الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 73، الدرس الثالث والسبعون:من( باب قول الله تعالى:أفأمنوا مكر الله ... فبهذا التفصيل تعرف منافاة هذه الأمور للتوحيد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش أهمية الجمع بين الخوف والرجاء في الإيمان ويحذر من الأمن من مكر الله والقنوط من رحمته. يُبين أن كلا الأمرين ينافي التوحيد والإيمان.
يشرح مفهوم الأمن من مكر الله وتأثيره على الإيمان، ويوضح أهمية الجمع بين الخوف والرجاء. يُبين أن الأمن من مكر الله قد يكون ردة إذا نافى أصل التوحيد.
يتناول أسباب القنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله، ويشير إلى أن العلاج يكون بالتوبة النصوح ومعرفة الله حق المعرفة. يُوضح أهمية الاعتدال في الخوف والرجاء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد"، باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر، فقال: «الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله». وعن ابن مسعود قال: «أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله». رواه عبد الرزاق. قال فيه مسائل: الأولى تفسير آية الأعراف، الثانية تفسير آية الحجر، الثالثة شدة الوعيد في من أمن مكر الله، الرابعة شدة الوعيد في القنوط. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره لما ينافي التوحيد. ومناسبة ذكر هذا الباب، كما نبه الشراح وأهل العلم، أنه بعد أن ذكر الحب والخوف وما يدخل في معناه من التوكل والرجاء، ناسب أن يذكرها هنا؛ حاجة المؤمن إلى الجمع بين الخوف والرجاء، وعدم الأمن من مكر الله؛ لأن ذلك أي الأمن من مكر الله ثمرة عدم الاعتدال في الجمع بين الخوف والرجاء. والأمن من مكر الله هو من صفات الكافرين والفاجرين، فهو ينافي أصل الإيمان أو كماله. ولهذا أدخل في أبواب "كتاب التوحيد". لأن الكافر الذي يأمن من مكر الله بسبب كفره صار على هذا الأمن. وأما المؤمن فبعلمه بعظمة الرب سبحانه وتعالى لا يأمن من مكر الله. وكما أنه ينبغي أن يكون الخوف من الله، كذلك ينبغي أن يكون الرجاء بما عند الله، فيجمع المؤمن بين الخوف والرجاء. وبذلك تحصل سلامته في الدنيا وفي الآخرة، ويكمل إيمانه. فقوله: «باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾» الآية في سياق ذكر صفات الكافرين. وهذا هو الشاهد أن الأمن من مكر الله مما ينافي التوحيد؛ لأنه ينافي الإيمان، فهو من صفات الكافرين. وأتبعه بالأحاديث التي تؤيد ذلك. وأما قوله وإيراده للآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، فكذلك في ذكر القنوط مع عدم الأمن من مكر الله جمع للأمرين. فالأمن من مكر الله يكون بتغليب الرجاء، والقنوط من رحمة الله يكون بتغليب الخوف. وأراد المؤلف رحمه الله تعالى أن ينبه على هذين المعنيين. فكما لا يجوز الأمن من مكر الله، فهو منافي للتوحيد والإيمان، فكذلك في المقابل لا يجوز القنوط من رحمة الله؛ لأنه منافي كذلك للتوحيد والإيمان. فأراد بإيراد هذتين الآيتين الإشارة إلى أن كمال الإيمان والتوحيد يكون بالجمع بين الخوف والرجاء. وكما قال العلماء: ليكن الخوف والرجاء للإنسان كجناحي طائر، لا يطير الطائر بجناح واحد، بل لا بد أن يطير بكل الجناحين. فأحد الجناحين هو الخوف، والآخر الرجاء. فلا بد للمؤمن أن يجمع بين الخوف والرجاء الذي به ما يستقيم حاله في الدنيا، فلا يقنط من رحمة الله، ولا يأمن مكر الله. فلا يقنط من رحمة الله بتغليب الخوف، فيكون عنده الرجاء ضعيفا؛ لأن ذلك ربما يخرجه من الدين. والشيطان كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم له مع هذا الإنسان نزغتان: نزغة يجر هذا الإنسان إلى التفريط والتضييع، وهذا يكون بتغليب الرجاء. ونزغة إلى الغلو والتشديد، وهذا يكون بالقنوط وشدة الخوف. فالمطلوب هو السلامة من نزغات الشيطان، من الغلو الذي يخرج الناس من الدين بالغلو، وهكذا كذلك من التفريط والتضييع الذي يخرج به بعض الناس. فكم من إنسان يشدد على نفسه حتى يقنط من رحمة الله، فإذا قنط من رحمة الله ترك دين الله، وحصل له بعد ذلك الانتكاسة، والعياذ بالله، وربما رده. وهكذا كذلك الأمن من مكر الله، والمطلوب هو الجمع بين الأمرين جميعا: الخوف، الرجاء. والحذر من الأمرين جميعا: الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله. ولهذا جمع بينهم المؤلف رحمه الله. وأشار إلى حديث ابن عباس الذي أشار المعلق إلى أنه قد رواه البزار والطبراني في "الأوسط" وغيرهم، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. ومعناه صحيح، حتى ولو كان في إسناده مقال؛ لكن معناه صحيح، وهو حديث يصلح للتحسين؛ فله شواهد كثيرة معنوية تؤيد معناه، ومنها حديث ابن مسعود الذي بعده، وهو حديث صحيح. كما قال: رواه عبد الرزاق، وهكذا البيهقي في "الشعب"، والطبراني في "الكبير"، وغيرهم، وإسناده صحيح عن ابن مسعود. فالأول موقوف له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي. والثاني موقوف له حكم الرفع؛ فإن مثل هذا لا يقال بالرأي. وكذلك الأول مرفوع، وهو معناه صحيح، ولو كان في إسناده مقال؛ مؤيد بحديث ابن مسعود الموقوف الذي له حكم الرفع، وبغيره من أحاديث وعمومات كثيرة هي شواهد لهذا المعنى. وكما نرى في الحديثين المعنى المطلوب، المقصود من الجمع بين الخوف والرجاء. فقد سئل عن الكبائر، فقال عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس: «الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله». فنبه على المعنيين: اليأس من روح الله الذي هو القنوط من رحمة الله المذكور في الآية، والأمن من مكر الله الذي هو مذكور في آية سورة الأعراف، وغيرها مما هو بمعناها. وهكذا حديث ابن مسعود: «أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله». فالأمن من مكر الله ما تقدم. والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله بما تقدم بمعنى القنوط. وكذلك اليأس المذكور في الآية: آية سورة الحجر، وهكذا حديث ابن عباس. فالمطلوب هو الجمع بين الخوف والرجاء. وانتبه ولاحظ كيف أتبع هذا بعد الإشراك بالله؛ لبيان عظيم خطره، وأنه مما ينافي الإيمان، بل والتوحيد. مما ينافي الإيمان والتوحيد. وبعض الناس ربما يخرج من دين الله، ويصل إلى الردة بسبب تغليب أحد هذين الجانبين، أو الوقوع في إحدى هاتين الكبيرتين. وفي تسميته "أكبر الكبائر" لا يعني ذلك أنه ليس بكفر، أو لا يصل إلى الكفر. فهو وإن كان من الكبائر، إلا أن من الكبائر ما هو شرك وكفر ونفاق. فالأمن من مكر الله منه ما يخرج من دين الإسلام، ومنه ما ينافي كمال دين الإسلام. فهو ينافي التوحيد والإيمان، إما ينقضه فيكون ردة، وإما ينقصه فيكون كبيرة. فهو لا يخرج عن معنى الكبيرة، إلا أن هذه الكبيرة قد تكون ردة، والعياذ بالله، وقد لا تكون كذلك. فإن قيل: ما هو الضابط في ذلك؟ الجواب: الضابط في ذلك أن كلما نافى أصل الإيمان والتوحيد، فهو يكون معنى من معاني الردة والكفر والشرك والنفاق. فقد يكون الأمن من مكر الله على معنى ينافي أصل التوحيد. فقد يحصل عند بعض المشركين، حتى من المتأخرين، الأمن من مكر الله؛ بركونهم إلى غير الله، بركونهم إلى غير الله، كحال بعض الفساق من عباد القبور، حتى صار إيمان بعض عباد القبور كإيمان المشركين الأولين. فإيمانهم بتعظيم تلك المعبودات، مبالغة في تعظيمها، بإقامة الزيارات والاحتفالات، ونذر النذور لها، وكذلك ذبح الذبائح عندها، وغير ذلك من إطعام الطعام، ونحو ذلك من الاحتفاء بهذه الأعياد الشركية. فيرى أحدهم أنه إذا فعل ذلك فإنه له الشفاعة عند الله؛ بواسطة هؤلاء، وضمنت له الجنة، لو لم يصل، لو لم يصم، لو لم يفعل شيء من واجبات وأركان الدين، فضلا عن وقوعه في أنواع المحرمات. وهذا ملاحظ عند الكثير من هؤلاء، وهو كذلك عند المشركين الأولين. ربما وعظهم من يصلي، ويفعل أنواع الكبائر والفواحش، فإذا كان يوم الزيارة فهو من المسابقين لذلك. يرى أن هذا كفارة له لكل ما يصنع، وأن هؤلاء الذين يعظمون مع الله، ومن دون الله، يشفعون له، مهما كان حاله. كحال المشركين الأولين الذين يظنون أنهم يشفعون بغير إذن الله. والشفاعة لا تتم إلا بثلاثة شروط كما تقدم. ومثل ذلك معنى من معاني الشفاعة الشركية التي كان يظنها المشركون الأولون. فهذا يحصل بالأمن من مكر الله، والركون إلى غير الله. وهكذا كذلك العكس في مسألة القنوط، واليأس من روح الله. والمقصود في هذا هو التوجه إلى الله سبحانه وتعالى وحده. وهكذا كذلك الجمع في ذلك بين الخوف والرجاء. وقوله: «فيه مسائل: الأولى تفسير آية الأعراف كما تقدم، وتفسير آية الحجر كما تقدم، والثالثة شدة الوعيد في من أمن مكر الله للأحاديث حديث ابن عباس، وابن مسعود، والرابعة شدة الوعيد في القنوط كذلك لما تقدم في هذين الحديثين». قال الشارح رحمه الله تعالى: «باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾. قال: مقصود الترجمة أنه يجب على العبد أن يكون خائفا من الله، راجيا له، راغبا، راهبا. إن نظر إلى ذنوبه، وعدل الله، وشدة عقابه، خشي ربه وخافه. وإن نظر إلى فضله العام والخاص، وعفوه الشامل، رجى وطمع. وإن وفق لطاعة، رجى من ربه تمام النعمة بقبولها، وخاف من ردها بتقصيره في حقها. وإن ابتلي بمعصية، رجى من ربه قبول توبته، ومحوها، وخشي بسبب ضعف التوبة، والالتفات للذنب، أن يعاقب عليها. وعند النعم والمسار، يرجو الله دوامها، والزيادة منها، والتوفيق لشكرها، ويخشى بإخلاله بالشكر من سلبها. وعند المكاره والمصائب، يرجو الله دفعها، وينتظر الفرج بحلها، ويرجو أيضا أن يثيبه الله عليها حين يقوم بوظيفة الصبر، ويخشى من اجتماع المصيبتين: فوات الأجر المحبوب، وحصول الأمر المكروه؛ إذا لم يوفق للقيام بالصبر الواجب. فالمؤمن الموحد في كل أحواله ملازم للخوف والرجاء. وهذا هو الواجب، وهو النافع، وبه تحصل السعادة. ويخشى على العبد من خلقين رذيلين: أحدهما أن يستولي عليه الخوف حتى يقنط من رحمة الله وروحه. والثاني أن يتجارى به الرجاء حتى يأمن مكر الله وعقوبته. فمتى بلغت به الحال إلى هذا، فقد ضيع واجب الخوف والرجاء الذين هما من أكبر أصول التوحيد، وواجبات الإيمان. وبه يعلم أن الأصل هو تسوية الخوف والرجاء، ولكن في أحوال ومواضع يكمل بالعبد أن يغلب الرجاء أحيانا، أو الخوف أحيانا أخرى. فعند حصول النعم والمسار، ينبغي أن يكون معه تغليب باب الخوف؛ حتى لا يغتر بنعم الله عليه من طاعة أو غيرها. وعند حصول البلاء من مكاره ومصائب، ومنها الذنوب والمعاصي، فيغلب باب الرجاء؛ حتى لا يقع في القنوط. ولهذا وصف الله عز وجل عباده المؤمنين بهذين الوصفين. قال الله عز وجل في حق من وفق للطاعة: ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾؛ فجمعوا بين التوفيق للطاعة مع الخوف من الله سبحانه وتعالى. وقال سبحانه وتعالى في حق المذنبين المخطئين: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. فمن سمع للآية الأولى ظن أنه إذا كان هذا حال المطيعين، أنه لا مغفرة للعاصين. إذا كان الطائعون يؤدون الطاعات وهم على خوف وجل، فكيف بالعاصين؟ ومن سمع الآية الثانية ظن أن من كان عاصيا رجي له، فكيف بمن كان طائعا؟ حتى ظن أن الطائع قد دخل الجنة بطاعته. ولكن من تأمل ودقق في المعنيين، علم ما أشار إليه هذا العلامة الإمام رحمه الله، وهو الذي نبأ عليه قبله من سبقه من أهل العلم: أن المؤمن يغلب جانب الخوف مع النعم والمسار، ويغلب جانب الرجاء مع المكاره والمصائب والذنوب التي يتوب منها. وبهذا تكون سلامته، وبهذا تكون سلامته. وهكذا كذلك في مواضع أخرى أشار إليها أهل العلم، خلاصتها: هذا الأصل أنه في مواضع الخوف يغلب موضع الرجاء، وفي موضع الرجاء يغلب معنى الخوف؛ حتى لا يغتر برجائه، وهناك حتى لا يقنط بخوفه، حتى لا يقنط بخوفه. ومنه كذلك يستمد المؤمن تلك الأخلاق النبيلة التي ينبغي أن يتأدب بها في حياته العلمية والعملية. فمن وفق العلم النافع أو عمل صالح، فهو لا يغتر لا بلسان المقال، ولا بلسان الحال، بل يكون من تمام عبوديته لربه، وإتمامه لتوحيده لخالقه: أنه يجمع مع حصول هذه النعمة العلمية والعملية الخوف؛ فيكون في لسانه انكسارا، وفي خلقه خضوعا، يتحقق معه الخوف الذي يجمعه مع هذا الإحسان. وفي المقابل كذلك إذا ابتلي بالضراء من مصائب ومكاره وذنوب، تاب منها، لا يجمع معها انكسارا يكون به الذلة، ولكن انكسار التائب الراجي الذي يكون معه النشاط لغيرها من الطاعات. وهذا خلاصة ما أشار إليه المؤلف، وأشار إليه قبله الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: «وللقنوط من رحمة الله، واليأس من روحه سببان محذوران: أحدهما أن يسرف العبد على نفسه، ويتجاوز المحارم، فيصر عليها، ويصمم على الإقامة على المعصية، ويقطع طمعه من رحمة الله؛ لأجل أنه مقيم على الأسباب التي تمنع الرحمة، فلا يزال كذلك حتى يصير له هذا وصفا، وخلقا لازما. وهذا غاية ما يريده الشيطان من العبد. ومتى وصل إلى هذا الحد، لم يرج له خير إلا بتوبة نصوح، وإقلاع قوي». قال: «الثاني أن يقوى خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم، ويضعف علمه بما لله من واسع الرحمة والمغفرة، ويظن بجهله أن الله لا يغفر له، ولا يرحمه، ولو تاب وأحسن وتضعف إرادته، فيأس من الرحمة. وهذا من المحاذير الضارة الناشئة من ضعف علم العبد بربه، وما له من الحقوق، ومن ضعف النفس وعجزها ومهانتها. فلو عرف هذا ربه، ولم يخلد إلى الكسل، لعلم أن أدنى سعي يوصله إلى ربه، وإلى رحمته، وجوده، وكرمه». قوله رحمه الله: «وللقنوط من رحمة الله، وليأس من روحه سببان محذوران»؛ يشير بهذا رحمه الله إلى هذين السببين الذين من أعظم ما يوقع العبد في القنوط من رحمة الله. أحدهما: إسراف العبد. وثانيهما: خوف، غلو العبد في خوفه، مع قلة علمه بمغفرة ربه سبحانه وتعالى. فهذا معنى من معاني الوقوع في القنوط. وعلاج ذلك كما أشار رحمه الله بالضد. فإسراف العبد بتوبة عاجلة كاملة. ولا تتم تلك التوبة العاجلة الكاملة إلا بشروطها: أولها: إقلاع عن الذنب. ثانيها: الندم. ثالثها: عدم تحديث النفس بالرجوع إلى ذلك. وإن كان في حق من حقوق الآدميين: تخلى وتحلل من هذا الحق. فإذا تحققت هذه التوبة بشروطها الكاملة، فإنه يسلم من السبب الأول. وعلاج السبب الثاني يكون بمعرفة الرب جل وعلا، واللجوء إليه، وكذلك الاعتدال في مسألة الخوف والرجاء، كما أشار إلى معناه رحمه الله. وما أكثر ما يكون قنوط العبد مما يطمع فيه الشيطان سببا لزيغ الإنسان، وربما خروجه، حتى والعياذ بالله، من دين الإسلام؛ لأن المعاصي والذنوب هي بريد الكفر، في الحقيقة هي بريد الكفر، توصل إلى الكفر. قال: «وللأمن من مكر الله أيضا سببان مهلكان: أحدهما: إعراض العبد عن الدين، وغفلته عن معرفة ربه، وما له من الحقوق، وتهاونه بذلك؛ فلا يزال معرضا، غافلا، مقصرا عن الواجبات، منهمكا بالمحرمات، حتى يضمحل الخوف من الله من قلبه، ولا يبقى في قلبه من الإيمان شيء؛ لأن الإيمان يحمل على خوف الله، وخوف عقابه الدنيوي والأخروي. السبب الثاني: أن يكون العبد عابدا جاهلا، معجبا بنفسه، مغرورا بعمله؛ فلا يزال به جهله حتى يدل بعمله، ويزول الخوف عنه». قال رحمه الله: «ويزول الخوف عنه، ويرى أن له عند الله المقامات العالية؛ فيصير آمنا من مكر الله، متكلا على نفسه الضعيفة المهينة. ومن هنا يخذل، ويحال بينه التوفيق؛ إذ هو الذي جنى على نفسه. فبهذا التفصيل تعرف منافاة هذه الأمور للتوحيد». رحمه الله رحمة واسعة. وهذا التفصيل خلاصة هذا الباب الذي يعلم الإنسان أنه من أعظم وأخطر الأبواب التي يكون بها زيغ الإنسان. فزيغه بأحد نزغتين: الشيطان إلى الغلو، أو إلى التضييع. وكلهما يكون بتغليب أحد هذين الأمرين. خلاصة ما ذكره: أن الأمن من مكر الله يكون بسببين مهلكين: أحدهما: إعراض العبد عن الدين، وغفلته عن معرفة ربه؛ لأنه إذا كان كذلك صار منهمكا بالمحرمات، فيضعف خوفه من الله في قلبه، فعند ذلك يحصل الأمن من مكر الله. وهذا يكون عند أهل الجهل، وأهل الغفلة؛ فإن الغفلة والجهل من أعظم أسباب الوقوع في الأمن من مكر الله. وفي المقابل: السبب الثاني يكون عند العبد إذا كان عنده غرور بالعلم، ربما عنده شيء من العلم، لكنه مغرور، معجب بنفسه. وهذا عنده جهل مركب. الأول: جهل خفيف. والثاني: جهل مركب. فهذا صاحب الجهل المركب الذي يظن نفسه محسن وهو مسيء، يغتر بعمله حتى يأمن من مكر الله، يغتر بعلمه وعمله حتى يأمن من مكر الله. مع أنه لو عرف ربه حق المعرفة، وأراد عبادته حق العبادة، لعلم أن العابدين له، العارفين به سبحانه، هم الذين جمعوا بين الإحسان والخوف. وأن كذلك في المقابل: الذين عرفوا الله فتابوا من ذنوبهم، هم الذين جمعوا مع التوبة الرجاء، كما تقدم، وسبقت الإشارة إليه. وبهذا يتأكد ما تقدم ذكره، وسبقت الإشارة إليه: من أن القاعدة في هذا أن مواضع الرجاء مواضع النعم والمسار، تجمع معها أو يجمع معها الخوف. ومواضع المكاره والمصائب يجمع معها الرجاء. وهناك أسباب كثيرة يكون بها دفع القنوط، وأسباب أخرى يكون بها دفع المكر، ويعرف ذلك بضد ما ذكر. فمثلا: من أسباب دفع القنوط أن يتذكر عظيم فضل الله سبحانه وتعالى؛ فقد كتب ربنا جل وعلا على نفسه الرحمة، وكذلك وسعت رحمته كل شيء، وكذلك يعلم أن الله عز وجل يغفر الذنوب جميعا، وكذلك يعلم أن الله عز وجل يبدل السيئات حسنات إن تاب التائب وأحسن، وغير ذلك مما يعينه على عدم القنوط من رحمة الله. وفي المقابل: في علاج الأمن من مكر الله أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى كما أنه غفور رحيم، فهو شديد العقاب. وأنه كما أنه سبحانه وتعالى كريم منان متفضل، فهو سبحانه وتعالى حكم عدل. سبحانه وتعالى يعطي بفضله، ويعاقب بعدله سبحانه وتعالى. ويتأمل كذلك مكر الله سبحانه وتعالى بالكافرين والفاجرين، وكيف هو يمهل ولا يهمل، ويستدرج سبحانه وتعالى بما يمكر به عباده: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وأنه سبحانه كذلك يغير القلوب كما يقلب الأبصار: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وغير ذلك من هذه المعاني التي يعظ بها العبد نفسه، فيقطع أسباب الغفلة، وكذلك مواضع الهلاك بالأمن من مكر الله. فهو يحتاج إلى علم، ويحتاج إلى وعظ يكون به دفع ذلك الجهل. والعلم يدفع الجهل، وكذلك يكون فيه النصح من العجب والغرور، وغيره. والوعظ ينفع في عدم الاستمرار في هذه الغفلة. نكتب بهذا والله تعالى أعلم. قوله: «فلا يزال به جهله حتى يدل بعمله»؛ أي: حتى يثق بعمله، يعني: يغتر بعمله. فمعنى "يدل بعمله" أي: يثق ويغتر بعمله. نعم، وهذا هو معنى العجب والغرور الذي يكون عند هذا صاحب الجهل المركب. وبهذا يتضح المعنى، والله أعلم.