الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 59، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل حيل النصارى والمدعين للكرامات، موضحا أن الظواهر الخارقة للعادة غالبا ما تكون حيلا شيطانية أو صنعة بشرية. يشرح أمثلة على هذه الحيل مثل تحويل الماء إلى زيت.
يناقش هذا الفصل كيفية التمييز بين الخوارق الشيطانية والكرامات الصادقة، مؤكدا أن الكرامات الحقيقية تكون للأنبياء والصالحين. يشدد على أهمية الإيمان بجميع الأنبياء.
يبرز هذا الفصل فساد مذهب النصارى في اعتبار ظهور الخوارق دليلا على كرامة الشخص، مبينا أن هذا المذهب باطل لاستناده إلى مقدمتين باطلتين. يشير إلى بعض الحيل المستخدمة في معابدهم.
يشدد هذا الفصل على أهمية رحمة الله تعالى، موضحا أنها أمر ظاهر وواضح بإذن الله. يؤكد أن ما يبقى للشخص في النهاية هو رحمة الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الشيطان بصورة شخص غائب أو ميت ونحو ذلك، ظل بها خلق كثير من الناس من المنتسبين إلى المسلمين أو إلى أهل الكتاب وغيرهم، وهم بنوا ذلك على مقدمتين: إحداهما أن من ظهرت هذه على يديه فهو ولي لله، وبلغة النصارى هو قديس عظيم. الثانية أن من يكون كذلك فهو معصوم، فكل ما يخبر به فهو حق، وكل ما يأمر به فهو عدل. وقد لا يكون ظهرت على يديه خوارق، لا رحمانية ولا شيطانية، ولكن صنع حيلة من حيل أهل الكذب والفجور، وحيل أهل الكذب والفجور كثيرة جدا. فيظن أن ذلك من العجائب الخارقة للعادة، ولا يكون كذلك. مثل حيل المذكور عن الرهبان، وقد صنف بعض الناس مصنفا في حيل الرهبان. مثل الحيلة المحكية عن أحدهم في جعل الماء زيتا، بأن يكون الزيت في جوف منارة، فإذا نقص صب فيها ماء فيطفو الزيت على الماء، فيظن الحاضرون أن نفس الماء انقلب زيتا. ومثل الحيلة المحكية عنهم في ارتفاع النخلة، وهو أن بعضهم مر بدير راهب وأسفل منه نخلة، فأراه النخلة صعدت شيئا فشيئا حتى حاذت الدير، فأخذ من رطبها، ثم نزلت حتى عادت كما كانت. فكشف الرجل الحيلة، فوجد النخلة في سفينة في مكان منخفض، إذا أرسل عليه الماء امتلأ حتى تصعد السفينة، وإذا صرف الماء إلى موضع آخر هبطت السفينة. ومثل الحيلة المحكية عنهم في التكحل بدموع السيدة، يضعون كحلا في ماء متحرك حركة لطيفة، فيسيل حتى ينزل من تلك الصورة، فيخرج من عينها، فيظن أنه دموع. ومثل الحيلة التي صنعوها بالصورة التي يسمونها القونة، بصيد نايا، وهي أعظم مزاراتهم بعد القمامة وبيت لحم، حيث ولد المسيح، حيث قبر. فإن هذه صورة السيدة مريم، وأصلها خشبة نخلة سقيت بالأدهان حتى تنعمت، وصار الدهن يخرج منها دهنا مصنوعا، يظن أنه من بركة الصورة. ومن حيلهم الكثير النار التي يظن عوامهم أنها تنزل من السماء في عيدهم في قمامة، وهي حيلة قد شهدها غير واحد من المسلمين والنصارى، ورأوها بعيونهم أنها نار مصنوعة، يظلون بها عوامهم يظنون أنها نزلت من السماء، ويتبركون بها، وإنما هي صنعة صاحبين محال وتلبيس. ومثل ذلك، ومثل ذلك كثير من حيل النصارى. فجميع ما عند النصارى المبدلين لدين المسيح من الخوارق، إما حال شيطاني وإما حال مهتاني، ليس فيه شيء من كرامات الصالحين. وكذلك أهل الإلحاد المبدلين لدين محمد ﷺ، الذين يتخذون دينا لم يشرعه الله ورسوله، ويجعلونه طريقا إلى الله. وقد يختارونه على الطريق التي شرعها الله ورسوله، مثل أن يختاروا سماع الدفوف والشبابات على سماع كتاب الله تعالى. فقد يحصل لأحدهم من الوجد والغرام الشيطاني ما يلبسه معه الشيطان، حتى يتكلم على لسان أحدهم بكلام لا يعرفه ذلك الشخص إذا أفاق، كما يتكلم الجن على لسان المصروع. وقد يخبر بعض الحاضرين بما في نفسه، ويكون ذلك من الشيطان. فإذا فارق الشيطان ذلك الشخص لم يدر ما قال. ومنهم من يحمله الشيطان يصعد به قدام الناس في الهواء. ومنهم من يشير إلى بعض الحاضرين فيموت أو يمرض أو يصير مثل الخشبة. ومنهم من يشير إلى بعض الحاضرين فيلبسه الشيطان، ويزول عقله حتى يبقى دائرا زمانا طويلا بغير اختياره. ومنهم من يدخل النار ويأكلها، ويبقى لهبها في بدنه وشعره. ومنهم من تحضر له الشياطين طعاما أو شيئا من لادن أو سكر أو زعفران أو ماء ورد. ومنهم من تأتيه بدراهم تسرقها الشياطين من بعض المواضع، ثم من هؤلاء من إذا فرق دراهم على الحاضرين أخذت منهم، فلا يمكنون من التصرف فيها إلى أمور يطول وصفها. وآخرون ليس لهم من يعينهم على ذلك من الشياطين، فيصنعون حيالا ومخاريق. فالملحدون المبددون لدين الرسل، دين المسيح أو دين محمد ﷺ، هم كأمثالهم من أهل الإلحاد والضلال، الكفار المرتدين والمشركين ونحوهم، كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي والحارث الدمشقي وباب الرومي وغيرهم ممن لهم خوارق شيطانية. وأما أهل الحيل فيكثرون، وهؤلاء ليسوا أولياء لله، بل خوارقهم إذا كانت شيطانية من جنس خوارق الكهنة والسحرة. لم يكن لهم حال شيطاني، بل محال بهتاني، فهم متعمدون للكذب والتلبيس، بخلاف من تقترن به الشياطين، فإن فيهم من يلتبس عليه فيظن أن هذا من جنس كرامات الصالحين. كما أن فيهم من يعرف أن ذلك من الشياطين، ويفعله لتحصيل أغراضه. فالمقصود أنه كثير من القوارق ما يكون من الشياطين أو يكون حيلا ومخاريق، ويظن أنها من كرامات الصالحين. فإنما يكون شبيه الشرك أو الفجور، إنما يكون من الشيطان. مثل أن يشرك الرجل بالله، فيدعو الكواكب أو يدعو مخلوقا من البشر ميتا أو غائبا، أو يعزم ويقسم بأسماء مجهولة لا يعرف معناها، أو يعرف أنها أسماء الشياطين، أو يستعين بالفواحش والظلم. فإنما كان هذا سببه من القوارق فهو من الشيطان. كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. والصالحون لهم كرامات، مثل كرامات صالح هذه الأمة، ومثل كرامات الحواريين وغيرهم ممن كان على دين المسيح. لكن وجود الكرامات على أيدي الصالحين لا توجب أن يكون معصومين كالأنبياء. لكن يكون الرجل صالحا وليا لله، وله كرامات، ومع هذا فقد يغلط ويخطئ فيما يظنه أو فيما يسمعه ويرويه أو فيما يراه أو فيما يفهمه من الكتب. ولهذا كان كل من سوى الأنبياء يأخذ من قولهم ويترك، بخلاف الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. فإنه يجب تصديقهم في كل ما أخبروا به، وطاعتهم في كل ما أمروا به. ولهذا أوجب الله الإيمان بما أتوه، بما أوتوه، ولم يوجب الإيمان بجميع ما يأتي به غيرهم. قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾. ولهذا اتفق المسلمون على أن من كذب نبيا معلوم النبوة فهو كافر مرتد، ومن سب نبيا وجب قتله. بل يجب الإيمان بجميع ما أوتيه النبيون كلهم، وأنا نفرق بين أحد منهم، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. وليس هذا لأحد غير الأنبياء، ولو كان من الرسل الأنبياء، وكانوا من أعظم الصديقين المقدمين. فضلال الضلال من هؤلاء مبني على مقدمتين: إحداهما أن هذا له كرامة، فيكون وليا لله. والثانية أن ولي الله لا يجوز أن يخطئ، بل يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر. وليس لأحد من البشر أن يصدق في كل ما أخبر به، ويطاع في كل ما أمر، إلا أن يكون نبيا. والمقدمتان المذكورتان قد تكون إحداهما باطلا، وقد يكون كلاهما باطلا. فالرجل المعين قد لا يكون من أولياء الله، تكون خوارقه من الشياطين. وقد يكون من أولياء الله، ولكن ليس بمعصوم، بل يجوز عليه الخطأ. وقد لا يكون من أولياء الله، ولا يكون له خوارق، ولكن له محالات وأكاذيب. بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الفصل تتمة لما سبق. كذلك لما مر معنا ما سبق، وكان في سياق ما ذكر بعض تلك الخوارق التي تظهر، فيظن بها كرامة، وليس الأمر كذلك، ناسب أن ينبه عليها في هذا الفصل. وبيّن رحمه الله تعالى أولا هذا المذهب الباطل عند النصارى، والذي صار له مثل عند بعض ظلال المسلمين، وهو ما جعلوه في المقدمتين التي أشار إليهما: أن من ظهرت هذه على يديه فهو ولي لله، مع أنه كما ذكر، وكما سبق أن ظهور الخوارق قد تظهر من أكثر الناس وأفجرهم وأبعدهم عن معنى الدين، فضلا عن الحق. لأنه ليس كل من ادعى التدين فهو محق، فقد يكون بتفريط، وقد يكون بإفراط، والحق وسط بينهما، وهو الذي أنزله الله من فوق سبع سماوات. وهكذا المقدمة الثانية، وهي أعظم فسادا، وهي ما يستلزم أن من ظهر على يديه شيء من الخوارق فهو معصوم. وهذا أعظم شرا أن يجعل من ظهر على يديه معصوما، ومعنى معصوم: إذن قوله شرع ودين. وهذا هو الذي عند النصارى، الراهب عندهم كأنه إله يحلل ويحرم ويغفر الذنوب ويمحو الخطايا ويفعل ويفعل. وهذا على هذا الأصل الفاسد. ثم أشار إلى بعض الحيل، والمقصود هو التمثيل فقط. ويريد رحمه الله تعالى أن يبين كيف أن هذا الأمر لما استشرى فيهم صارت الحيل ظاهرة جدا، حتى في معابدهم وكنائسهم وعند عوامهم. وقوله: «ومثل الحيلة التي صنعوها بالصورة التي سمونها القونة»، أشار عندكم المعلق أنها يقال لها الأيقونة، هي كلمة يونانية وقبطية، وتشمل صورة للمسيح عليه الصلاة والسلام ومريم. وهذا كثير، يعني ما يعظمون الصور، سواء صور المسيح أو مريم أو صور رهبان ونحو ذلك. وربما جعلوا لها من الزيان والحيل ما جعلها شبيهة بالحية، يعني كأنها صورة حية. ويدكر هناس كثر عن عجائب رأوا فيها مثل ذلك. ومنها ما حكته أم حبيبة وأم سلمة فيما رأتاه في أرض الحبشة عن بعض تلك التصاوير. فهي سنة من سنن النصارى الباطلة القديمة. وكلما ازداد الناس في المعرفة العلمية ازدادوا في تطوير تلك الحيل والتوسع فيها. وخذ ما أشار إليه بعد ذلك من الحيل، واستخدام بعض الأدوية، إما هو من الحيل، وإما هو من فعل الشياطين. وقوله: «من لادن أو سكر أو زعفران إلى آخره»، اللادن كما أشار المعلق هو نوع مما يستخرج من الأشجار من رطوبتها، يكون مثل الصمغة، يستخدمونه في حيالهم وفي أفعالهم الشيطانية. وقوله قبل ذلك: «حيث ولد بصيد نايا»، اسم مكان وموضع، وهو من أعظم المزارات، حيث ولد المسيح، وحيث قبر، يعني فيما زعم النصارى، وإلا في المسيح عليه الصلاة والسلام رفعه الله. وباقي ما لك رحمه الله هو ظاهر واضح إن شاء الله.