الدرس الخامس والعشرون:من( المثال الثاني:رجل جاء لبعض العلماء فقال له أحب أن ترشدني ... فقال الرجل جزاك الله خيراً فلقد أزلت عني كل إشكال وأقنعت بذلك غاية الإقناع ).
يشرح الدرس كيفية الجمع بين الإيمان بالقضاء والقدر وبين إرادة الإنسان وأفعاله الاختيارية. الله خلق الإنسان وقدرته وإرادته، وأفعال الإنسان تقع بمشيئة الله وقدرته.
يشرح النص أن أفعال الإنسان من كسبه ولكنها داخل في عموم قدرة الله، ويبين أن الإشكال في فهم الجبر يأتي من اعتقاد أن الإنسان مجبور على أفعاله، وأن الله خلق الإنسان وأعطاه القدرة على الاختيار.
يولد الإنسان فطر على الأخلاق السليمة ثم يكتسب أخلاقًا أخرى، وتحبيب الإيمان يكون بالشريعة وبما فطر الله عليه العباد. جاء في الحديث القدسي أن الله خلق عباده حنفاء فاجتالتهم الشياطين.
أعرب الرجل عن امتنانه واقتناعه بالشرح، وسيتم اختتام الدرس الحالي على أن يستكمل الباقي في درس لاحق، مما يدل على فاعلية الشرح في إيصال الفكرة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى: المثال الثاني، رجل جاء لبعض العلماء، فقال له: أحب أن ترشدني إلى أمر يطمئن له قلبي، وتقنع به نفسي من جهة القضاء والقدر؛ فإني لا أشك أن جميع الحوادث بقضاء الله وقدره، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأعلم مع ذلك أن أفعالي كلها باختياري وإرادتي، وأنا الذي عملتها، هذا أمر ضروري لا أشك فيه، وأعتقد أنه لا يشك فيه أحد، ولكن أحب طريقة تهديني إلى كيفية الجمع بين الأمرين. فقال العالم: الجواب المقنع في هذه المسألة أنك إذا علمت أن الله خلقك، وخلق أعضاءك الظاهرة والباطنة، هذا أمر لا تشك فيه، ولا يشك فيه مسلم. ومن أعظم الأعضاء الباطنة: أن الله جعلك مريدًا لكل ما تحبه، كارهًا لما تبغضه، إجمالًا وتفصيلًا. إجمالًا يعني على وجه عام، ومن ذلك ما يكون قبل الأشياء وقبل وقوعها ودخوله فيها، وذلك على وجه يجد في قرارة نفسه أنه يختار ذلك اختيارًا، وعلى وجه التفصيل في أعيان متعددة، مثلًا: يحب الذهاب للمسجد، ويكره كذلك التأخر عنه، وغير ذلك مما يكون في قلبه مجملًا أو مفصلًا. قال: وأن الله أعطاك قدرة توقع بها جميع ما تريد فعله، وتنكف بها عما تريد تركه، فأنت تعترف بذلك، ولا تستريب فيه، أي: من وجود الإرادة والقدرة. قال: وتعرف مع ذلك أنك إذا أردت أمرًا من الأمور إرادة جازمة، وأنت تقدر عليه، فعلته من دون توقف. وقوله: وأنت تقدر عليه؛ لأن بعض الأشياء تريدها ولا تقدر عليها، فمثل هذا ليس في إمكان الإنسان، وهو ليس مؤاخذ عليه؛ كما أنه ليس في إمكانه. ومر معنا أن أفعال العباد تنقسم إلى قسمين: قسم في مقدورهم، وقسم ليس في مقدورهم. فما كان بمقدورهم ومن أفعالهم وقدرتهم، فهو الذي محل التكليف، وما ليس كذلك فليس هو محل التكليف. ففرق بين من يقتل رجلًا بإرادته، ومن يقتله بغير إرادته، فجعل الشرع فرقًا، ولذلك فرق في الحكم؛ فالقاتل قتل العمد وشبه العمد له في الحكم الشرعي ما ليس في قتل الخطأ. ولما كان قاتل قتل الخطأ باشر شيئًا من الفعل، وهكذا كذلك تعلق به شيء من الحق، لم يكن عليه الحكم التام، وبغي عليه ما يسمى بحكم الوضع، وهو أمر الدية والكفارة حفظًا للأنفس، وتعظيمًا لشأنها، وهكذا كذلك ردعًا للوقوع في كل ما يوصل إلى إهدارها، وهذا من حكمة الله عز وجل، وهذا على سبيل المثال فقط. قال رحمه الله تعالى: وتعرف مع ذلك أنك إذا أردت أمرًا من الأمور إرادة جازمة، وأنت تقدر عليه، فعلته من دون توقف؛ حتى إن الأمور المستقبلية التي تريد فعلها إرادة جازمة تقول فيها: سأفعل إن شاء الله كذا وكذا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فإذا اعترفت بذلك كله -يعني: اعترفت بأنه تعالى خلقك، وخلق قولك، أو قواك- عندي قولك صواب، قواك، قال: وخلق قواك الظاهرة والباطنة، ومكنك من كل ما تريد بما أعطاك من قدرة ومشيئة، أنت الذي تختار وتفعل أو تترك، فقد جمعت بين الأصلين: الاعتراف بعموم قدر الله، وأن أفعالك كلها من كسبك، وأنه إن وفقك للخير فبفضله وتيسيره، وإن لم يوفقك بل وكلك إلى نفسك، فلا تلومن إلا نفسك. ومعرفة هذه المقدمات سهلة بسيطة، وبها يحصل لك الاقتناع التام؛ ففعلك داخل في عموم قدرة الله وخلقه؛ لأن خالق السبب التام هو الخالق للمسبب. عندنا للسبب وصواب للمسبب. قال: والسبب التام قدرتك وإرادتك، والله هو الذي خلقهما، وأنت الذي تفعل بهما. وإنما الإشكال الذي لا يمكن حله لبطلان أحد أصليه: اعتقادك أنك مجبور على أفعالك؛ فهذا الذي لا يمكن العبد أن يعترف معه أن الأفعال أفعاله. وهذا يعلم بطلانه بالضرورة، كما سبق بيانه؛ لأنه بالحقيقة إشكال لشيء ليس له وجود. لو كان شيء له وجود لكان له حل وجواب، ولكن لما كان في شيء ليس بموجود، وإنما هو وهم وظن خاطئ، وشبه عارضة، لم يكن له جواب؛ يعني: يكون به إرضاء هذا المستشكل، لكن له جواب يوضح أنها شبهة كاذبة، وأنه شك خاطئ، وظن غير صحيح. فإذا تبين ذلك، واستيقن من عرضت له هذه الشبهة أنه قول باطل -أي: القول بالجبر- علم بذلك أن هذا لا يلتفت له، ويبقى عند ذلك أشياء تعرض له، سواء من أدلة يظن فيها معنى الجبر، فيجاب عن ذلك دليلًا دليلًا مما قد يستدل به بعض أهل البدع القائلين بالجبر، أو كذلك أفعال تعرض له في حياته اليومية، وحياة غيره تحتاج إلى تفسير وبيان، يسأل عنها، فتوضح ويبين أمرها بما يزول معه هذا الإشكال. قال: فقال الرجل السائل المسترشد: لقد وضحت المسألة وضوحًا لا أشك فيه؛ علمت بأن الله خلقني، وخلق جميع أوصافي، وخلق الأسباب التي أتمكن بها من الأفعال، وأنا الذي أفعل وأطيع إن ساعدني الله بتوفيقه، وأعصي وأغفل إن وكلني إلى نفسي. فقال العالم: وأزيدك إيضاحًا وبيانًا لهذا السؤال، قال الله لخيار المؤمنين: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾، فلم يقل: ولكن الله أجبركم على الإيمان إلى آخره. ولكنه تعالى لما علم حالة النفس، وأنها ظالمة جاهلة، أمارة بالسوء، لطف بالمؤمنين، وحبب إلى قلوبهم الإيمان، وزينه فيها. وهذا التحبيب تحبيب شرعي؛ بما كان من عدم ترك الخليقة على جهلها، فأنزل شريعة، وأرسل رسلًا، وبعث كتبًا تقوم به الحجة على الخلق، ويحصل به تحبيب الإيمان وتزينه في القلب. وتحبيب آخر كوني قدري يكون بما فطر الله عز وجل عليه العباد، فانفطر في قلوبهم باعث الخير. وهذا من أصل خلقة الإنسان؛ خلق الله عز وجل هذا الإنسان على أصل الفطرة الصحيحة السليمة، يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه، كما جاء في الحديث. وأنت ترى هذا جليًا في أخلاق هؤلاء المواليد، أول ما يولد المولود يولد كما يقال، وفيه براءة الأطفال أصفى من اللبن، وأنقى من الزجاج، وأصدق من كل صادق. يولد المولود أول ما يولد وهو لا يعرف الكذب، ولا يعرف إلا الصدق، ولا يعرف الخيانة، بل ليس من خلقه إلا الأمانة، ولا يعرف الاعتداء، ولا يعرف إلا الحب والرحمة. من الذي فطر في هذا الطفل الصغير هذه الأخلاق السليمة الكاملة؟ إنه الذي خلق هذا الجسد، الله سبحانه وتعالى. فإذا خلق هذا الطفل الصغير من حوله من إخوته، ومن أبويه، ومن من يدخل عليه من قرابته وجيرانه وأصدقائه، اكتسب أخلاقًا أخرى، فربما دخل عليه الكذب، صار يكذب، ومن قبل ما كان يعرف الكذب، صار يسب، ومن قبل ما كان يعرف السب، صار يبخل ويحسد ويغل ويعادي، وكان من قبل لا يعرف هذه الأخلاق كلها أخلاق مكتسبة. وصدق رسول الله ﷺ، كما جاء في صحيح مسلم في الحديث القدسي: «أن الله عز وجل قال: خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين». اجتالتهم شياطين الجن وشياطين الإنس، حتى هذا الطفل الصغير المولود الذي أول ما يولد وهو لا يتكلم ولا ينطق، تجتاله شياطين الإنس، حتى ربما من بعض إخوته من أهل بيته يتعلم منهم السب، ويتعلم منهم الشتم، ويأخذ منهم الكذب، وغير ذلك من الأخلاقيات السيئة، وهذا من معاني الاكتساب. فإذا تحبيب الإيمان ومعانيه في القلوب، وتزينه يكون بمعنيين: بالشريعة التي أنزلها، وهذا أمر شرعي، وبخلق الله عز وجل وما فطر عليه العباد، وهذا أمر كوني قدري. قال: ﴿وَحَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فانقادت إلى الخيرات باختيارها؛ لما جعل في قلوبهم من هذه الأوصاف الجليلة، ولما كره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، إنصرفوا عنها لكراهتهم لها، وكان هذا لطفًا وكرمًا منه. وأما الآخرون، فلم يجعل لهم نصيبًا من هذا اللطف، فانحرفوا باختيارهم، وكانوا هم السبب لأنفسهم؛ حيث كانت مقاصدهم فاسدة، وحيث عرض عليهم الخير فرفضوه، واعترض لهم الشر والغي فاختاروه. فالخير هو الأصل، والشر فرع عارض، وهذا هو الواقع، فمتابع الشر بعد هذه الحجج المتعددة هو الزائغ الضال المستحق للعقوبة. قال: ﴿فَوَلَّاهُمُ اللَّهُ مَا تَوَلَّوْا﴾، لأنفسهم واللوم كله عليهم، والحجة البالغة لله على العباد كلهم: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: وأزيدك إيضاحًا وبيانًا، ألست تفرق -ويفرق كل أحد- بين حركة المرتعش بغير اختياره، وبين حركة الباطش والكاتب باختياره؟ فالأول لا يلام شرعًا وعقلًا وفطرة وعرفًا، والثاني يلام ويؤخذ شرعًا وعقلًا وفطرة وعرفًا. هذا الذي يرتعش ببرد أو يرتعش لمرض، هذه الحركة منه حركة كما يقولون لا إرادية، فمثل هذا معذور فيها، وتلك الحركة الأخرى من بطش وكتابة، حركة إرادية بالعرف والعقل والفطرة، فضلًا عن الشرع، يمدح أو يذم. فإذا كان هذا في الدنيا، فكيف في شريعة الله؟ فإنه من باب أولى أن يمدح ويدم ويعاقب أو يثاب، وهذا عدل الله عز وجل في أفعال العباد. قال: وتعلم أن الأخير فعل العبد حقيقة، والأول مقصور عليه، وما أشبه ذلك من الحركات التي من هذا النوع، تفرق بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية. فمن ألحق أحد القسمين بالآخر، وساواه به، فهو مختل الشعور. وهؤلاء الذين يقولون أن الإنسان مجبور على أفعاله، لو تأملوا هذا المثال وتصوروا هذا التفريق، لعلموا أنهم مخطئون أو كاذبون في هذه الدعوة وهذه الشبهة. قال: فقال الرجل: جزاك الله خيرًا، فلقد أزلت عني كل إشكال، واقتنعت بذلك غاية الاقتناع. نكتب بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.