الدرس في شرح كتاب القواعد الأربع 5، الدرس الخامس:من(القاعدة الثانية:أنهم يقولون ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا ... والشفاعة شفاعتان شفاعة منفية وشفاعة مثبتة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ القاعدة الثانية من رسالة المؤلف، موضحًا أن الشفاعة نوعان: شفاعة منفية وشفاعة مثبتة. الشفاعة المنفية هي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
المقطع يشرح مفهوم الشفاعة ويبين أنها نوع من الدعاء الذي لا يجوز أن يطلب إلا من الله. الآيات القرآنية توضح أن الشفاعة لله وحده، وطلبها من غيره شرك.
الشفاعة نوعان: شفاعة منفية وشفاعة مثبتة، الشفاعة المثبتة تطلب من الله وتتطلب شروطا معينة. القربة هي من معاني الشفاعة وتجمع بين حصول الخير ودفع الشر.
الشفاعة قد تكون بدون الدعاء، حيث يقوم الشخص بالتقرب لغير الله بهدف نيل الشفاعة والحب، وهذا التقرب قد يكون وسيلة لتحقيق مصالح شخصية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة الثانية أنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة. فدليل القربة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ودليل الشفاعة قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة. فالشفاعة المنفية ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. والشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله، والشافع مكرم بالشفاعة، والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله بعد الإذن، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. ثنَّى المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة العظيمة بهذه القاعدة الثانية، وهي التي تتعلق بأمر الشفاعة، وهي من أهم قواعد هذه الرسالة. وكما مر معنا أن القواعد هي جمع قاعدة، والقاعدة هي أساس الشيء، وهي بالأصطلاح الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته. ولما كانت هذه القاعدة من أهم القواعد، وطأ رحمه الله تعالى بالقاعدة الأولى. فالقاعدة الأولى توطئة للوصول إلى القاعدة الثانية. فلما بيّن رحمه الله فيما سبق أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منهم من يقر أو كثير منهم من يقر بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المدبر إلى آخره، وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام، علم بأن بعض القضايا كذلك فيها شبه كبير بفعل المشركين، لأجل لا يغتر أحد بأنه قد فعل بعض خصال الإسلام وأنه بذلك قد سلم من الشرك والكفر. فهذا ليس بصحيح، بل لا بد كما مر معنا وتقدم لحصول السلامة من حصول الأمرين جميعا، وهو ثبوت الحق وانتفاء الباطل، ثبوت التوحيد وانتفاء الشرك. ذكر هذه القاعدة وثنَّى بها لأهميتها، ولكثرة تلبيس المبطلين ممن فيهم لوثة شركية من عباد القبور ومن كان على طريقتهم وشاكلتهم، فإنهم كثيرا ما يتعلقون بهذه الشبهة. فقال رحمه الله: أنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة. وأولا ينبغي أن نعلم أن الشفاعة لغة مأخوذة من الشفع، والشفع ضد الوتر. إذا عرفت ذلك عرفت المعنى المقصود من الشفاعة، فإنه ضم قول إلى قول، ضم قول إلى قول. فطالب الشفاعة يضم قوله إلى قول من يشفع له، يضم قوله إلى قول من يشفع له. إذن هو نوع من الدعاء، فإذا علمنا أنه نوع من الدعاء علم أنه لا يجوز أن يطلب إلا من الله سبحانه وتعالى، كما مر معنا الدعاء هو العبادة. فإنه لا يجوز أن يدعى إلا الله سبحانه وتعالى، ولهذا فإن الشفاعة شفاعتان كما أشار المؤلف رحمه الله. وقوله رحمه الله: أنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة، هذه الشبهة رددها كثير من المشركين في زمن المؤلف رحمه الله، وهكذا كذلك بعد زمنه وإلى يومنا هذا هم يرددون هذه الشبهة. ما دعوناهم وتوجهنا إليهم أي هؤلاء الصالحين كما يزعمون إلا لطلب القربة والشفاعة. فبيّن المؤلف رحمه الله تعالى أن هذا هو جنس ما فعله المشركون في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. فما هو الفرق بين قول المشركين الأولين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وبين قول المتأخرين من عباد القبور: ما دعوناهم إلا لطلب القربة؟ معنى طلب القربة هو نفسه قول المشركين الأولين: ليقربونا إلى الله زلفة، وهذا هو عين فعل المشركين الأولين. فعلم بذلك أن فعل هؤلاء فيه جنس من جنس فعل المشركين الأولين، فهو شرك كذلك، ولا يجوز، بل الواجب أن يكون الدعاء والتوجه لله عز وجل وحده. ولهذا بدأت الآية: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، فالواجب أن يكون الدين خالصا لله سبحانه وتعالى وحده. وهكذا كذلك قولهم لطلب القربة والشفاعة، بين المؤلف رحمه الله تعالى أن هذا من جنس كذلك فعل المشركين الأولين، فهم الذين قالوا كما أخبر الله عز وجل عنهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. فعبادتهم من هو دون الله بدعائهم والتوجه إليهم وطلب الشفاعة منهم، وهذا توضحه الآيات الأخرى الكثيرة في هذا المعنى. كما قال الله عز وجل: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. فعلم أن الشفاعة لله عز وجل وحده. وهكذا كذلك في هذا الموضع قولهم: دعوناهم وتوجهنا إليهم لطلب القرب والشفاعة، لا فرق بينه وبين فعل المشركين الأولين. وهذا ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى، أراد أن يبين أن معنى قول هؤلاء هو نفس معنى قول المشركين الأولين. فإذا كان كذلك علما أن هذا مما يبطل ما يكون من عمل، كما سبق وتقرر فيما مضى أن الشرك شبكة خبيدة تحبط به الأعمال الطيبة. كما أن الحدث يخبث ويبطل الطهارة، فكذلك الشرك يبطل التوحيد. فقولهم: لا إله إلا الله، وشهادتهم أن محمد رسول الله، وهكذا كذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل شرائع الدين مع فعلهم للشرك، مبطل لتلك الخصال كلها، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وهنا ينبغي أن نعلم وسيأتي إن شاء الله أن الواسطة والشفعاء الذين ادعاهم المشركون الأولون هي من الواسطة الممنوعة والشفاعة الممنوعة. كما سيأتي، وذلك أن الواسطة بين الحق والخلق تنقسم إلى قسمين: واسطة مثبتة، وواسطة منفية. أما الواسطة المثبتة فهي واسطة التبليغ، فهذا أثبتت أدلة الكتاب والسنة، وتقره الفطر السليم الصحيحة، أن يكون بين الله وبين خلقه واسطة في تبليغ الدين والشرع. ولهذا أرسل الرسل، وأرسل الرسل رسلاً يدعون الناس إلى ما أمرهم الله جل وعلا بالدعوة إليه، وهذا ثابت بأدلة الكتاب وصحيح السنة، وكما قلنا توافقه الفطر الصحيحة، وهو من الواسطة الجائزة المشروعة. أما الواسطة المنفية فهي واسطة الشرك والعبادة التي يفعلها هؤلاء المشركون قديماً وحديثاً، بأن يجعلوا بين الله وبين خلقه وسائط يعبدونهم من دون الله عز وجل، ويطلبون الشفاعة منهم، فهذا لا يجوز، وهذا من فعل وجنس طريقة المشركين الذين حذرنا الله عز وجل منهم. ولهذا أتبع المؤلف رحمه الله فقال: والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة. فالشفاعة المنفية هي الشفاعة التي تخلف فيها شروط الشفاعة. وما هي شروط الشفاعة؟ كما مر معنا وتقرر تقدم في دروس كثيرة، شروط الشفاعة هي: الرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع له، والإذن بالشفاعة. نعم، الإذن بالشفاعة. وهذه الشروط الثلاثة دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، كما سيأتي إن شاء الله. قل لله الشفاعة جميعا، له ملك السماوات والأرض، ثم إليه ترجعون. وهكذا شفاعة مثبتة، والشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله، وهي التي فيها شروط الشفاعة المتقدمة. طيب، نقف لهنا ونكمل إن شاء الله الباقي في درس لاحق. والله تعالى أعلم. يقول هنا: ما الفرق بين القربة والشفاعة؟ هل يقال أن الشفاعة عموم أو أن الشفاعة سبب للقربة؟ فنقول: أن القربة هي من معاني الشفاعة، فالمطلوب من الشفاعة كما سيأتي إن شاء الله هو حصول الخير ودفع الشر، ومن ذلك حصول القربة. ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وهو من معاني الشفاعة، لأنها تجمع المعنيين جميعا. يقول: هل تكون الشفاعة بدون الدعاء؟ نعم، تكون الشفاعة بدون الدعاء، فقد يأتي من يقرب ويريد بذلك الشفاعة، يقرب لغير الله عز وجل ويريد بهذا التقريب الشفاعة، نيل الحب وطلب الشفاعة. طيب، إلى هنا والله أعلم.