الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 61، الدرس الحادي والستون:من( قال مسلم رحمه الله:حدثني الحسن بن علي الحلواني ... لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله به ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ ابن بريك بشرح كتاب الصحيح المسند من دلائل النبوة للشيخ مقبل الوادعي، مع التركيز على الإمام مسلم وروايته، وتناول مسألة توثيق الرواة.
يتناول المقطع حوارًا بين النبي صلى الله عليه وسلم ويهودي عن أمور يوم القيامة والجنة، وتفاصيل حول تكوين الجنين.
المقطع يبرز دلائل النبوة من خلال قصة سؤال اليهود للنبي وإجابته، ويتناول أهمية الصبر في التعامل مع المخالفين ومناظرتهم عند المصلحة.
يبرز المقطع عناد اليهود وتعاليهم عن الحق رغم معرفتهم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، بسبب الكبر والحسد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابي «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال رحمه الله تعالى: قال الإمام مسلم، رحمه الله تعالى: أحد ذني الحسن بن علي الحلواني، وهو أحد الثقات الحفاظ، توقف فيه بعض الأئمة وتكلموا فيه لما روي عنه من توقفه في الحكم على الواقفة. فروي عنه أنه قال: لا أكفر من وقف في القرآن، أو قال: لا أستطيع أن أكفر من وقف في القرآن. فترك روايته بعض الحفاظ لأجل ذلك، حتى قال بعضهم: ما تصنع برجل لا يكفر من كفر بالله؟ على أنه، رحمه الله تعالى، كان على عقيدة أهل السنة، فقد روي عنه أنه كان يقول حين سئل عن القرآن: كلام الله غير مخلوق، ومن قال غير ذلك فقد كفر، أو كما قال، رحمه الله تعالى. وقيل: رجع عن قوله. وبه تعرف أن بعض الأئمة، على جلالتهم، قد تزل لهم بعض الفتاوى، ولو في باب الاعتقاد، ولكن لم يمنع ذلك من عرفهم وعرف صلاحهم وسنيتهم أن يقبلوا روايتهم وأن يأخذوا من حديثهم. ولهذا فالإمام مسلم، رحمه الله، أكثر من الرواية عنه، وقال فيه غير واحد: ثقة حافظ، كما قال الخطيب البغدادي وغيره. بينما الإمام أحمد، رحمه الله، كان يهون من أمره، وبعضهم ربما طعن فيه، رحمه الله تعالى. وقيل: إنه رجع عن تلك الفتوى، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو توبة، قال: وهو الربيع بن نافع. والقائل مسلم، رحمه الله. وفيه، كما مر معنا، كيف كان ذا إمه يحرصون على الأمانة في الرواية. فلما كانت الزيادة والتفسير من الإمام مسلم، قال: وهو الربيع بن نافع؛ لأنه ربما يكون غيره، فإذا قال: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، أوهم أن القائل الحسن بن علي، وليس كذلك. ولهذا، كما قلنا، لا ينبغي لمن حدث بإسناد أن يزيد تفسيرا دون أن يبين أن هذا التفسير ليس من الراوي، لابد أن يقول: يعني فلان، أو: وهو فلان، ونحو ذلك. وهو أبو توبة الحلبي، رحمه الله تعالى. قال: حدثنا معاوية، قال: يعني ابن سلام. والقائل مسلم، كذلك بيّن أن معاوية ابن سلام، وهو معاوية بن سلام بن أبي سلام منطور الحبشي النوبي. وبه تعرف فضل العلم على أهله وعلى الذرية، فهذا حفيد لإمام من أئمة الحديث، أبو سلام منطور أحد أئمة الحديث، وهذا حفيده معاوية بن سلام، فانظر كيف بركة العلم تصلح لك الذرية. قال: عن زيد، يعني أخاه. والقائل كذلك مسلم، يعني زيد بن سلام بن أبي سلام منطور، فهو يروي عن جده، قال: أنه سمع أبا سلام، وهو منطور الحبشي، قال: حدثني أبو أسماء الرحبي. وزيد بن سلام اختلف في سماع يحيى بن كثير منه، فقد روي عن ابن معين أنه لم يلق زيد بن سلام، يعني يحيى بن أبي كثير. وسئل الإمام أحمد، رحمه الله، وبين أنه لقيه وسمع. وهكذا قد يختلف أئمة الحديث في بعض دقائق الرواية، فإذا كان ليس هناك مرجح صريح، فالمثبت مقدم على النافي؛ لأنه عنده زيادة علم. قال رحمه الله تعالى: والأصل كذلك في الثقة، الثقة والأمانة، يعني عدم التدليس. قال: حدثني أبو أسماء الرحبي. وأبو أسماء الرحبي هو عبد بن مرتد، قيل: من رحبة اليمن، وقيل: من رحبة الشام، ورجح أكثرهم أنه من رحبة الشام، فهو شامي، ويؤيده الإسناد؛ فإن الإسناد من أوله إلى آخره إسناد شامي. قال: أن ثوبان مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو ثوبان بن بجدد، وقيل: ابن جحدر، قيل: أصله من السراح، موضع بين مكة واليمن، اشتراه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلازم النبي، صلى الله عليه وسلم، في حضره وسفره. قال: حدثني، قال: كنت قائما عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد. فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهود: إنما ندعوه بإسمه الذي سماه به أهله. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي». وهذا من تواضعه، عليه الصلاة والسلام، ولين جانبه، وإلا فهو رسول الله حقا، عليه الصلاة والسلام. فقال اليهود: جئت أسألك. فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أينفعك شيء إن حدثتك؟» يعني: إن أجبتك عن أسئلتك. قال: أسمع بأذني. وفيه كبر اليهود وعنادهم، النبي، صلى الله عليه وسلم، يلين له الجانب لعله يسلم، وهو يستنكف. قال: فنكث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعود معه، فقال: «سل». والنكث وتحريك التراب بالعود. فقال اليهود: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «هم في الظلمة دون الجسر». واختلف بتفسير الظلمة، قيل: الفضاء، وقيل: موضع غير السماوات والأرض من أمر الآخرة. ومعنى دون الجسر، يعني قبل الجسر الذي يمر عليه الناس، فالله أعلم به. قال: «فمن أول الناس إجازة؟» يعني: مرورا بالجسر، وهو الصراط. قال: «فقراء المهاجرين». وقد صح عن النبي، عليه الصلاة والسلام، أنهم، أي الفقراء، يسبقون غيرهم بخمسمائة ألف عام، أو بخمسمائة عام. قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ ومعنى تحفتهم، أي: أول ما يكرمون به. قال: «زيادة كبد النون». أي: خلاصة، والنون الحوت. ولكن كما صح عن النبي، عليه الصلاة والسلام، أنه ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء. قال: «فما غذاؤهم على أثرها؟» قال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها». يعني: ثور يجعله الله عز وجل في الجنة، يأكل من أطرافها، فيكون غذاء لأول من يدخل أهل الجنة. والطيب لا يثمر إلا طيبا، فما أكل من الطيب كيف يكون في طيبه؟ ومع ذلك فيقال: كذلك ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء. قال رحمه الله تعالى: قال: «فما شرابهم؟» يعني: سأل اليهود: فما شرابهم عليه؟ قال: «من عين فيها تسمى سلسبيلا». عين خاصة، أول ما يشرب أهل الجنة من الجنة من هذه العين. قال: صدقت. صدقه؛ لأنه سمع ذلك ممن ينقل عن موسى، عليه الصلاة والسلام. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان، يعني: ممن سمع من الأنبياء. قال: ينفعك إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني. كبر. قال: جئت أسألك عن الولد. قال: «ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلى مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله، وإن على مني المرأة مني الرجل أنث بإذن الله». قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي. ثم انصرف فذهب. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به». ومعنى أن الجواب كان وحيا من الله، أوحاه الله عز وجل لنبيه، عليه الصلاة والسلام، فلم يكن عند النبي، عليه الصلاة والسلام، من هذه الأسئلة وجوابها شيء. وهذا هو وجه الشاهد من إيراد هذه الرواية. وفيه أن النبي، عليه الصلاة والسلام، أيد بدلائل النبوة. ومن دلائل النبوة التي أيد بها أنه، عليه الصلاة والسلام، سأله بعض أهل الكتاب عن أشياء علموها في دينهم مما وافق الحق، فأجاب، عليه الصلاة والسلام، بما يوافق ما علموا من الحق، فلم يستطيع أن يردوا عليه شيئا، فأسكتهم. كما بوّب وذكر في الفصل الشيخ، رحمه الله تعالى. وفي الحديث مسائل أخرى من أهمها: فيه ما ينبغي أن يكون عليه الداعي لله من الصبر وسعة الصدر في التعامل مع المخالفين، سواء أكان ذلك رجاء دخوله في الحق أو دخول غيره في الحق؛ لأنه إن لم ينتفع هو، انتفع من خلفه، انتفع بهذا من خلفه. ولهذا مثل هذه القصة ونظائرها التي سيأتي بعضها، إن شاء الله، في هذا الفصل، كانت سببا في إسلام عدد من اليهود ممن أسلم وآمن بالنبي، صلى الله عليه وسلم. فإن اليهود أكبر وأكثر ما منعهم من الإيمان به، عليه الصلاة والسلام، الكبر والحسد، كما جاءت الآيات الكثيرة في ذلك. وإلا فهم علموا تمام العلم أنه رسول الله حقا وصدقا، وأنه نبي الله الذي بشر به. فهذا واحد من اليهود أقر في آخر القصة بأنه رسول الله عز وجل ونبيه، ومع ذلك رجع ولم يؤمن. لكن ليس من الشرق إذا رجى الإنسان بفعله وقوله ما عند الله سبحانه وتعالى أن يكون في ذلك إسلام هذا الحاضر، بقدر ما قد يكون فيه إسلام ودخول غيره في الحق ممن خلفه؛ لأن المنصف إذا رأى الحق وبلغه الحق دخل فيه. المنصف إذا بلغه الحق وعرف الحق دخل فيه، ولو لم يحضره. فمن كان من اليهود منصفا وسمع مثل هذا وعلم أن هذا اليهودي بعد هذه الأسئلة شهد بأنه نبي لله حقا وصدقا، سيقول في نفسه: ما المانع إذن أن نؤمن ونسلم؟ ما دام أنه ثبت بقول هذا الرجل الذي هو من علماء اليهود أنه نبي؟ إذن ينبغي أن يتابع. وهذا الذي حصل من بعضهم كما سيأتي، إن شاء الله. وفيه كذلك من المسائل: ما ينبغي أن يحتاط له المناظر لأهل الباطل من وضع الإلزام قبل الخوض في ما يسأل عنه. وفيه كذلك جواز مناظرة أهل الباطل عند المصلحة. وقد اختلف أهل العلم في مناظرة أهل الباطل، والصحيح أنها تستعمل عند المصلحة، فإذا اقتضت المصلحة ذلك فإنه يجوز. ومنه إجابة أسئلة أهل الباطل، فأحيانا لا يحتاج صاحب الحق أن يجيب على أهل الباطل في أسئلتهم إذا علم أنها أسئلة تعنت أو أنها تعنت ولا تنفع، أي: ضررها أكثر من نفعها. وأما إذا كانت أسئلة ليست أسئلة تعنت، أو كانت أسئلة تعنت من متعنت، الجواب عليها قد ينفع من خلفه، وليس فيه مضرة، فهنا يجاب على مثل هذه الأسئلة، ليس رفعا لهذا المتعنت، ولكن لطلب نفع من خلفه. وفيه من المسائل: فضل المهاجرين، وفقراء المهاجرين خاصة، بل وفيه فضل فقراء المسلمين عامة، كما صحت بذلك الأحاديث. فإن الفقراء يسبقون الأغنياء بخمسمائة عام، أي: في دخول الجنة. وفيه كذلك من المسائل: هذه التفاصيل الذي فيها إكرام أهل الجنة في أول دخولهم الجنة. وفيه من المسائل كذلك: ذكر سبب التذكير والتأنيث في حمل المرأة. وجاء في هذه الرواية أنه بحسب ماء الرجل وماء المرأة. وجاء في بعض الروايات بحسب الكثرة، وجاء في بعض الروايات بحسب السبق. ولهذا اختلف أهل العلم في ذلك، فقيل: أنها كلها أسباب جعلها الله عز وجل أسبابا لحصول التذكير والتأنيث، فإذا اجتمعت كلها كان ذلك مقتضيا لوجود الحكم بإذن الله سبحانه وتعالى. وإذا تخلف بعضها، فإنه قد يتخلف الحكم بإذن الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا على كل شيء قدير. وهذا أخبر به النبي، عليه الصلاة والسلام، بوحي، وهذا لا ينافي ولا يعارض التفاسير المعاصرة في مسألة التذكير والتأنيث؛ فإنه لا مانع أن يكون هذا سببا مع وجود ما يذكره أهل علم الأحياء. وأخيرا: فيه من المسائل: عناد اليهود وكبرهم، وكذلك تعاليهم عن الحق، فهم قد علموا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، رسول الله حقا وصدقا، ومع ذلك ما منعهم إلا الكبر والحسد أن يؤمنوا به، عليه الصلاة والسلام. وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم.