التقريرات السنية على المنظومة البيقونية  66

التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 66

الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 66، خاتمة في آداب الشيخ والطالب . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أهمية إخلاص النية

يؤكد الشيخ على أهمية إخلاص النية في طلب العلم للطالب والمعلم، ويحذر من الانحراف إلى الأغراض الدنيوية. كما يستشهد بأحاديث نبوية تشير إلى خطورة ازدياد العلم دون ازدياد في الزهد والإخلاص.

آداب طالب العلم وصفاته

يذكر الشيخ آداب طالب العلم مثل عدم التحدث ببلد بدون إذن من هو أولى، والتطهر، والجلوس بوقار. كما يشدد على افتتاح الحديث بالبسملة والتحميد والصلاة على النبي.

التواضع في العلم بقول "لا أدري"

ينصح الشيخ باعتياد قول "لا أدري" عند الجهل بشيء، لأنها من العلم وتدل على التواضع. كما يحذر من الترفع عن قولها بسبب حب التصدر.

تحذير من الانحراف عن طريق العلم

يحذر الشيخ من الانحراف عن طريق العلم الصحيح بابتغاء الدنيا والتصدر والرئاسة، ويصف هؤلاء العلماء بأنهم لم يريدوا بالعلم وجه الله ولم يعملوا بما علموا.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح -رحمه الله تعالى-: خاتمة، نسأل الله تعالى حسنها -يعني حسن الخاتمة- اللهم أمين. قال في آداب الشيخ والطالبي: ليتخلق كل منهما بها -أي بهذه الآداب-. قال: فمما يشتركان فيه إخلاص النية، بألا يكون المطلوب عرضًا دنيويًا ولا رياسة، ونبه على هذا، وإلا فالمنافع للإخلاص أشياء كثيرة، ولكن نبه على هذا؛ لأن هذا أكثر ما يحصل به الابتلاء، أن يطلب الطالب أو الشيخ العلم لأجل العرض والغرض الدنيوي، أو كذلك الوصول إلى الرياسة، وإنما الأعمال بالنيات. قال: فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». والمعنى: ينبغي لطالب العلم، وهكذا من كان له شوط في طريق العلم، فصار من حملته ومشايخ العلم، أن يصحح نيته، وتصحيح النية لا يفتقر لوقت دون وقت، بل لا يزال في كل وقت وحين حامل العلم يحتاج لتصحيح نية، ربما في كل خطبة، وفي كل درس، وفي كل كلمة، وفي كل نصيحة، وفي كل وعظ يحتاج لتصحيح النية؛ لأن الكلمة قد تكون أصلها لله، ففي ثنايا تلك الكلمة أو الدرس تعترض بعض الأمور، فتخرج تلك الكلمة مما كانت له إلى غرض آخر. فقد يكون -مثلًا- أصل الكلمة لله، وفي ثناياها تشفي، وفي ثناياها تشفي على خصم أو على عدو أو غير ذلك، فهذا منافي للإخلاص في النية، فضلًا أن يريد أن يصل به إلى عرض أو غرض من الأعراض والأغراض الدنيوية، وما أكثرها، فهي لا تعد ولا تحصى. والرياسة من الأعراض والأغراض الدنيوية، لكنه -كما يقال- خصوص بعد عموم، يدل على أهميته وكثرة الابتلاء به؛ فإنه يكثر الابتلاء أن يطلب حامل العلم وطالبه العلم لأجل الرياسة والمنصب وثناء الناس ونحو ذلك. قال: وروي «من ازداد علمًا ولم يزدد زهدًا لم يزدد من الله إلا بعدًا». والحديث -كما أورده بصيغة التمريض المشيرة إلى ضعفه- وأشار عندكم في التعليق أنه ضعيف، لا يصح، فيه موسى بن إبراهيم متروك. قال: ومما ينفرد به -ولكن معناه صحيح-: «من ازداد علمًا ولم ينتفع من علمه بأن يزهد في الدنيا ويخلص نيته؛ فإنه لم يزدد بعلمه ذلك إلا من الله بعدًا». ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة، وذكر منهم حامل العلم؛ فإنه أحد الثلاثة». وكما قال القائل: «عالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن». قال -رحمه الله تعالى-: ومما ينفرد به الشيخ -يعني مما يخص الشيخ من الآداب- ألا يحدث ببلد فيه من هو أولى منه؛ وذلك لأنه أولًا ربما يكون فيه تصدر، أي سببه التصدر حب التصدر، وهذا بحد ذاته مرض. ثم لو لم يكن ذلك، ففيه أذية لمن هو أولى منه، وفيه كذلك صرف الناس عن الأولى لهم، وغير ذلك من المفاسد الكثيرة التي تترتب على هذا. لكن إذا أذن له هذا الأولى، فكان بإذنه وبإشرافه، فإن ذلك تجتمع به المصلحة وتندرئ به المفسدة؛ المصلحة أن يعان هذا الأولى على الخير، وينتفع الناس من علم الشيخين، ويحصل كذلك المقصود من التعاون على البر، وفي نفس الوقت لم تصرف وجوه الناس، والكل يريد ما عند الله، وكذلك لم يحصل إنزال القدر الذي قد يضعف توجه الناس لمن ينبغي توجههم إليه، وغير ذلك من المصالح التي تحصل والمفاسد التي تندرئ. وكما قيل: إذا صلحت النيات استغني بذلك عن المعاذير. قالوا: أن يتطهر ويجلس بوقار -يعني يتأدب بأدب العلم-، وهذا فيه إلماح لغيره من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها حامل العلم والمشايخ، خصوصًا مما يكون فيه إكرام العلم؛ فإن من الأخلاق والأفعال ما يكون فيها الجناية على العلم، فلا ينبغي لحامل العلم أن يدنس العلم الذي يحمله بسوء تصرفاته. وأما كونه يتطهر -يعني إكرامًا للعلم-؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لأجل رد السلام تيمم، فمجلس العلم من باب أولى. وقوله: «يجلس بوقار»، الوقار وصف للهيئة، فتكون هيئته فيها وقار يليق بهذا العلم، والمقصود بالوقار الوسط، ليس ترفع المتكبرين والمتجبرين من الملوك والسلاطين ونحوهم، ولا تبذل كذلك الممتهنين من السفهاء والسوقة والصبيان. وبه تعرف أن الوقار واسع، لا يشترط له شكلًا ولا لونًا ولا هيئة، لكن بحسب ما يقتضيه العرف ويتسع له الحال، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والمقصود أن يسير بسير وسط. قال: ولا يحدث قائمًا ولا في الطريق -يعني بغير حاجة-، وإلا فقد ثبت عن أهل العلم التحديث قائمًا والتحديث في الطريق عند الحاجة. قالوا: أن يفتتح بالبسملة والتحميد والصلاة والسلام على البشير النذير صلى الله عليه وسلم، فهذا من الأدب، وتدل عليه عمومات، وصار عليه سنة أهل العلم. قالوا: أن لا يقوم حال تحديثه لأحد؛ فإنه إذا قام كتبت عليه خطيئة -كما روي عن بعضهم- يعني أنه تكتب له خطيئة لقطع ذلك العلم، ولكن هذا لا دليل عليه، ويكفي أنه خلاف الأدب، والمطلوب أن حامل العلم يكون أكمل الناس أدبًا، فهو يفعل الأفضل والأكمل. قالوا: أن يلازم «لا أدري» فيما يجهله -يعني يحرص حتى يصير هذا كثيرًا في لسانه-، ينبغي أن يعود نفسه حامل العلم والشيخ على هذا الأدب، الله أعلم، لا أدري، لا أعرف، اسأل غيري، اسألوا غيري، اسألوا أهل العلم، ونحو من العبارات التي فيها تأدب مع العلم، وتربية الغير، كذلك فيها تربية للغير على هذا الأدب. وكما قيل: من العلم أن يقول المرء لما لا يعلم: الله أعلم، كما روي معناه عن ابن مسعود وعن ابن عمر -رضي الله عنه-، كذلك أنه قال: «العلم ثلاثة: آية ناطقة، أو سنة ماضية، أو لا أدري»، فـ«لا أدري» من العلم؛ لأنك لو تقولت ما لم تعلم جهلت، الناس وجهلت. قال: فمن كان يهوى أن يرى متصدرًا -فمن كان يهوى أو يهوى أحسن- من كان يهوى عندي بليًا، فمن كان يهوى أن يرى متصدرًا ويكره «لا أدري» أصيبت مقاتله -يعني الذي يحب التصدر-، وهذا من أعظم الأسباب في الترفع عن قول «لا أعلم»، «لا أدري»، أجهل هذا، لا أعرف هذا، اسألوا غيري، ما الذي يمنع الإنسان حب التصدر؟ ما يحب أن يحيل لأحد أو أن غيره يعلم أحسن منه أو أكثر منه أبدًا. ينبغي أن يعود حامل العلم وطالب العلم -فضلًا عن الشيخ- على قول «لا أدري»، ولا أعلم، لا أعرف، اسألوا غيري، حتى لو كان الطالب أعلم من الشيخ، ليست بمنقصة للشيخ، بل كمال؛ لأنه في الحقيقة الشيخ عنده علم أكثر من الطالب، وكون الشيخ يقول: «لا أعلم»، فإن كان أحد عنده علم فليفد به، هذه ليست منقصة، بل هذه محمدة؛ لأنه يدل على تواضع الشيخ، ويدل كذلك على رغبته في العلم من أي جهة جاءت، ولو كانت ممن هو دونه. كما أنه في المقابل من سوء الأدب من الطالب أن يوصل الشيخ إلى قول «لا أدري»، فالترفع والتصدر يكون من جهتين: من جهة الشيخ أن يترفع عن قول «لا أدري»، ومن جهة الطالب أن يوقع الشيخ في قول «لا أدري». فبعض الناس ربما يحب أن يظهر بالأسئلة المتعنتة، فيظن أن هذا هو العلم، وما درى أن حب الظهور يقسم الظهور، هذا الذي يحب أن يظهر بأنه عرف ما لم يعرفه الشيخ، ما درى أنه أول ما يضر من نفسه، أول من يتضرر هو نفسه، يضر نفسه بنفسه. وإذا فعل ذلك فقد فعل القاصمة، خرج من طريق العلم وهو لا يشعر، كان يسير في ركب العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، فخرج من هذه الطريق إلى طريق علماء السوء الذين لم يريدوا الدار الآخرة، وإنما أرادوا الدنيا والتصدر والرئاسة، كعلماء اليهود، لم يكن مقصدهم من العلم ما عند الله، ولهذا لم يعملوا بالعلم. طيب، نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، ونترك الباقي -إن شاء الله- إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.