون بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة -يعني من جحد شيئًا من الواجبات المتواترة فهو كافر- وهكذا. قال: وكذا عدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة. فهذه ثلاثة خصال يكفر بها أهل السنة: إما ترك ما أمر الله من الإيمان بأركان الإيمان، وإما جحود شيء من الواجبات وما هو معلوم من الدين بالضرورة منه، أو كذلك جحود شيء من المحرمات وما هو معلوم من الدين بالضرورة منه. هذه ثلاثة خصال يكفر أهل السنة بها. ثم قال: وما سوى ذلك ففيه نزاع. وما سوى ذلك -أي ما سوى هذه الخصال الثلاث- ففيه نزاع. إذن الصلاة فيها نزاع، الصيام فيها نزاع، الحج فيها نزاع، الزكاة فيها نزاع. قال رحمه الله تعالى: وحكمه في الآخر عندهم -أي عند أهل السنة- أنه قد يعفو الله عز وجل عنه فيدخل الجنة ابتداء -أي من دون عذاب- لقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال: أو يعذبه بقدر معصيته، ولو عذب خرج بعد ذلك من النار إلى الجنة؛ لأدلة الشفاعة الكثيرة. قال: ثم يخرجه ويدخله الجنة كما سبق. وهذا الحكم أيضًا وسط بين من يقول بخلوده في النار، وبين من يقول: إنه لا يستحق على المعصية عقابًا. فأهل السنة وسط بين الوعيدية وبين المرجئة. نكتب بهذا، والله تعالى أعلم.