الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 13، الدرس الثالث عشر:من( فصل:في كيفية الوحي وأنواعه ... وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول بداية نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم برؤيا صالحة ثم نزول الملك جبريل عليه في غار حراء، ويشرح أنواع الوحي وكيفية نزوله. كما يبرز مخاوف النبي من الفتنة بزهرة الدنيا.
يذكر أحاديث تروي مشاهدة الصحابة لنزول الوحي على النبي وتأثير ذلك عليهم، مما يعد دليلاً على صدق نبوته، ويبين تكرار هذه المشاهدات وشمولها لعدة أشخاص.
يتناول أهمية العلم وحرمة الخوض فيما لا يعلم، ويشير إلى فضل الصحابة لصحبتهم للنبي ونقل دينه، ويبين أهمية الاعتناء بالقرآن الكريم.
يناقش شروط بيع كاميرا تصور ذوات الأرواح ويشير إلى الأولى والأحوط في بيعها، كما يتناول مسألة تسمية الأشخاص بـ "عليها السلام" أو "رضي الله عنها".
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن بالمنهاج الوادع، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال رحمه الله تعالى: فصل في كيفية الوحي وأنواعه. قال الإمام البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض». قيل: وما بركات الأرض؟ قال: «زهرة الدنيا». فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى ظننت أنه ينزل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه، فقال: «أين السائل؟» قال: أنا. قال أبو سعيد: لقد حمدناه حين طلع لذلك. قال: «لا يأتي الخير إلا بالخير، إن هذا المال خضرة حلوة، وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطًا أو يلم، إلا آكلة الخضرة». ينظر في أصل الحديث في صحيح البخاري. فكأنه وليس كل ما أنبت الربيع يقتل حبطًا أو يلم إلا آكلة الخضرة، قال: «إلا آكلة الخضرة، الخضرة أكلت حتى إذا امتدت خاصرتها استقبلت الشمس، فاجترت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت». وإن هذا المال حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة، فنعم المعونة. وإن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع. والشاهد أنه سئل عليه الصلاة والسلام ولم يجب حتى نزل عليه الوحي. وأما معنى هذا الحديث، فخلاصته أن النبي عليه الصلاة والسلام خاف على هذه الأمة الفتنة بزهرة الدنيا، وذلك أن يأخذوها بغير حقها، فثمرة ذلك أن توضع في غير حقها، وليس معناه أن تؤخذ بحقها وتوضع في حقها. ولهذا قال: «لا يأتي الخير إلا بالخير» إلى أن قال: «من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة، فنعم المعونة». ولا يعني ذلك أن الإنسان يتعلق بهذا المعنى فيفتح على نفسه ما يشغله، يشغل قلبه فضلًا عن جوارحه ووقته، لكن يأخذ منه كما جاء في الحديث ما يستعين به، فنعم المعونة يعني ما يكون منه معونة فهو ممدوح. وأما التوسع فوق المعونة فهو ليس بممدوح. قال رحمه الله تعالى: قال الإمام البخاري، رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها: أن الحارث بن هشام، رضي الله عنه، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول». قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا. وهذه كلها دلائل من دلائل نبوته، كونه ينزل عليه الوحي ويرى ذلك من حوله ومن معه، هذا من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: وقال البخاري، رحمه الله: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين: أنها قالت: أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤية الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ورؤيا الأنبياء حق. قال: ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: «اقرأ». قال: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد -يعني ضغط علي- ثم أرسلني، فقال: «اقرأ». قلت: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: «اقرأ». فقلت: «ما أنا بقارئ». فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم». فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها، فقال: «زملوني، زملوني». فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: «أخبرها الخبر، لقد خشيت على نفسي». فقالت خديجة: «كل والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق». فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان امرأً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي. فقالت له خديجة: «يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك». فقال له ورقة: «يا ابن أخي، ماذا ترى؟» فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: «هذا الناموس الذي نزل الله على موسى -يعني نزل به أو نزل به- يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجي هم؟» قال: «نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرًا». ثم لم ينشر ورقة أن توفي، وفتر الوحي. والشاهد: هذا كله يدل على أن نزول الوحي قد شهده شهود كثر، وكل ذلك من دلائل صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. قال: وقال الإمام البخاري، رحمه الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا موسى بن أبي عائشة، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه -يعني ليسهل عليه التنزيل- قال: فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما. وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه. فأنزل الله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: جمعه لك في صدرك وتقرأه. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: فاستمع له وأنصت. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قال: ثم إن علينا أن تقرأه -يعني يسهله ويسره الله له- عليه الصلاة والسلام. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه. وهذا شاهد آخر كذلك يبين أنه عليه الصلاة والسلام كان يوحى إليه، وهذا كذلك من المؤيدات ومن دلائل نبوة عليه الصلاة والسلام. قال: وقال الإمام البخاري، رحمه الله: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري... (حاء) وحدثنا بشر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس ومعمر، عن الزهري... (حاء) هنا تحويل سند. وكما مر معنا أنها تأتي بثلاثة معاني، ولكل مقام منها أحد تلك المعاني، أحيانًا أحيانًا يكون بمعنى تحويل السند مثلها هنا، وأحيانًا يكون بمعنى الحديث إذا كان إلى منتهاه أو بالإسناد إلى آخره، وأحيانًا يأتي بمعنى حدثنا، وهذا قليل. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا يونس ومعمر، عن الزهري نحوه، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. قال الإمام مسلم، رحمه الله: وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله، عن عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد وجهه. ومعنى ذلك أنه يكون عليه شديدًا. قال: وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أنزل عليه الوحي نكس رأسه ونكس أصحابه رؤوسهم، فلما أتلي عنه رفع رأسه -يعني لما يسر عنه فينتهي الإيحاء، فإنه عند ذلك يرفع رأسه-. قال: قال الإمام البخاري، رحمه الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا معتمر، قال: سمعت عن أبي عثمان، قال: أنبئت أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أم سلمة، فجعل يتحدث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: «من هذا؟» أو كما قال. قالت: «هذا دحية». فلما قام، قالت: «والله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يخبر خبر جبريل» أو كما قال -يعني كان أحيانًا يأتيه بصورة دحية الكلبي-. قال: قال أبي: قلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: «من أسامة بن زيد»، رضي الله عنه. وهذه كذلك أحاديث تدل، وكل ذلك مؤيدات، وهذا علم يصل إلى حد العلم الضروري الذي لا يقع عن نظر واستدلال، أو أنه بمعنى العلم الضروري الذي لا يندفع، لأنه ليس بمعنى النظر والاستدلال، بل وصل إلى حد التواتر الذي لا يمكن دفعه -أي نزول الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام- فلم يكن بمشهد واحد أو اثنين أو عشرة أو أكثر، بل أكثر من ذلك بكثير، ويدلك على ذلك هذه الأحاديث التي انتقى منها شيخنا، رحمه الله، بعضًا، وإلا فهذا الباب يصل إلى أحاديث أكثر بكثير. قال رحمه الله: وقال الإمام البخاري، رحمه الله: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، قال: سمعت جندبًا يقول: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتتهم امرأة، فقالت: «يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك». فأنزل الله عز وجل: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. وقوله: «ليلة أو ليلتين» يحتاج لمراجعة مع الروايات الأخرى، إما أن يكون هذا من بعض الرواة لا من الصحابي، وإما أن يكون ذلك ذكر لبعض المعنى، لأنه جاء أنه كان أكثر من ذلك -أي انقطاع الوحي أو حادثة أخرى-. قال: قال الإمام البخاري، رحمه الله: وحدثنا ابن عيينة، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا عطاء... (حاء) وقال مسدد: حدثنا يحيى، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال: أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية: أن يعلى -يعني ابن أمية-، رضي الله عنه، كان يقول: «ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي». وهذا معناه أنه رآه أناس كثر، وبعضهم يتمنى رؤية ذلك. قال: فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة -وهو موضع في طريق الآتي من المدينة إلى مكة، قبل مكة بحوالي بمشي السيارة هذا الزمان نصف ساعة أو أقل- قال: وعليه ثوب قد أضل عليه، ومعه الناس من أصحابه، إذ جاءه رجل مضمخ بطيب -يعني ملطخ- فقال: «يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تمضخ بطيب؟» -يعني كأن بعض أصحابه أنكر عليه ذلك فجاء يسأل- قال: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر إلى يعلى: «أي تعال». فجاء يعلى، فأدخل رأسه، فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة -يعني فترة من الزمن- ثم سري عنه، فقال: «أين الذي يسألني عن العمرة آنفًا؟» فلتمس الرجل، فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك». وهذا الشاهد منه كذلك ظاهر لهذا الفصل، ففيه أنه كذلك عليه الصلاة والسلام أنزل عليه الوحي في مثل هذا الموضع، وشهده أناس آخرون، وكل هذا من دلائل صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. وفي هذه الأحاديث فوائد نقتصر على ذكر خمس منها: فيها كذلك مع ما سبق أهمية العلم، وأنه ينبغي الاعتناء به، فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام -وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم- لم يكن ليفتي الناس أو يعطيهم ما يحتاجون إلا بعلم يوحيه الله عز وجل إليه، فمن دونه من باب أولى أن يحرص على العلم، فما علم من العلم تكلم به، وما لم يعلم سكت عنه. وفيه كذلك من المسائل: عدم جواز الخوض فيما لا يعلم الإنسان، وحسب المرء أن يقول لما لا يعلم: «الله أعلم». وكما أثر عن بعض الصحابة: أن من العلم أن يقول المرء لما لا يعلم: «الله أعلم». وأثر عن ابن عمر: أنه كان يقول: «العلم ثلاثة: آية ناطقة، أو سنة ماضية، أو لا أدري» -يعني هذا من العلم أن يقول الإنسان لما لا يعلم: «الله أعلم» أو «لا أدري»-. فإن ذلك سبب لحماية الناس من الضلال، أما أن يخوض فيما لا يعلم بغير علم فهو إضلال للناس، بينما لو قال: «ما أدري، لا أعلم» أو أحاله إلى من هو أعلم منه، فإنه بهذا دل على العلم، بخلاف من قال لما لا يعلم: «هو كذا وكذا»، فإنه يضل الناس من حيث لا يشعر. وفيه كذلك من المسائل: فضل الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، فإنهم شهدوا الوحي، وكان في هذا اختصاص لهم، رضي الله عنهم، فقد رضيهم ربنا جل وعلا لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام، ورضيهم لنقل دينه سبحانه وتعالى إلى الناس من بعدهم، وهذه من أعظم مزايا وخصائص الصحابة، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فالطعن فيهم طعن في اصطفاء الرب جل وعلا لهم، وفيه كذلك فضله عليهم، وهذا من الاعتراض على القضاء والقدر، فضلًا عن مخالفته لشرع الله سبحانه وتعالى فيما جاء من الحفظ لفضلهم بأدلة الكتاب والسنة. وأخيرًا: فيه كذلك من المسائل: أهمية الاعتناء بالقرآن، فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام -وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم- عليه أنزل القرآن، وكذلك كان منه ما كان من أمر القرآن والاعتناء به، ومع ذلك كان يأتيه جبريل فيدارسه القرآن -يعني في رمضان- وهذا يدل على أهمية الاعتناء به اعتناء خاصًا، خصوصًا في شهر رمضان. نكتب بهذا القدر، والله تعالى أعلم. سائل يقول: ما حكم من يقرأ القرآن وهو يهتز إلى الأمام وإلى الخلف؟ وهذا يدخل بالتشبه باليهود والكفار عندما يقرؤون التوراة. ذكر الشيخ بكر، رحمه الله تعالى: أن هذا من بدع القراء -أي الاهتزاز بالقراءة- وذكر بعض مشايخنا: أن في هذا تفصيلًا، فإن كان الاهتزاز اهتزازًا على وجه التعبد أو كذلك العادة التي فيها تشبه ببعض أهل الأهواء أو أهل الكتاب فهذا المذموم، وأما ما يقع بغير هذين المعنيين فهو من الأمور المباحة -ما يقع بغير هذين المعنيين أنه من الأمور المباحة-. وأقول: هذا لأجل أن نعلم أنه ربما تسمعون من أحد من أهل العلم ما يخالف ما علم أو ما علمت أنه كذلك في الفتوى، فلذلك الأفضل والأحوط ترك هذا الاهتزاز بكل وسائله وصفاته، هذا الأفضل والأكمل، والإنسان يحاول يجاهد نفسه على السكون، ولم يذكر أن نبينا عليه الصلاة والسلام أو أحدًا من صحابته كان يهتز في قراءته. يقول: ما حكم من يريد أن يشتري جوالًا وفيه كاميرا؟ وإذا أراد بيعه، هل يشترط أن يبيعه على رجل يعرف بأنه لا يصور به ذوات الأرواح؟ أفتى العلماء في أول الأمر بحرمة مثل هذه الجوالات من باب درء المفاسد، لأن استخدامها في الشر وفي السوء إذا نزلت إلى المجتمع أكثر من استخدامها في المباح. وأقول: هذا لأجل لا يقول قائل: «العلماء تناقضوا في الفتوى، كيف أفتوا بالمنع أولًا ثم من أفتى منهم بالتفصيل ثانيًا؟» الجواب: أفتوا بالمنع لأنه شيء لم تعم به البلواء، وكل شيء هو مظنة الشر والسوء يخشى أن ينزل على الناس، فدفعه وتخفيف شره مطلوب، فكانوا يحاولون ألا يكون ذلك، فلما عمت به البلواء وكان ما كان، صار يحذرون من استخدامه في تصوير ذوات الأرواح، فإذا صور به ذوات الأرواح فهو محرم، وإذا صور به ما ليس كذلك فقد يستخدمه الإنسان في تصوير ما يحتاجه في بيعه وشرائه -كسيارة أو بيت أو أرض أو غير ذلك- أو يستخدمه كذلك في الأمور المباحة: تصوير الأشجار والأنهار والمناظر الجميلة ونحو ذلك، فهذا من الأمور المباحة، هذا من الأمور المباحة. بقي القسم الثاني من السؤال: إذا باعه، هل يشترط أن يبيعه على من لا يصور به ذوات الأرواح؟ هذا هو الأولى والأحوط. يقول: هل يجوز أن نقول لخديجة: «عليها السلام»؟ لا نقول: «رضي الله عنها». طيب لهنا، والله تعالى شكرًا.