القول السديد في مقاصد التوحيد 32

القول السديد في مقاصد التوحيد 32

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 32، الدرس الثاني والثلاثون:من( باب قول الله تعالى:أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ... ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم تبين له التوحيد وغربة الدين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بيان عجز النبي صلى الله عليه وسلم

يشرح المؤلف عجز النبي صلى الله عليه وسلم وعدم قدرته على النفع أو الضر لنفسه أو لغيره. يستدل بالآيات والأحاديث التي تظهر عجزه وتدل على التوحيد.

توضيح معنى الآية الكريمة ودلالتها

يفسر المقطع الآية الكريمة ويبين أنها تدل على عدم ملكية المخلوقات لأي شيء. يستشهد بأحاديث نبوية لتوضيح عجز النبي صلى الله عليه وسلم وبطلان عبادة القبور.

تحليل مواقف النبي مع الكفار ودعائه عليهم

يتناول المقطع مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار ودعاءه عليهم، مشيرا إلى عجزه وعدم قدرته على النفع أو الضر. يبين أهمية الطاعة والاستقامة لعزة المسلمين.

غربة الدين وقلة أهله

يشرح المقطع معنى غربة الدين وقلة أهله، مشيرا إلى أن تحقيق شروط لا إله إلا الله واجتناب مبطلاتها هو ما يحدد أهلها الحقيقيين. يبين أهمية ذلك في فهم التوحيد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، بكتاب كتاب التوحيد: قال: باب قول الله تعالى: ﴿أَيَشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ الآية. وفي الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال: شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وفيه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: «اللهم العن فلانا وفلانا» بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. ومعنى «وفيه» أي في الصحيح كذلك، وكما أشار المعلق إلى أنه في البخاري وغيره، وهكذا ما قبله. قال: وفي رواية: «يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمر والحارث بن هشام»، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وهؤلاء الثلاثة أسلموا بعد ذلك. قال: وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه -يعني كذلك في الصحيح- قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قال: «يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا»، «يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا». والحديث كذلك أصله في الصحيح. قال: فيه مسائل: الأولى تفسير الآيتين، الثانية قصة أحد، الثالثة قنوت سيد المرسلين وخلف سادات الأولياء يؤمنون في الصلاة، قنوت سيد المرسلين أي النبي عليه الصلاة والسلام قنوت النوازل، وخلف سادات الأولياء أي من خيار الصحابة ممن يؤمن بعده في الصلاة. قال: الرابع أن المدعو عليهم كفار، الخامس أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار، منها شجهم نبيهم وحرصهم على قتله، ومنها التمثيل بالقتلى، مع أنهم بنو عمهم كما فعلوا بحمزة وغيره من الصحابة رضي الله عنهم. قال: السادسة أنزل الله عليه في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، السابعة قوله: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فتاب عليهم فآمنوا، الثامنة القنوت في النوازل، التاسعة تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم، العاشرة لعن المعين في القنوت، الحادية عشرة قصته صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. الثانية عشرة جده صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن -يعني اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام- لو جمع أهله وقرابته وبين لهم ما يعلم من دين الله لقيل: مجنون. قال: الثالثة عشرة قولوا للأبعد والأقرب: «لا أغني عنك من الله شيئا» حتى قال: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا». فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، تبين له التوحيد وغربة الدين. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره لمسائل هذا الكتاب -كتاب التوحيد- وهو يريد بهذا الباب أن يشير ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفع ولا يضر ولا يملك من الله شيئا لنفسه، فضلا لغيره، ومن دون النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى. وهذا هو السبب والحكمة كما ذكر العلماء من ذكر الباب من دون ذكر ترجمة، بل شرع بذكر الآيات والأحاديث، قال: «باب قول الله تعالى...» وذكر الآيات والأحاديث؛ لأنه لو صرح بهذا المعنى لفتتن بذلك افتتانا عظيما، وربما اتهم بتنقصه للنبي عليه الصلاة والسلام، ولأعرض الناس عن كتابه ولعادوه عداوة شديدة. ففي هذا الموضع فقه أهل العلم، وفقه المؤلف على وجه الخصوص، وحسن السياسة الشرعية التي تعالج بها المسائل العلمية مع الناس، فليس كل شيء يدين به المرء يصرح به، فرب شيء يستطيع أن يصرح به في مجلس خاص، ولكنه لا يصرح به في مجلس عام، ورب شيء يكتب به في مكاتبة خاصة، ولكنه لا يفعل مثل ذلك في مكاتبة عامة. وهكذا ينبغي أن يكون العلماء والدعاة وطلبة العلم، عندهم من حسن السياسة الشرعية والفقه بالدين ما تكون معه مراعاة المصالح من المفاسد، وما يكون معه إيصال الحق بدون فتن ولا زوابع، وإنما المقصود هو إقامة الحجة وإيصال الحق. فأنت لو تأملت هذه الأدلة التي أوردها في الآيات وفي الأحاديث، وفي المسائل كذلك، يتجلى لك هذا المعنى في غاية من الظهور، خصوصا ما ختم في المسألة الأخيرة حين ذكر قوله: «وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، تبين له التوحيد وغربة الدين». وقوله: «باب قول الله تعالى: ﴿أَيَشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ الآية»، هذا استفهام استنكاري، وفيه معنى التوبيخ، والمقصود منه بيان حق الله عز وجل وحق العباد. فحق الله أن لا يشرك به شيئا، وأن يُعبد سبحانه وتعالى لا يُعبد معه غيره، فهو الخالق لا خالق غيره، فهو الذي يُفرد بالعبادة سبحانه وتعالى. وحق العباد أن لا يُعذبهم إن هم عبدوه وحده سبحانه وتعالى، كما قال ابن القيم رحمه الله: «للرب حق ليس يُشبه غيره، ولعبده حق»، فهما حقان. ومعناه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟» الحديث. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ أي لا يملكون ملكا استقلاليا، صحيح الإنسان يملك، لكن هذا الملك ليس ملك استقلالي، ولهذا فهو مبدوء بعدم، ويمر بنقص، وينتهي بعدم، فهو ليس ملك استقلالي. فالعبد فقير مهما ملك إلى الله سبحانه وتعالى، والشاهد من الآية أنها عامة حتى الأنبياء ما يملكون شيئا حتى القطمير لا يملكونه. والقطمير ما هو؟ الغشاء المحيط بالنواة، نواة التمرة يحيط بها غشاء رقيق شفاف، يصعب أن يخرجه الإنسان كاملا غير متمزق، هذا هو القطمير. فالمخلوق الضعيف لا يملك حتى القطمير، أضعف شيء وأهون شيء، وما ليس له قيمة لا يملكه الإنسان، الله خلقه، والله سبحانه وتعالى يذهبه، فهو لله أولا وانتهاء. وقوله: «في الصحيح عن أنس...» هذا الحديث أورده ليبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أصابه ما أصابه، ولو كان يملك نفعا أو ضرا لدفع عن نفسه عليه الصلاة والسلام، وهذا من حكمة ابتلاء الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام أن تبقى لهم مقام العبودية، مع ما يرفعهم الله عز وجل به من الدرجات، هذا من الحكم، وليس كل الحكم. ولهذا لما دعا وقال: «نزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾» وهكذا حديث ابن عمر، الشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن ينتصر بالدعاء: «اللهم العن فلانا وفلانا»، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وهذا يؤكد ما سبق أن الأنبياء ومنهم نبينا عليه الصلاة والسلام لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فضلا عن غيرهم، بل الأمر كله لله سبحانه وتعالى. وفيه دليل على عدم جواز لعن المعين الكافر إذا كان حيا، فالمسلم من باب أولى. استدل به أهل العلم أنه لا يجوز لعن الكافر المعين إذا كان حيا، فالمسلم من باب أولى. وما ورد من الأدلة ظاهره خلاف هذا، فهو على أحد معنيين: إما قبل هذا النسخ، فهذا النسخ لهذا الحكم كما نص كثير من أهل العلم، وإما أن يكون لمعنى آخر له توجيه، والكلام عليه في موضعه، فهي قضايا أعيان. وقوله: «وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمر والحارث بن هشام...» كل هؤلاء الثلاثة أسلموا بعد ذلك، دعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام فنهاه الله عز وجل، وهذا فيه إشارة إلى ثلاثة معان: أولها عدم جواز لعن المعين ولو كان كافرا إذا كان حيا. وثانيها أن من حكمة عدم لعن المعين ولو كان كافرا أن يكون ذلك مدعاة لأن يسلم على خير، وأن يسلم، وهكذا أسلم هؤلاء الثلاثة. وثالثا أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب. وقول: «وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه...» الحديث، الشاهد منه -والأحاديث كلها فيها مسائل كثيرة- لكن يقتصر على الشاهد والمهم مما يتعلق بالباب. الشاهد منه تكرار قوله عليه الصلاة والسلام: «لا أغني عنكم من الله شيئا، لا أغني عنك من الله شيئا، لا أغني عنك من الله شيئا». فإذا كان لا يملك ذلك لأقرب الناس إليه عليه الصلاة والسلام، ومنهم ابنته فاطمة رضي الله عنها، فكيف بمن هو دون هؤلاء؟ فهذا يدل أن ما يفعله عباد القبور -سواء مع النبي عليه الصلاة والسلام أو مع من دونه- من باب أولى أنه منافي لهذا المعنى تمام المنافاة. فإذا قال ذلك في حياته، فكيف بعد موته؟ فكيف بمن هو دونه في المنزلة؟ وكل هذا فيه دلالة واضحة وظاهرة على بطلان ما يسلكه عباد القبور. ولهذا زاد بعضهم لفظة «كذبا» في هذا الحديث: «لا أغني عنكم من الله شيئا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله»، يريدون أن من قال: «لا إله إلا الله» يغني عنه شيئا، وهذا كذب على النبي عليه الصلاة والسلام كما ذكر العلماء ذلك عن بعض من زعم هذه اللفظة وذكرها في شبهة كداود بن جرجيس. مع أن فاطمة رضي الله عنها هي تقول: «لا إله إلا الله»، ومع ذلك قال لها: «لا أغني عنك من الله شيئا». وهذا يدل على أنهم لا يفقهون الأدلة، مع ما فيه من الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام. وقوله: «فيه مسائل...» الأولى تفسير الآيتين كما سبقت الإشارة إليه، وقوله: «الثانية قصة أحد» يعني مبتلية فيها أهل الإسلام ومنهم النبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذا. وفي هذا حكم كثيرة، ومن أهمها ما سبق من كون النبي عليه الصلاة والسلام -فضلا عن من دونه- لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عن غيره. ومما وقع للمسلمين مع الكافرين مما يبين أن عزة أهل الإسلام بالطاعة والاستقامة، فإذا كان هذا في معصية بعض الجيش، فكيف بمعصية المرء نفسه؟ وإذا كان هذا في خير الناس، فكيف بمن دونهم؟ ولهذا مثل النبي عليه الصلاة والسلام المجتمع والناس فيه كالسفينة في البحر، القائم بحدود الله والواقع فيها تكاد أن تغرق إذا لم يأخذ القائمون بدين الله الواقعون في حدود الله -أي على أيديهم- وكذلك قضية الدعاء وأنه نهي عن ذلك كما تقدم. وقوله: «الثالث قنوت سيد المرسلين» يعني قنوت النوازل وخلف سادات الأولياء، يريد الصحابة وخيار الصحابة، ومع ذلك فالله عز وجل أنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. فإذا كان هذا في حق دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف بدعاء من دونه؟ كيف بدعاء من دون النبي عليه الصلاة والسلام؟ وفيما لا يجوز؟ وقوله: «الرابع أن المدعو عليهم كفار» يعني هذا أقرب للدعاء ومع ذلك قال الله عز وجل لنبيه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. فكيف يزعم من يزعم من عباد القبور أن من دون النبي عليه الصلاة والسلام ينفع ويضر؟ وقوله: «الخامس أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار» يعني من شدة الإيذاء ليس لمسلم، بل لنبي من الأنبياء، بل لخير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما ذكر وبين. ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهي أن يلعنهم بأعيانهم، ومع ذلك لم يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عن غيره. فكيف بعد موته يظن أنه يملك نفعا أو ضرا، أو يظن بمن دونه يملك نفعا وضرا؟ وقوله: «السادسة أنزل الله عليه في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾». فإذا كان هذا في حق الكفار، فكيف فيما يفعله عباد القبور وهو ميت عليه الصلاة والسلام؟ وكيف بمن هو دونه وهم أموات؟ وقوله: «السابعة قوله: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فتاب عليهم فآمنوا» فيه إشارة أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، فمن دون النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى. وقوله: «القنوت في النوازل» أي مشروعيته، ويريد أن هذا الدعاء حق يقال، ولا يقال في غيره، خلافا للمتمذهبة، فالقنوت إنما في الفجر في النوازل، ليس في غيره. التاسعة تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم، يعني يجوز أن يدعو عليهم بغير اللعن، كأن يسمي قبائل وطوائف وأمم وبلاد أو أشخاص يدعو عليهم بغير اللعن. العاشرة لعن المعين في القنوت وأنه منسوخ، يعني الصحيح أنه منسوخ. الحادية عشرة قصته صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ يعني في قوله: «لا أغني عنكم من الله شيئا» الحديث. وقوله: «الثانية عشرة جده صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر» يعني بتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، حتى أنه دعا قومه على هذا الوصف، وبمثل هذا اتهم عليه الصلاة والسلام بالجنون. واليوم لو فعل مثل هذا مسلم، قالوا: هذا مجنون. مثل ما تقول العامة اليوم: يقولون: مساكين المطاوعة، إذا أحد منهم تطوع، صار مجنون. كيف مجنون؟ قالوا: قصر ثوبه، ولبس عمامة، وأعفى لحيته، وربما يمشي أحيانا بدون نعل، أو يدخل المقبرة بدون نعل، وربما إذا سقطت اللقمة أخذها من الأرض، وهكذا يتتبعون ما يظنون أنه لا يفعله عقلاء؛ لأنه بميزان عقولهم الخاطئة، ليس بميزان الشرع. قوله: «الثالثة عشرة قوله للأبعد والأقرب: لا أغني عنك من الله شيئا» حتى قال: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا»، يشير إلى أنه إذا قال ذلك في حق قرابته القريب والبعيد، فمن دونهم من باب أولى. فمن دون النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى لا يغني عن أحد شيئا. فإذا كان هذا بحياته، فكيف بعد مماته؟ والعجب أن هؤلاء عباد القبور صار عندهم وثنية وتعمية لهذا الباب، حتى صار دين الكثير من العامة هو الفجور والفسوق كفجور النصارى. فإذا كان يوم الزيارة جاء بما معه من صدقة ونذر، وزعم أن إتيانه إلى القبر يكفر عنه كل ما سبق، فلذلك تجده قاطع صلاة، بعيد عن الواجبات، فاعل المحرمات والفواحش، لا يتردد ولا يتحاشى ولا يستحي من كل منكر صغير ولا كبير. فإذا كان يوم الزيارة كان من الأولين، كأنه قضية سقوا الغفران عند النصارى. فإذا انتهت الزيارة، طبطب عليه سدنة القبور: «ارجعوا مغفورا لكم، ارجعوا مغفورا لكم». وهكذا يرجع إلى ما كان عليه من ذلك الباطل وحياة السوء، إلى موعد الزيارة في السنة القادمة، وهكذا صار دينهم كدين أهل الجاهلية وأشد. مع أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: «لا أغني عنك من الله شيئا» لابنته فاطمة، وهي مسلمة، بل من خيرة المسلمات. وقوله: «فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين» يعني فاطمة رضي الله عنها. «وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق» يعني إذا تبين له هذا الحق وتأمله ودقق فيه. قال: «ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم» ويريد خواص الناس من ينتسب إلى العلم والعبادة، من المتصوفة وغيرهم، فضلا عن أكثر العامة. وهذا في زمن المؤلف، وهكذا كذلك في زماننا هذا. قال: «تبين له التوحيد وغربة الدين» يعني أن التوحيد ليس كما يظن هؤلاء قول: «لا إله إلا الله» مع عدم الإتيان بشروطها واجتناب ما ينافيها. وغربة الدين يعني أن أهله غرباء، قلة، وليس كل من قال: «لا إله إلا الله» صح أن يكون من أهل: «لا إله إلا الله». ولكن من قال: «لا إله إلا الله» وأتى بشروطها واجتنب مبطلاتها، فهو الذي يصح أن يقال: إنه من أهل: «لا إله إلا الله».