الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 88، الدرس الثامن والثمانيون:من( قال البخاري رحمه الله تعالى:حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب ... قال:من يمنعك مني؟ فقلت الله ثلاثاً ولم يعاقبه فجلس.الحديث أخرجه مسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي المقطع قصة الأعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم أثناء نومه، ويبرز عصمة النبي كما ورد في القرآن الكريم. الحديث يظهر حفظ الله لنبيه وتأكيد صدق رسالته.
يتناول المقطع دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم من خلال حفظه في مواضع كثيرة، ويشرح الفرق بين المتوكل الصادق والمتعلق بالأسباب، مشيرًا إلى أهمية التوكل على الله.
يشرح المقطع أهمية العفو عن الناس وآثار حسن الخلق على إقبال الناس على الإسلام، ويبين استحباب نوم القيلولة طبقًا للسنة النبوية ودلالتها الطبية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة"، في سياق ما ذكره في عصمة الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، قال: قال البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، وهو ابن أبي حمزة، عن الزهري، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، قال: حدثني سنان بن أبي سنان الدؤلي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أخبره أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه -يعني لما رجع- قال: فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العظاه. والقائلة: ما قبل الظهر أو بعد الظهر، هو وقت راحة القيلولة، ووقتها قبل الظهر أو بعدها. قال: فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العظاه، والعظاه المراد بها أشجار العظاه، ويذكر تغليبًا إذا غلب الشجر، وإلا فإنه قد يكون بينه غيره، فلا يعارضه ما جاء في حديث أبي هريرة ذكر السمرة، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم استظل تحت سمرة في نفس القصة، فيكون المراد التغليب. قال: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة وعلق بها سيفه، ونمنا نومة -ومعنى نومة المجاهد المسافر في وقت شدة الحر وعند وقت المقيل- ومعنى أنهم أصابتهم غفوة من شدة التعب. قال: فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، وسماه بعض الشراح وذكروا له تسميات، وهو رجل من أهل نجد من المشركين، قيل: اسمه غورث، وقيل دانوك، وقيل غير ذلك. قال: وإذا عنده أعرابي، فقال: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا -ومعنى صلتًا: قد أخرجه من مخبأه، وهذا علامة إرادة الشر- فقال: من يمنعك مني؟ القائل الأعرابي. قال: فقلت -أي النبي عليه الصلاة والسلام يحكي ما وقع- الله ثلاثًا، يقول: الله، الله، الله. وفي رواية: أن الأعرابي ارتعد حين سمع هذه الكلمة، فسقط السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له مثل ما قال: من يمنعك مني؟ فطلب العفو، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ولم يعاقبه وجلس. الحديث أخرجه مسلم. وأشار بعض الشراح -صاحب "عمدة القاري"- أنه جاء في بعض الروايات أن الرجل أسلم، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، حين عفا عنه ولم يعاقبه عليه الصلاة والسلام. وفي رواية للبيهقي: أنه قال له النبي عليه الصلاة والسلام: أتسلم؟ قال: لا، ولكني لا أكون مع قوم يقاتلونك، لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك. والجمع بين الروايتين: أنه قال ذلك ابتداء، ثم أسلم من عند نفسه -يعني من دون أن يكون عليه أو منه طلب-. هذا حديث عظيم أورده شيخنا رحمه الله كذلك ليستدل به على الفصل في هذا الكتاب في قوله: في عصمة الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقول الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. ووجه الشاهد من الحديث ظاهرة، فإن الله عز وجل عصم النبي عليه الصلاة والسلام من هذا الأعرابي الذي قد اخترط سيف النبي عليه الصلاة والسلام وأراد قتله، فعصمه الله، فسقط السيف من يد الأعرابي. وهذا قليل من كثير مما يدل على أنه نبي الله صدقًا ورسوله حقًا عليه الصلاة والسلام، إذ حفظ في مواضع كثيرة مع سبق قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وقد سبق معنا أنه كان يحرس عليه الصلاة والسلام، فلما نزلت هذه الآية ترك أو أمر بترك حراسته عليه الصلاة والسلام، فعصمه الله، وهذا من مؤيدات صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. فكل منصف إذا تأمل مثل هذه الأدلة الكثيرة في هذه الخصلة، فضلًا عن غيرها من الخصال الأخرى من دلائل نبوته وصدق رسالته، لم يجد بدًا إن كان منصفًا إلا أن يدعِنَ أنه رسول الله حقًا وصدقًا. فإن مثل هذا ليس مما تجتمع مثله الموافقات، ولا تجمعه الصدف، بل هو يحقق ويدخل اليقين في قلب كل من في قلبه شك أنه رسول الله حقًا وصدقًا. وفي الحديث مسائل أخرى من أهمها في هذا الحديث ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من حسن الخلق والتواضع، فإنه كان يقيل تحت الشجر عليه الصلاة والسلام. وليتأمل المتأمل في مثل هذا مع حال الملوك في زمانه عليه الصلاة والسلام وقبل وبعد، فإنه يجد معاني الرسالة والنبوة والعبودية لله عز وجل في هديه وسمته وخلقه وسيرته وحياته عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك من المسائل تأكيد بشرية النبي صلى الله عليه وسلم، خلافًا لمن غلا فيه من أنه يعلم الغيب وأنه يملك ما لا يملك غيره من البشر، وكل هذا كذب، بل هو عبد من عباد الله أكرمه الله عز وجل بشرف الرسالة والنبوة عليه الصلاة والسلام، فخصه بما خصه به من الفضائل والصفات عليه الصلاة والسلام، ولا تبلغ ذلك أن يكون عنده شيء مما ينافي بشريته أو يجعل الاشتباه في خروجه من بني آدم، فضلًا أن يجعل شيء من صفات الألوهية عليه الصلاة والسلام، بل إنه عبد لله وهو رسول من رسل الله عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك من المسائل شجاعة عليه الصلاة والسلام وما ينبغي أن يكون عليه المسلم، فإن المسلم من تمام توكله على ربه سبحانه وتعالى لا يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها، لا ينبغي أن يخاف ولا يتزلزل ولا يتزعزع ولا يدخل في قلبه شيء من الوهن مهما اجتمعت عليه الأسباب الضارة أو إن صرفت عنه أسباب النفع، فهو لا يتعلق بالأسباب وإن كان يأخذ بها لأنه متعلق بالله عز وجل. وهنا يظهر الفرق بين المتوكل الصادق في توكله على ربه سبحانه وتعالى وبين المتوكل الذي نقص توكله فصار في قلبه شيء من التعلق بالأسباب، فالفرق بينهما أن المتعلق بالأسباب قلبه يميل وينصرف بإقبال الأسباب وإدبارها، وأما المتوكل على الله حقًا وصدقًا لا يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها. وحديث ابن عباس في البخاري وغيره، قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس: إن الناس قد جمعوا لكم. وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن قلبه متعلق بالله لا يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها، وهذا مقام عسير وليس بيسير من مقامات العبودية، لا يبلغها العبد إلا إذا بلغ الإيمان واليقين في قلبه مبلغًا عظيمًا، ومن تأمل هذا الموقف تبين له ذلك. ولهذا قال العلماء: لا يتم التوكل إلا بثلاثة شروط، ما هذه الشروط الثلاثة؟ شروط التوكل: الأول معرفة الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، الثاني الأخذ بالأسباب، الثالث الاعتماد على الله لا على الأسباب، هذه ثلاثة شروط إذا تحققت تحقق القيام بالتوكل، وإذا لم تتحقق لم يتحقق معنى التوكل. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك تصديق وتحقيق قول الله عز وجل في نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، فمن تأمل هذا وغيره من المواقف الكثيرة في سيرته عليه الصلاة والسلام علم حقيقة ما أخبر الله عز وجل به. فهذا كذلك باب آخر من أبواب بيان مكارم هذا الدين، وكذلك عظيم صفات نبي هذا الدين الكريم عليه الصلاة والسلام، وأن ديننا دين السماحة والرحمة مع الحكمة. فمن تأمل في تاريخ البشرية لم يجد مثل هذه الأمثلة إلا في تاريخ أهل الإسلام، أين يوجد مثل هذا أن يأتي إنسان فيخترط السيف ويريد قتل كبير القوم وعظيمهم ثم يعفى عنه؟ فإن دل على كريم أخلاق هذا الدين العظيم وأهله، فديننا يدعون إلى العفو والصفح والرحمة بالخلق، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم عمومًا وحملة العلم خصوصًا، لا يعاملون الناس بأخطائهم ولكنهم يعاملونهم بمقتضى ما علموا من شريعة الله، فيكون المسلم كالشجرة يرمى بالحجارة وترميهم بالثمار. فإنه إذا فعل حملة العلم مثل ذلك كان هذا مدعاه لإقبال الناس ودخولهم في دين الله عز وجل، ودخول الناس في هذا الدين بحسن الخلق وكريم الأخلاق أعظم من دخولهم بالسيف والسنان. ولهذا لما خالط المسلمون المشركين بعد صلح الحديبية، قال جابر بن عبد الله: فدخل في الدين أضعاف من دخل قبل ذلك، لما رأوا أخلاق أهل هذا الدين. وكذلك عظيم ما في هذا الدين، وهذا قليل من كثير مما يؤيد ما سبق من أن حسن المعاملة والخلق له أثر عظيم في إقبال الناس على دين الله عز وجل مع الحكمة، يعني لا يعني ذلك أن يكون المسلم ضعيفًا، فرق بين من يعفوه متمكن ويرى في هذا المصلحة، وبين من يعفوه ضعيفًا. فهذه الأمثلة يكون فيها أعظم من أثر السيف والسنان في قلوب المعارضين. ولهذا أسلم مثل هذا الرجل، بل ودعا قومه -كما في رواية البيهقي- إلى الإسلام، ودعا قومه إلى الإسلام، صار يحدثهم كيف أراد قتله فعفا عنه، وهذا ليس بالأمر السهل. وفيه أخيرًا من المسائل كذلك استحباب نوم القيلولة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل». وفي نوم القيلولة سنة، وهو كذلك فيه شيء من الطب النبوي كما أشار إليه أهل العلم. نكتب بهذا والله تعالى أعلم.