الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 17، الدرس السابع عشر:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا عبدالله بن يوسف ... فقلت يا رسول الله تنام قبل أن توتر؟ قال:تنام عيني ولا ينام قلبي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته الحسنة مثل عدم الفحش والتفحش واختيار الأيسر من الأمور. كما يشير إلى أهمية حسن الخلق في الإسلام وضرورة التأسي بالنبي في ذلك.
يناقش هذا الفصل ضرورة التأسي بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الآخرين، مثل اختيار الأيسر في التعامل وعدم الانتقام للنفس. كما يميز بين نصر الحق ودفع الإثم وبين الانتقام الشخصي.
يصف هذا الفصل حياء النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه الكريمة، مثل كراهيته للشيء دون أن يتكلم وقيامه في رمضان. كما يبرز جمعه بين الحياء والشجاعة في قول الحق.
يتناول هذا الفصل وصف الحياء الشديد ودرجاته، مشيرًا إلى أنه يدل على درجة كبيرة من الخجل أو التورع. هذا الوصف ينطبق على من بلغ الحياء فيه مبلغًا كبيرًا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال رحمه الله تعالى: وقال البخاري رحمه الله: حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا». قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه. ومن تقمص رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها. وهذا كذلك من أخلاقه عليه الصلاة والسلام، وهو كذلك من دلائل نبوته وبراهين صدق رسالته عليه الصلاة والسلام؛ أنه كان قد وفق لأكمل الأخلاق عليه الصلاة والسلام، فلم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، لا فاحشًا لنفسه ولا متفحشًا على غيره. وهكذا كان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» أو «أحاسنكم أخلاقًا»، والمعنى أن خيرية المرء في الدين بقدر حسن خلقه. فينبغي للمسلم أن يراعي هذا الباب، وأن يكون عنده له بال في نفسه وفي قوله وفي فعله. فكم من إنسان يوفق لأبواب كثيرة ويحرم هذا الباب، وهذا تقصير عظيم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ميزان الخيرية بحسن الخلق. وليس معناه أن حسن الخلق يكون على حساب الدين، لا؛ بل بات على دين الله، استقام على السنة، مجانب للبدعة، مع حسن خلق؛ لأن بعض الناس ربما يغتر بحسن خلق بعض أهل الأهواء فيغتر به، وهذا خطأ. بل ثبات على السنة واستقامة على الشريعة مع حسن خلق في النفس وفي الغير. وهكذا كذلك من أخلاقه عليه الصلاة والسلام التي ينبغي أن نتأسى به كذلك أنه ما يخير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا. ومعناه أنه كان عليه الصلاة والسلام لين الجانب، لا يستعصي مع أحد. ولهذا كان من خلقه أن الجارية إذا أتته ربما أخذت بيده حيث شاءت، معنى الجارية البنت الصغيرة تريده، ما يتكبر. اليوم ربما بعض الناس إذا جاءته بنت صغيرة تقول: أريدك، أريد أكلمك، يسخر أو يستهزئ أو يستصغر ويستعصي. لكن من حسن الخلق ومن كذلك خلق نبينا عليه الصلاة والسلام الكامل أنه كان لين الجانب. ومن لين الجانب أنه ما يخير بين أمرين إلا اختار الأيسر، وهذا معناه أن الأيسر على كل حال بشرط واحد أن لا يكون إثمًا. وهذا الأيسر أحيانًا يكون شاقًا على النفس. انظر على سبيل المثال: أنت تعامل زوجتك وتعامل أبنائك في بيتك، فربما يكون الأيسر في عين قضية من القضايا أن تقوم أنت بالأمر وتترك ما تأمر به أهل بيتك، فيكون الأيسر هو المطلوب وهو الذي يحرص عليه ما دام أن غيره يسبب عسر. وقد يقول قائل: هذا أولًا شاق على النفس، خصوصًا الاستمرار عليه. وصحيح، وكلنا قد يقصر ويقصر في هذا الباب، لكن يجاهد نفسه على تكميل الأخلاق الحسنة. وليس تقصيرنا سببًا لأن ننسى هذا الباب أو نلغيه، لا نلغيه، بل نجاهد أنفسنا على أن نحرص على فعل ذلك ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. وهكذا كذلك قد يكون هذا الأيسر مدعاه لتطاول الآخرين. الجواب: إن كان سيصل إلى إثم فليس هذا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام؛ يعني كان سيصل إلى خطأ، كأن يكون سكوت وتجاوز يعين على الإثم بالعدوان ويعين على الخطأ، ولا يعين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يعين على التأديب الحسن والخلق الحسن، فإذا هذا لم يكن من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام. بل ينبغي أن تفعل الأمثل بغير هذا. فإن كان لا، فإن من الناس من إذا أكرمته كأن فعلت الأيسر ملكته ولو بعد حين، فالحليم كما يقال تكفيه الإشارة، فمثل هذا يكون معه مثل هذا الفعل نافعًا. وآخرون لا، على العكس ربما يكون هذا سببًا لتطاولهم وتجاوزهم، فينبغي أن يسلك مسلك آخر، فلكل مقام مقال. وهكذا قل في كل شيء: ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك أكدت وبينت ووضحت رضي الله عنها أنه لم ينتقم لنفسه عليه الصلاة والسلام؛ لأجل أن لا يلبس الشيطان على بعض الناس أن أمرًا ما من الإثم وهو ليس من الإثم، إنما هو انتصار وانتقام للنفس. أحيانًا يغضبك إنسان أو حتى قريب، فيكون منك ردة فعل هي خلاف الأيسر وخلاف الأكمل، قد يزين الشيطان أن هذا الفعل هو لدفع الإثم، وفي الحقيقة هو انتقام للنفس وتشفي وإشفاء للغيض، فهذا الثاني خطأ والأول صواب. إذا كان هو نصر للحق ودفع للإثم فهو صواب، وإن كان انتقامًا للنفس وإشفاء للغيض فهذا خطأ. فينبغي الإنسان أن يجاهد نفسه على أكمل الأخلاق. قال البخاري رحمه الله: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم. ومعناه أن يد النبي صلى الله عليه وسلم وكفه على وجه الخصوص كانت لينة، ليست خشنة. قال: ولا شممت ريحًا قط أطيب من ريح أو عرف النبي صلى الله عليه وسلم. وكون يده لينة عليه الصلاة والسلام أو كفه لينة لا يعني أنه كان منقطعًا عن العمل لنفسه أو لغيره، بل كان عليه الصلاة والسلام يقوم بأعمال نفسه بنفسه عليه الصلاة والسلام، بل يقوم ببعض أعمال أهل البيت، فيعين عليه الصلاة والسلام. فإذن هذا لا ينافي القيام بالكامل من الأخلاق في نفع النفس ونفع الآخرين. وهكذا كان طيب الريح عليه الصلاة والسلام. قال البخاري رحمه الله: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن شعب عن قتادة عن عبد الله بن أبي عتبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها. ومعنى أنه كان حييًا عليه الصلاة والسلام، وكثير الحياء، حتى أنه ربما يؤخذ فوبه من عليه ولا يعترض عليه الصلاة والسلام حياء وإكرامًا منه عليه الصلاة والسلام. ويسأل الشيء فيعطيه، كما جاء أن ذلك الرجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسأله ما عليه من ثياب، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام وخلع ما عليه وأعطاه إياه. فعنف الناس على الرجل، قالوا: تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلم يعني أنه يستحي أن يرد أحدًا ما يقول لأحد لا. فقال: أما والله ما طلبته إلا أن يكون كفني، يعني تجاسرت لأجل أن يكون كفنًا لي. ونحو ذلك من الوقائع الكثيرة التي تدل على شدة حيائه عليه الصلاة والسلام بالحق. كما قالت عائشة: ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، يعني لا يكون حياؤه على حساب الحق أبدًا، بل كان عليه الصلاة والسلام يصدع بالحق. وهذا كمال الخلق أن يكون المرء حييًا مع شجاع في صدع بالحق. وقل أن يوجد مثل ذلك؛ فإن المرء قد تأخذه نفسه إلى أحد الطرفين. قال: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى وابن مهدي قال: حدثنا شعبة مثله. يعني بمثل ما سبق من حديث يحيى. قال: وإذا كره شيئًا عرف في وجهه، يعني زاد في رواية ابن مهدي أنه إذا كره شيئًا عرف في وجهه، يعني ربما ما ينكر إن كان لا حاجة للإنكار باللسان، ولكن يرى نكارة ذلك في وجهه، فيعلمون أنه كره ذلك. فيكون إنكار المنكر أو إذا كان ليس منكر وإنما هو على خلاف ما يحب، يعرف ذلك في وجهه إذا كان ذلك يحصل به المقصود، كما حصل حين دخل على عائشة وفي بيتها تصاوير، وقف عند الباب لم يدخل، فعرفت في وجهه أنه قد غضب من شيء، فأشارت إليه أو عليه عليه الصلاة والسلام، فبين لها التصاوير فشقتها وأخرجتها. قال البخاري رحمه الله: حدثني علي بن الجعد قال: أخبرنا شعبة عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه. وهذا كذلك من كريم أخلاقه عليه الصلاة والسلام، وهي تفاصيل لما سبق من حسن خلقه ومن حيائه ومن كذلك فعله للأيسر وغير ذلك من مكارم أخلاقه عليه الصلاة والسلام. وهو كما يقال هو من السهل الممتنع؛ يعني بعض الناس يظنه سهلًا لكنه يشق على الكثير إلا من وفقه الله ورحمه. فكان عليه الصلاة والسلام إذا عجبه الطعام أكل، وإذا لم يعجبه تركه، ولم يعب طعامًا قط. وهل معنى ذلك إذا كان الإنسان يحتاج لتقويم لإصلاح لا يتكلم؟ الجواب: لا يتكلم، لكن ليس على وجه العيب. فرق بين أن تتكلم لتصلح وبين أن تتكلم لتنتقص وتتتبع عثرة وتعيب، ففرق بين الأمرين. وتأمل أنت كلامك وحدة صوتك وتعابير كلماتك ووجهك، تعرف الفرق بين الموقفين في هذا المقام. قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن سعيد المقبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربع ركعات فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا. فقلت: يا رسول الله، تنام قبل أن توتر؟ قال: «تنام عيني ولا ينام قلبي». وهذا الشاهد: كان من هديه وخلقه عليه الصلاة والسلام وشمائله أن عينه تنام وقلبه لا ينام، متعلق بالله عز وجل، وهو في حياة دائمة. وهذا إشارة إلى كذلك حسن تعبده لربه سبحانه وتعالى. فبين شيخنا رحمه الله بأوراد هذه الأحاديث إلى شيء من أخلاقه وشمائله عليه الصلاة والسلام. ونكتفي بهذا ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم. يقول: ما معنى العذراء؟ معنى العذراء أي البنت البكر التي تستحي، فيغلب عليها الحياء من مخالطة النساء فضلًا عن غير النساء، فحياء النبي عليه الصلاة والسلام كان أشد من ذلك. وهذا الوصف يقال إذا كان الحياء قد بلغ مبلغًا عاليًا.