الصحيح المسند من دلائل النبوة 29

الصحيح المسند من دلائل النبوة 29

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 29، الدرس التاسع والعشرون:من( قال الإمام عبدالله بن محمد بن أبي شيبة رحمه الله ... وافق جعفراً قادماً من الحبشة كما في الإصابة والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

قصة هجرة المسلمين إلى الحبشة

يروي قصة إرسال رسول الله لجعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي ومواجهته لمبعوثي قريش. النجاشي أعجب بقول جعفر وأمر بإكرام المسلمين.

تحليل رواية الحديث وتقييم الراوي

يتناول تحليل رواية الحديث عن أبي موسى الأشعري وتقييم الراوي محمد بن عمر بن علقمة. العلماء اختلفوا في قبول روايته وتقييمها.

تقييم حديث النبي عن ذبحه للنصب

يناقش صحة حديث عن النبي يفيد أنه ذبح للنصب قبل البعثة. العلماء ضعفوا الحديث بسبب محمد بن عمر، بينما قدم إبراهيم الحربي توجيهين لشرحه.

ختام الرسالة والدعاء للقارئ

يختم الكاتب رسالته بتشجيع القارئ على مطالعتها ويذكر عنوانها الكامل. ثم يختم بالدعاء للقارئ بالخير وشكره.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن -مقبل الوادعي رحمه الله تعالى- في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال رحمه الله تعالى: وقال الإمام عبد الله بن محمد بن أبي شيبة رحمه الله تعالى: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي. قال: فبلغ ذلك قومنا، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدية، فقدمنا وقدما على النجاشي، فأهْدَوه بهديته، فقبلها وسجدوا، ثم قال له عمرو بن العاص: إن قومًا منا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك. فقال لهم النجاشي: في أرضي؟ قالوا: نعم. فبعث إلينا. فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم. قال: فانتهينا إلى النجاشي، وهو جالس في مجلسه، وعمر بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون والرهبان جلوس سماطين. وقد قال له عمرو بن العاص وعمارة: إنهم لا يسجدون لك. قال: فلما انتهينا إليه، زبرنا من عنده من القسيسين والرهبان -ومعنى زبرنا: أي زجرونا- (اسجدوا للملك). فقال جعفر: لا نسجد إلا لله. فلما انتهينا إلى النجاشي، قال: ما يمنعك أن تسجد؟ قال: لا نسجد إلا لله. قال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث فينا رسولًا، وهو الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم: برسول يأتي من بعد اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر. قال: فأعجب النجاشي قوله. فلما رأى ذلك عمرو بن العاص، قال: أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في ابن مريم. فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله: «هو روح الله وكلمته أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر». قال: فتناول النجاشي عودًا من الأرض، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد ما يقول هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه. مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، والذي بشر به عيسى ابن مريم. ولولا ما أنا فيه من الملك، لأتيته حتى أحمله عليه. أمكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لنا بطعام وكسوة. وقال: ردوا على هذين هديتهما. قال: وكان عمرو بن العاص رجلًا قصيرًا، وكان عمارة بن الوليد رجلًا جميلًا. قال: فأقبل في البحر إلى النجاشي. قال: فشربوا. قال: وما عمرو بن العاص امرأته. فلما شربوا الخمر، قال عمارة لعمرو: مر امرأتك فلتقبلني. فقال له عمرو: ألا تستحي؟ فأخذه عمارة، فرم به في البحر. فجعل عمرو يناشده حتى أدخله السفينة. فحقد عليه عمرو ذلك. فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلف عمارة في أهلك. قال: فدع النجاشي. قال: فدع النجاشي بعمارة، فنفخ في إحليله، فصار مع الوحش -يعني جنة- ومعنى أنه وشى به إلى النجاشي. قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الشيخين. وقول أبي موسى: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر إلى أرض النجاشي»، الراجح أنه لم يكن من المهاجرين إلى الحبشة، ولكنه عند هجرته وافق جعفرًا قادمًا من الحبشة، كما في «الإصابة». والله أعلم. وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة أنهم انطلقوا من اليمن، يريدون أن ينزلوا في بحر العرب الذي يقرب من النبي صلى الله عليه وسلم، فرمى بهم البحر في أرض الحبشة. فجمعًا بين الروايتين يكون كلام أبي موسى بعد أن قذف بهم البحر في أرض الحبشة، فكأنهم أرسلوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام: ماذا تأمرنا أن نصنع؟ فأمرهم أن يلحقوا بجعفر؛ لأنه أقرب إليهم من أن يأتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا جمعًا بين الروايتين، فيكون لحق بعد ذلك بجعفر، بعد أن قذف بهم البحر في أرض الحبشة. ووجه الشاهد من الحديث مر معنا مثله في الحديث السابق، وهذا يدل على أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم كان متوافرًا عند أهل الكتاب، ومنهم النصارى، حتى آمن النجاشي بالنبي صلى الله عليه وسلم لما سمع، ويكون هذا روي ببعض ما حضره، أو بعض ما حضره حكاه. وفي الرواية السابقة مر معنا أنه قرأ سورة مريم حتى بكى من في المجلس. وباقي مسائل الحديث سبق معناه، والكلام عليه فيما سبق من رواية هذا الحديث. وهنا تنبيه بالنسبة للحديث السابق الذي مر معنا: أحد الإخوان كأنه وقع في نفسه فيما يتعلق بالحديث السابق والكلام عليه. ونحن تعلمنا من شيخنا رحمه الله تعالى أن الحق أعز من الرجال. ثم كما ذكرت أن المسألة محتملة، ومسألة أولًا تصحيح الحديث، الشيخ رحمه الله اجتهد فصحح الحديث، والحديث محتمل التحسين. وكما قلنا أن في إسناده من هو محتمل قبول الرواية، وهو محمد بن عمر بن علقمة. وقد مر معنا قريبًا في درس المصطلح أنه مما اختلف فيه، وأن محمد بن عمر بن علقمة اختلفوا فيه، وكثير من أهل العلم يرون تحسين حديثه، إلا أن بعض أهل العلم نص على أنه في روايته خاصة عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب فيها كلام. قال: وروى عنه موسى بن عقبة، ومات قبله، وابن عمه عمر بن طلحة بن علقمة، وشعبة، إلى آخره. ثم قال رحمه الله تعالى: وآخرون. قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد وسئل عن سهيل ومحمد بن عمر، فقال: محمد أعلى منه. قال علي: قلت ليحيى: محمد بن عمر كيف هو؟ قال: تريد العفو أو تشدد؟ قال: قلت: بل أشدد. قال: ليس هو ممن تريد. وكان يقول: حدثنا أشياخنا، أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال يحيى: ومعنى أن روايته عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب خطأ؛ يعني أنه كما جاء في رواية أخرى عن يحيى بن معين أنه قال: كان يقول: حدثنا أبو سلمة، ويرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم -يعني هو موقوف من قول أبي سلمة- ويرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخطأ في ذلك. ولهذا نص على هذه الرواية بعينها، وحكم عليه في «التقريب» بأنه: صدوق له أوهام -أي الحافظ- وبعضهم ضعفه كما سيأتي. قال: وكان يقول: حدثنا أشياخنا، أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال يحيى: وسألت مالكًا عنه، فقال: فيه نحو ما قلت لك -يعني يحيى بن معين ينقل لابن المديني أن هذا الذي قاله قاله له مالك-. قال: قال علي: وسمعت يحيى يقول: محمد بن عمر أحب إلي من ابن أبي حرملة. وقال إسحاق بن حكيم، عن يحيى القطان: محمد بن عمر رجل صالح، ليس بأحفظ الناس للحديث. وقال إسحاق بن منصور: سئل يحيى بن معين عن محمد بن عمر ومحمد بن إسحاق: أيهما يقدم؟ فقال: محمد بن عمر. وقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معين عن محمد بن عمر، فقال: ما زال الناس يتقون حديثه -يعني الناس يتقون حديثه ولهذا روي عن ابن المديني وأحمد بن حنبل، وكذلك مالك ويحيى بن معين أنهم ما يقبلوا حديثه، يخافون حديثه-. قال: ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة -يعني مرفوعًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام-. وهذا الذي بين أيدينا هو من رواية محمد بن عمر، عن من عن أبي سلمة، ويحيى عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وقال الجوزقاني: ليس بقوي الحديث، ويشتهي حديثه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه، هو شيخ -يعني في الشواهد-. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال مرة: ثقة. وقال ابن عدي: له حديث صالح، وقد حدث عنه جماعة من الثقات، كل واحد يتفرد عنه بنسخة، ويغرب بعضهم على بعض -ومعناه أن حديثه فيه غرائب-. قال: وروى عنه مالك الموطأ. وأرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال: يخطئ -يعني ابن حبان-. قال الواقدي: توفي سنة أربعين ومئة. وقال عمرو بن علي: مات سنة خمسين ومئة -إلى آخر كلامه في مسألة وفاته-. فالشاهد أنه رحمه الله تعالى كان على ما سمعنا من الوهم عنده وهم، خصوصًا في روايتي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وقد نقل غير واحد منهم -كما قلنا- ابن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وابن سعد، وهكذا كذلك مالك شيئًا من أخطائه، أو مما يخطئ فيه خصوصًا في روايتي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وهكذا كذلك للذهبي رحمه الله كلام في «السير» في تضعيف هذا الحديث بعينه. وأوقفني عليه اليوم أخونا سالم. وكنت أعلم ذلك من قبل. وأوقفني عليه اليوم من رسالة أحد الإخوان ألف رسالة في نفس الحديث، وهي رسالة طيبة، طلعت عليها اليوم. أوقفني عليها أخونا سالم، فهي مفيدة في الموضوع إن شاء الله، يرجع إليها فيما يتعلق بهذا الحديث وكلام أهل العلم. فإذا معك الرسالة يا سالم بارك الله فيه. قال: وقال الحافظ الذهبي رحمه الله في «السير»، الجزء الأول، بعد ذكره لهذا الحديث في إسناده محمد لا يحتج به. وفي بعضه نكارة بينة. وفي بعضه نكارة بينة. وهكذا كذلك مسألة الحديث لو صح، فإنه يوجه بتوجيهات، لا أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح للنصب، وأن هذا مما يعني يكون قد أخطأ فيه قبل البعثة. وأنظروا إلى كلام إبراهيم الحربي رحمه الله، فقد ذكر في «غريب الحديث» له هذا الحديث، ووجهه بتوجيهين: التوجيه الأول: أن زيدًا الذي فعل الذبح فقط، وبغير علم النبي صلى الله عليه وسلم، فما يحسب ذلك على النبي عليه الصلاة والسلام. والثاني: أنه حمله على أنه ذبح لله لا للصنم، لكن ذبح عند الصنم، ذبح لله عند الصنم، أي زيد وبعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذبح لله عند الصنم. وعلى هذا لا يكون إشكال، ولا يصح أن يقال: إنه فيه دليل على أن الأنبياء ليسوا بمعصومين قبل البعثة -يعني من الشرك والكفر-. وهذا ليس بصحيح. ثم قد ذكرت لكم أن بعض أهل العلم -جمهور أهل العلم- قالوا: بأن الأنبياء، ونبينا عليه الصلاة والسلام خاصة، نصوا فيه الكلام: أنه معصوم من الكبائر، ومن الشرك والكفر قبل البعثة، قبل البعثة وبعد البعثة، أي عمده. بل بعضهم نقل الإجماع -كما قلت لكم- بعضهم نقل الإجماع، مثل ما نقل ذلك صاحب كتاب «محاكمة الأحمدين». ويرجع إليه في موضعه، فإنه نقل الإجماع في ذلك عن عدد من أهل العلم. فالمسألة يعني ليست بالسهلة حتى يقال: إنه مما لا ينبغي التنبيه عليه، بل التنبيه عليه مهم. وأما كون أن علماء صححوا الحديث، فتصحيحهم للحديث له وجه كما قلنا، ولكن إذا صحح لابد أن يوجه بالتوجيه الصحيح، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه كفر وشرك أبدًا قبل البعثة، ولا كذلك بعد البعثة، بل هذا حمله العلماء على أحد المعاني التي سمعناها. وبه نعرف كذلك أن الذهبي ليس كل ما عنده ينبهه على «مستدرك الحاكم»، لأن الذهبي هنا قال: قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي بشيء. لكن انظروا في «السير» تعقب على الحديث، وبين أنه لا يصح. فمحمد بن عمر عنده لا يحتج به. ولو نظرت إلى كلامه في «الميزان» في محمد بن عمر، تجد أنه يضعف روايته. أرجو بهذا التنبيه كفاية. والله تعالى أعلم. ومن أحب لطالع الرسالة، فهي رسالة مفيدة، سماها صاحبها: «تحفة الأصحاب في دفع ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح لنصب من الأنصاب». والله تعالى أعلم. جزاكم الله خيرًا. شكرًا.