الدرس في أحكام العمرة وصفتها 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ينبغي للذاهب إلى الحج والعمرة أن يستعد بمجموعة من الآداب، منها إخلاص النية لله، النفقة الحلال، والتخلص من المظالم. كما يشمل الاستعداد اجتناب المعاصي والفسوق والرفث، وكتابة الوصية، والرفقة الصالحة، والتفقه في أحكام العبادة، وأخذ الأسباب الحسية للسلامة والكمال.
يجب على المحرم تجنب لبس الملابس المحلقة، والطيب، ويشرح كيفية إحرام المرأة وستر وجهها. كما يبين المواقيت المكانية للإحرام كما حددها النبي صلى الله عليه وسلم، ويتناول محظورات الإحرام في اللباس وغيره.
يستحب للمحرم أن يغتسل ويتطيب قبل الإحرام، ثم يلبي ويتوجه إلى مكة. عند دخول الحرم، يستحب الدخول من باب بني شيبة والبدء بالطواف من الحجر الأسود، ويمكن تأخير العمرة إلى وقت مناسب.
يشرح كيفية أداء طواف القدوم وسننه، مثل الرمل والإطباع واستلام الركن اليماني والدعاء أثناء الطواف. كما يشير إلى أهمية تجنب الازدحام واتباع السنة النبوية في الطواف.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يسعى سعيًا شديدًا في بطن الوادي، وهذه السنة تتبع من قبل الرجال وليس النساء، مع جواز تركها إذا كان هناك مفسدة محتملة للمرأة المصاحبة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لما مضى من درسنا السادس فيما يتعلق بأحكام العمرة، ننبه إلى أنه ينبغي كذلك أن يستعد الذاهب إلى الحج والعمرة بمجموعة من الآداب. ومن هذه الآداب أنه أولًا يحرص على إخلاص النية لله عز وجل في هذه العبادة، لا يبتغي بذلك غير وجه الله عز وجل. فإن الإخلاص له شأن عظيم في قبول الأعمال ومضاعفة الأجور فيها. وفي صحيح مسلم حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». ويقول الله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ۞ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وغير ذلك من الآيات والأحاديث. فإن الإخلاص له شأن عظيم في مضاعفة الأجور وفي قبول الأعمال، فلذلك أول ما يجب أن يعتني به المسلم في عبادته لربه أن يخلص عمله لله عز وجل، وخصوصًا في هذه العبادة وفي مثل هذه الأيام. فإن من الناس من يخلط نية أخرى مع هذه العبادة، ولا بأس في ذلك إذا كان لا ينافي أصل العبادة، كما قال الله عز وجل مبينًا هذا المعنى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَلْتَمِسُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني قال ابن عباس في مواسم الحج، يعني ليس عليكم جناح أن تبيعوا وتشتروا. فلا بأس أن يذهب الإنسان مثلًا بالعمرة ويقصد مع عمرته البيع والشراء، إما بجلد أشياء يبيعها هناك أو بأخذ أشياء من هناك إلى بلده، لا بأس في ذلك، لكن يحرص على أن لا تكون هذه النية هي الأصل، بل الأصل هي العبادة لله عز وجل، ثم هذه النية أو أراد إنسان مثلًا العلاج أو أراد الإنسان كذلك زيارة قريب أو غير ذلك من الأسباب الأخرى مع هذه العبادة. فعليه أن يحرص على أن يخلص لأصل العبادة، ولا بأس أن يكون هناك عمل آخر، لكن لا تكون النية مفرغة لذلكم العمل، بل تكون النية إنما هي لأصل العبادة هذا هو الأصل وذاك تبع، ولا بأس في ذلك. ومن هذه الآداب كذلك أن يحرص على النفقة الحلال، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. فينبغي للمسلم أن يعتني بالمال الحلال، فإنه أدعى لقبول عمله، فإذا كان حرامًا أو مشبوهًا، فإن ذلك معناه أن يحبط العمل الذي يعمله، كما قال في الحديث: «يقول: يا رب، يا رب، ومطعم حرام، ومشرب حرام، وملبس حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟». وهكذا كذلك أن للحاج أو المعتمر نفقته من الحرام أن لا يقبل له هذا العمل، وأن كذلك لا ينال الأجر من هذا العمل. ومن هذه الآداب كذلك أن يحرص على التخلص من المظالم إن كانت هناك مظالم، فينبغي أن يتخلص منها. فإن من شروط التوبة أن يرد المظالم إلى أهلها، وهو يريد بالحج والعمرة التوبة وتكفير الذنوب والخطايا، وأن يرجع منها مطهرًا كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «ينفيان الذنوب والخطايا والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد». ولكن لهذا العمل شروط، فلأجل أن يستوفي شروط التوبة عليه أن يتخلص من المظالم من عرض أو مال أو غير ذلك. وقد أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى على التخلص من المظالم في الدنيا قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات. ومن ذلك كذلك أنه يحرص على استحضار التوبة، فإن العمرة سبب، وفي ضمن هذا السبب توجه العبد إلى الله عز وجل بأن يحرص على التوبة من جميع ذنوبه وخطيئاته وسيئاته، وأن يفتح صفحة جديدة يكون فيها إحسان وطاعة وبر وقربة. ولهذا عليه أن يستحضر شروط التوبة، وهي ثلاثة: أولها الإقلاع عن الذنب أو المعصية أو المعاصي، وثانيها العزم على عدم العودة إليها، وثالثها الندم على فعل تلك المعاصي. هذه ثلاثة شروط، ويزاد رابع فيما إذا كان في حق من حقوق الناس، يتخلص من هذا الحق. وهذا كذلك من هذه الآداب أنه يحرص على عدم خدش هذا النسق بشيء من المعاصي والفسوق والرفث، وذلك يشمل ثلاثة خصال: الخصلة الأولى المعاصي عمومًا، والخصلة الثانية الفسوق وهو الخروج عن الاستقامة من سوء الخلق، وكذلك جفاء المعاملة وغير ذلك مما ينافي كمال المسلم، وخاصة وهو متلبس بهذه العبادة. وثالثها الرفث وهو كل ما ينافي الحج من جماع أو فعل شيء من محظوراته. فيجتنب المعتمر هذه الخصال الثلاثة، فمن فرض فيهن الحج «فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج»، وهكذا العمرة بمعنى الحج، فهو حج أصغر. وهكذا كذلك من هذه الآداب أن يكتب الوصية كما جاء في حديث ابن عمر، فكل مسلم ينبغي عليه أن لا تمضي عليه ثلاثة أيام إلا ووصيته مكتوبة، يكتبها فصوصًا في مدر هذا المقام، يسافر سفرًا بعيدًا فيكتب الوصية، إن كان هناك ديون كتبها، أو كان هناك حقوق سجلها، أو شيء يحتاج أن يوصى به أو وصى به فكتب وصية في ذلك. ومن هذه الآداب أن يحرص كذلك على الرفقة الصالحة التي تعينه على هذا السفر وهذه العبادة. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة في السنن: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وهكذا كذلك من هذه الآداب أن يحرص على التفقه في أحكام هذه العبادة، كما مر معنا في أوائل هذه الكلمة أن يتفقه في أمر هذه العبادة لأجل أن يؤديها على أكمل الأوجه. ثم أخيرًا من هذه الآداب أن يأخذ بالأسباب الحسية التي تعينه على السلامة والكمال في سفرته هذه وعبادته، سواء من اتخاذ ما يحتاجه في سفره أو كذلك السؤال عن الطريق أمنه، أو كذلك ما يحتاجه في بعده وغربته وغير ذلك من الأمور الأخرى. ثم إذا علمنا ذلك، فالنتعلم أولًا أنه يشرع لمن أراد العمرة أن يتخذ ما يحتاجه من لباس، لأن المعتمر والذي يدخل بنسك الحج أو العمرة يكون له لباسًا خاصًا جاء الشرع بذكره. والمراد بهذا اللباس أن يجتنب المحظورات، فمثلًا يستحب للرجل أن يلبس ثوبين أبيضين رداء وإزار، ليس محلقين لا يحلقان بالجسد هذا هو الذي يستحب. وفي حديث عبد الله بن عمر سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ماذا يلبس المحرم؟» قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يلبس القمص ولا السراويلات ولا البرانس ولا العمامة» الحديث. فكل ما كان فيه معنى التحليق بالجسد فلا يلبسه المحرم، سواء كان إزارًا محلقًا مثل ما نسميه قفطانًا أو قميصًا مثل هذا الذي يسمى دشتاشة أو كذلك شميز أو الفنيلة أو السراويل الطويلة والقصيرة، كل هذا يجتنبه المحرم. وهكذا القلانس الكوفية أو العمامة أو الخمار أو البرنس وهو لباس المغاربة ما يكون متصلًا بالخميص أو الدشتاشة، فكل هذا يجتنبه المحرم. وهكذا المرأة لا تنتقب ولا تلبس القفازين. وفي حديث عبد الله بن عمر: «لا يلبس الخفين إلا رجل لا يجد النعلين، فليلبس الخفين وليقطعهم أسفل من الكعبين». وفي حديث ابن عباس الترخيص به. والجمع بينهما أن من احتاج إليه وكان في لبسه إفساد ماله فليلبسه. والحمد لله اليوم أمر الناس متيسر، ممكن يلبس النعال ما يحتاج إلى الخف، والخف كل نعل يلبس يغطي الرجل إلى الكعبين، سواء كان شرابًا أو كان من جلد أو غير ذلك، فإنه لا يلبسه المحرم. هذا هو الأحوط، وتزيد المرأة أو نقول تنفرد المرأة، وهذا أصح تنفرد المرأة بأنها لا تلبس القفازين ولا تنتقب، فيجوز لها أن تلبس ما تشاء من التياب ولو كان محلقًا ولو كان سراويل أو خمار، إلا أنها لا تنتقب أي لا تشد على وجهها بشيء، ولا تلبس القفازين. ولو كان عند الرجال الجواب لا، فإذا كانت عند الرجال فإنها تستر وجهها ويديها تحت ثيابها، ووجهها بأن تزدل ما عليها من جلباب أو ما نسميه بالشرشف تزدله على وجهها، فتستر وجهها من الرجال الأجانب، لما ثبت بحديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت تصنع ذلك، يو أسماء ونساء الصحابة، فإذا مر بهم الركبان أسدلنا يعني أرخينا الستر على وجهها. وهكذا ينبغي للمرأة أن تصنع، وهذا المحظور أو هذه المحظورات يجتنبها المحرم إذا دخل في نسك الحج أو نسك العمرة. والدخول في النسق يكون من المواقيت المكانية، فهناك مواقيت أي أماكن جعلها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أماكن لابتداء الدخول في الإحرام. فجاء في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم. وهذه مواضع معروفة، واليوم قد بنيت قريب منها أو فيها مساجد تسمى لمسجد الميقات. وما من موضع من هذه المواضع الأربعة إلا وفيه مسجد يحرم الناس منه، ففيه يلملم بجانبها موضع يسمى بالسعدية أو قريب منه مسجد يسمى مسجد الميقات يحرم منه أهل اليمن ومن يأتي من جهتهم من أي بلاد أخرى. وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة». ومعنى أن من أراد الحج والعمرة وهو متجه إلى مكة فلن يمر إلا بأحد هذه المواضع الأربعة أو ما يوازيها. فإذا مر بها أو وازاها يعني حاذاها فإنه يحرم من ذلك المكان، يحرم من ذلك المكان. «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة». فمثلًا الذي يذهب من اليمن يريد العمرة، إن كان برًا وخرج من طريقي مثلًا حضرموت أو صعدة ومشى في طريق البر فإنه سيمر بطريق الطائف، وإذا مر بطريق الطائف فسيكون إحرامه من ميقات أهل نجد وهو ما يسمى اليوم بالسيل الكبير مسجد الميقات يسمى بالسيل الكبير يحرم منه. وإن كان مر من تهامة من جهة الساحل وهو ما يسمى اليوم بطريق حرض فسيمر بميقات أهل تهامة أو أهل الساحل وهو ما يسمى اليوم بميقات السعدية أو ميقات يلملم مسجد الميقات معروف. وإذا مر جوًا فإنه متى ما حاذى أحد هذه المواقيت أحرم في الجو، وهذه هي السنة أن الإنسان يحرم من الميقات، ولا يستحب الإحرام قبل الميقات. بعض الناس يحرم يدخل في نسك الإحرام من بيته، وهذا فيه مشقة وهو خلاف السنة. لأنه يحرم على نفسه شيء ما حرمه الله عز وجل عليه، ولا أمره به، لأنه إذا دخل في الإحرام فإنه سيمنع نفسه من شيء أحله الله له. فإن محظورات الإحرام في اللباس كما سمعنا، وهكذا يجتنب المحرم الطيب، ويجتنب النساء، بل ويجتنب أن يخطب يخطب أو يخطب له كما في حديث عثمان. فلماذا يشدد على نفسه؟ ولهذا جاء عن عدد من الصحابة النهي عن الإحرام قبل الميقات. فروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أنكر على عمران بن حسين حين أحرم من البصرة. وروي عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه أنكر على عبد الله بن عامر حين أحرم من موضع كذلك آخر، وأنكر على قوم أرادوا أن يحرموا من خراسان. وروي عن عبد الله بن عمر أنه أنكر على قوم أرادوا أن يحرموا من سمرقند. فالسنة أن يحرم الإنسان من الميقات، بل روي عن مالك رحمه الله تعالى أنه أنكر على رجل أراد أن يحرم من مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له: «احرم من ذي الحليفة من المكان الذي أحرم منه النبي عليه الصلاة والسلام». فقال: «إني أريد أن أحرم من مسجد النبي عليه الصلاة والسلام» يعني يريد أن يتقدم، فقال: «لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة». قال: «وأي فتنة في خطوات؟» يعني إيش من فتنة بين المسجد وبين ميقات أهل المدينة ذي الحليفة مسافة قصيرة. فقال له: «ألم تسمع إلى قول الله عز وجل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وإني أخشى عليك الفتنة». فإن الفتنة لأن يظن أنه وصل إلى فضيلة لم يصل إليها النبي عليه الصلاة والسلام. فالسنة أن لا يحرم الإنسان من قبل الميقات. طيب إذا كان الإنسان يحتاج أن يلبس دياب الإحرام قبل الميقات، هل يجوز؟ الجواب نعم يجوز، يجوز أن تلبس دياب الإحرام قبل الميقات. مثل أنت في الطائرة فأنت لا يتيسر لك تغيير الثياب، مثلا تقول: أنا أريد أغير ثيابي من المطار أو من فوق الطائرة قبل الميقات لأن الوقت ضيق، ثم إذا حاذيت الميقات سأهل بالعمرة وأدخل في النسق. الجواب هذا جائز. وفرق بين المسألتين، ننتبه لهذا. فرق بين أن تحرم من بلدك أو من قبل الميقات، وبين أن تلبس دياب الإحرام قبل الميقات، ولكنك تدخل في النسق عند محاذاتك للميقات. ففرق بين المسألتين. والله عز وجل قد رفع عن هذه الأمة الحرج، إذا كان الحرج في تأخر اللبس كصاحب الطائرة، فإذا يفعل الذي ليس فيه حرج. الدين يسر، ما جعل عليكم في الدين من حرج. فإذا جاء إلى الميقات فيسن له أن يغتسل، من سنن الإحرام الاغتسال، لما ثبت بحديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أسماء بنت عميس حين نفست في ذي الحليفة، يعني وضعت. وانظر إلى همة الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم، امرأة حامل في شهرها الأخير وتحج مع النبي عليه الصلاة والسلام، وليس هذا فحسب، بل تلد في ذي الحليفة. ذي الحليفة ما بينه وبين المدينة إلا ربع ساعة تقريبًا أو أقل. ومع ذلك ما رجعت إلى المدينة، قالت: «خلاص ما دمت وضعت وولدت إذن أرجع إلى بيتي» لا، أرادت أن تواصل مع النبي عليه الصلاة والسلام المسير في الحج. فسألت: «ماذا تصنع؟» لأنها الآن حصل لها شيء يختلف تحتاج إلى السؤال. فأمرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تغتسل وأن تفعل ما يفعل الناس، يعني غير أن لا تطوف كما جاء ذلك مفسرًا في حديث عائشة حين حاضت. وهذا يدل كما قال العلماء على استحباب الإغتسال للإحرام، لأنها ما تستفيد شيء من هذا الإغتسال هي نفساء، ومع ذلك أمرها بالإغتسال. فدل أنه سنة مستحبة، المحرم يغتسل. وفي ذلك فوائد، من هذه الفوائد تنشيط المحرم لهذه العبادة، ومن هذه الفوائد تطهيره وتنقيته وتنظيفه. والله عز وجل يقول: ﴿وَخُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. وهكذا كذلك فيه إعانة له في إزالة ما يبقى مما يحتاج إزالته من خصال الفطرة، لأنه إذا دخل إلى الخلاء واغتسل أعانه ذلك على أن يزيل ما بقي من خصال الفطرة التي احتاج إزالتها. وهكذا كذلك إذا انتهى يستحب له أن يتطيب إن كان ذكرًا، وأما الأنثى ما دامت في سفر وفي تنقل فلا تتطيب إلا طيب النساء الذي له لون ولا رائحة له. وأما الرجل فيتطيب في جسده لا في ثيابه، لقول عائشة رضي الله عنها: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لحله قبل إحرامه وحين أن رمى جمرة العقبة». ومعناه أنه بعد أن يغتسل وقبل أن يهل بالإحرام يتطيب على الجسد، في مفرق رأسه في شعره أو في لحيته أو في صدره أو في كفيه، في المواضع التي لا تلامس الثوب، لأنه لا يجوز له أن يكون ملامسًا لتوبه. لحديثي يعلى بن أمية أنه أتي به إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقد لبس جبة وتطيب، فأمره أن يغسل الطيب عن ثيابه. فعلم أن المحرم يجب عليه أن يزيل الطيب عن ثيابه، يزيل الطيب عن ثيابه. وهكذا كذلك إذا انتهى من ذلك ووافق صلاة فلا بأس أن يصلي صلاة فريضة أو تحية مسجد أو سنة وضوء، وليس هناك سنة تسمى بتحية الإحرام أو سنة الإحرام، لا ما في صلاة، لا توجد صلاة خاصة بالإحرام. ثم إذا انتهى من ذلك ركب على دابته كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وتوجه إلى جهة القبلة، ثم قال: «اللهم إني أهل بعمرة» أو «لبيك اللهم عمرة» أو «لبيك عمرة» بأي عبارة من هذه العبارات قال أجزأه. هذه العبارة يقولها للدخول في نسك الإحرام، فإذا قال هذه العبارة حرم عليه ما ينهى عنه المحرم من المحظورات التي سبقت. فإذا دخل في النسك فإنه يلبي، يقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك». يستمر بذلك متى ما نشط استمر، ويرفع صوته كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله عنهم. بل إن نبينا صلى الله عليه وسلم نقل عن عدد من الأنبياء أنهم كانوا يلبون في تلك الوديان حول مكة، يقول: «كأن موسى يلبي وله جؤار» يعني له صوت مرتفع. فهذه السنة، والمرأة إذا كانت بين محارمها كذلك تلبي، وإذا كانت مع الرجال الأجانب فتخفض بصوتها بينها وبين نفسها. ثم يمشي في سفره حتى يصل إلى مكة، وإن كان المحرم متعبًا ويريد أن يرتاح فلا بأس أن يتوجه إلى مكان راحته، سواء في مكة أو في جدة. إذ أنه لا بأس أن يؤخر العمرة، ليس من شرط العمرة أنك أول ما تدخل مكة أو تكون محرمًا معناه لا بد أن تبدأ مباشرة بالعمرة، لا. لكن أجعل العمرة على وقت نشاطك، وهكذا على وقت ما فيه مصلحة لك وما ليس فيه عليك مضرة. مثلًا أنت أحرمت وتعرف أنك ستصل إلى مكة في الظهر، وتعرف أن العمرة في الظهر شاق عليك، ترى نفسك ضعيفًا لا تستطيع أن تؤدي العمرة في الظهر، فلا بأس أن تؤخرها إلى الليل، أو كذلك علمت أنك ستدرك وقت العمرة مع وقت صلاة التراويح ويكون الحرم مزدحمًا. فأحببت أن تؤخرها إلى آخر الليل أو بعد صلاة الفجر، فلا بأس أن تذهب فتتراح في سكنك أو عند أحد أهلك ولو كان هذا في جدة، لا بأس. فإن ذلك لا حرج فيه، ثم تؤدي العمرة بعد ذلك. وهنا تأتي مسألة كذلك يسأل عنها بعض الناس، وهو هل يجوز له أن يذهب للمدينة قبل أن يذهب إلى مكة؟ الجواب نعم يجوز له، إذا أراد أن يذهب إلى المدينة فلا بأس، ولا يلزمه الإحرام من ميقات أهل اليمن لأنه لم يذهب إلى مكة أصلًا. ولو مر بالميقات فيذهب إلى المدينة ويقضي حاجته إذا كان يريد، ويرى أن الأصلح له أن يقدم زيارة المدينة، ثم إذا خرج من المدينة أحرم من ميقات المدينة، أحرم من ميقات المدينة. لقوله عليه الصلاة والسلام: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة». فإذا دخل مكة وأتى الحرم دخل، ويستحب إن كان ذلك متيسرًا له أن يدخل من باب بني شيبة وهو الذي يسمى اليوم بباب السلام، فإن هذا الباب هو الباب الذي يوازي باب بني شيبة الذي دخل منه النبي عليه الصلاة والسلام. والحكم من ذلك أنه إذا دخل من هذا الباب فسيتجه مباشرة إلى الحجر الأسود، وبه سيبتدأ الطواف، فهو الباب الذي يوازي ويحاذي الحجر الأسود الذي منه يبتدأ الطواف. فإن كان ذلك شاقًا عليه فليدخل من أي باب، مثلًا جاء من الجهة العكسية فليدخل من الأبواب التي من تلك الجهة، ثم يأتي إلى جهة الحجر الأسود ويبتدأ الطواف. ويبتدأ الطواف بقوله: «بسم الله، الله أكبر» لما ثبت في حديث ابن عمر موقوفًا عليه، ولعموم الأدلة باستحباب البسملة في كل عمل، ثم يكبر «الله أكبر» لما ثبت من فعل النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر وغيره. فإن استطاع أن يقبل الحجر الأسود قبله، وإن لم يستطع أن يقبل الحجر الأسود واستطاع أن يقبل بيده يمس بيده ويقبل يده، أو بعصى معه وقبل العصى فعل، وإن لم يستطع ذلك كله أشار بيده وكبر «الله أكبر». ثم يمشي ويجعل الكعبة عن يساره، ويمشي من جهة اليمين، سبعة أشواط، يرمل في الأشواط الثلاثة، يعني يمشي مشيًا سريعًا إذا استطاع. ويسن في هذا الموضع سنة أخرى، وهو أن يطبع. والإطباع لهذه الكيفية أن يجعل الثوب على كتفه الأيسر ويلفقه من وراء ظهره، ثم يدخله من تحت إبطه الأيمن، ويرده إلى كتفه الأيسر. بهذه الكيفية يكشف الكتف الأيمن، وهذا يسمى إطباعًا، وهو لا يسن إلا أثناء الطواف، وليس كل طواف، ولكنه طواف القدوم فقط، طواف القدوم فقط. فلا يستحب في غيره من الطواف، ومن باب أولى أنه لا يستحب طولًا ما يكون المحرم بثياب إحرامه. فبعض الناس خطأً يظنون أن هذا سنة لمن لبس الإحرام، فمن حين يدخل بالإحرام وهو كاشف لكتفه الأيمن، حتى بعضهم يسود ويحترق الكتف الأيمن بسبب حرارة الشمس وغيره، فيشق على نفسه بشيء ما كلفه الله. بل هو ليس بسنة، فإذا فعل ذلك من الحجر إلى الحجر شوط، ويسن كذلك إذا استطاع أن يستلم الركن اليماني وهو الركن الذي على يسار الحجر الأسود، إذا استطاع أن يستلمه بيده يستلمه بيده، يمسح عليه من دون تقبيل. فإذا لم يستطع أن يمسح عليه فلا يشير ولا يكبر، يمشي، لأنه إذا كان الزحام يترك، ليس من السنة أن يدخل في زحام الناس، فقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عمر أن يزدحم على الحجر لأنه رجل قوي، حتى لا يؤذي الناس. وما يحصل اليوم من ازدحام الناس واختلاطهم على الحجر ليس من السنة بشيء، بل السنة الرفق، وكذلك الرحمة بالخلق. وإذا صار بين الركنين اليمانيين يسن أن يقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». وفي سائر قوافه يدعو الله ويقرأ القرآن ويسبح ويكبر ويهلل، يذكر الله بأنواع الذكر والدعاء، وليس هناك دعاء خاص. وما يفعله بعض العامة من اصطحاب بعض الكتب التي فيها أدعية خاصة للشوط الأول والشوط الثاني والشوط الثالث إلى آخره إلى السابع، فهذا خلاف السنة، ليس من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فيستمر على ذلك قلنا حتى ينتهي من سبعة أشواط، يطبع فيها أن يكشف الكتف الأيمن ويرمل في الأشواط الثلاثة الأولى. والمرأة طبعًا لا ترمل لأن هذا خاص بالرجال، والرجل الذي عنده نساء فعليه كذلك أن يحرص عليهم ولا يضيعهم. فيترك هذه السنة لمصلحة أعظم، وهي درء مفسدة الفتنة للمرأة المرافقة له، فإذا انتهى من هذه الأشواط السبعة توجه إلى مقام إبراهيم. وهنا قبل هذا تأتي مسألة أن بعض الناس يخطئ، وهذا يحصل كثيرًا في عدد الأشواط، ينسى أحيانًا كمشى خمسة أو ستة، أربعة أو ثلاثة. فإذا حصل خطأ وشك فيبني على الأقل لحديث أبي سعيد في الصلاة: «إذا شك فإنه يبني على الأقل»، فكذلك قاس عليه العلماء الطواف، وهي قاعدة في الشك من شك في العدد فليبني على الأقل. فمثلًا قال: «أربعة أو ثلاث» يقول: «ثلاث»، «خمس أو ست» يقول: «خمس»، وهكذا. فإذا انتهى من هذا الطواف وليس في إتيانه في آخر مرة في آخر شوط إلى الحجر الأسود تكبير، ما في تكبير، لأن التكبير يكون قبل الطواف. فإذا انتهى منه توجه إلى مقام إبراهيم، فصلى فيه، يجعله بينه وبين الكعبة، وصلى ركعتين، يقرأ في الأولى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ هذه السنة. والسنة كذلك أنه يستر كتفه الأيمن لأنه انتهى من الطواف، وقلنا أن هذه السنة تكون في الطواف فقط. فإذا كان هذا المكان مزدحمًا أي إذا أراد أن يجعل مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام بينه وبين البيت هذا المكان مزدحم، فليصل في أي مكان من الحرم. وينبغي لمن أدى هذه الصلاة أن يجتنب مواضع ازدحام الناس، ولا يجوز له أن يصلي في موضع قواف الناس. بعض الناس يصلي في موضع قواف الناس، وهذا لا يجوز لأنه أذى للناس، وهو مضر للنفس كذلك. ولهذا لا حرمة لمثل هذا المصلي، تمر على هذا المصلي ولو قطع صلاته. ويحرص المسلم إذا صلى أن لا يمر أحد بين يديه، خصوصًا المرأة، فإذا مرت المرأة أعاد الصلاة لما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يقطع الصلاة ثلاثة، وذكر من ذلك المرأة. فإذا انتهى من الصلاة فإن كان مفطرًا أو وافق وقت الإخطار في الليل شرب من ماء زمزم وتضلع منه، يعني شرب كثيرًا حتى بلغ الأضلع، يعني بكثرة الشرب. ويصب على رأسه منه، ويحذر من كشف عورته، والمرأة من التكشف. فإن بعض النساء يتساهلن إذا أتين إلى ماء زمزم، فالواجب على الجميع أن يستر ما أمر الله بستره، الرجل في حقه ما أمر بستره، والمرأة في حقها فكلها عورة. وإذا كان الأيسر له أن يأتي زمزم قبل الصلاة فعلى ذلك الأمر واسع. ثم بعد ذلك إذا استطاع أن يرجع مرة ثانية إلى الحجر الأسود ويكبر فعلى ذلك لثبوت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام ببعض الأحاديث. وإذا لم يفعل وجاء ذلك كذلك في أحاديث أخرى فكذلك لا حرج. ثم يتوجه إلى المسعى، ويقرأ قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. فإذا أتى إلى الصفا وبدأ يرتقي فيها يتوجه ويواجه وينظر إلى جهة الكعبة، ويكبر ثلاثًا: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر». ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» يقول ذلك، ثم يرفع يديه فيدعو طويلًا. ويروى ويروى عن عبد الله بن عمر أنه كان يطيل في الدعاء إلا أن يكون معه رفقة من أهله فكان يخفف شفقة بهم. فأنت كذلك افعل، هذه السنة أنك تطيل في الدعاء كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا كان معك أحد من الضعفة نساء أطفال كبير في السن فارفق بهم واختصر في الدعاء. ثم تنزل يديك وتقول مرة ثانية: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر» إلى آخر الذكر «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك له الحمد» إلى آخره. ثم ترفع يديك ثانية فتدعو دعاء طويلًا إلا أن يكون معك أحد من الضعفة الضعفة فترفق بهم. ثم تنزل يديك وتقول ذلك ما الذكر مرة ثالثة، ثم ترفع يديك مرة ثالثة وتدعو. ثلاثة مرات تذكر الذكر وتدعو بدعاء. وكلما ذكرت الذكر أخفضت يديك، وإذا بدأت في الدعاء رفعت يديك وأنت مستقبل قبلة. فإذا انتهيت توجهت إلى جهة المروة، فمن الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط. وفي أثناء ذهابك من الصفا إلى المروة ستجد علامات خضراء وهي إشارة إلى بطن الوادي، فقد كان ما بين الصفا والمروة جبلان في كل موضع وبين الجبلين وادي. فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل إلى بطن الوادي سعى سعيًا شديدًا حتى ربما حسر عن إزاره رفع شوية من إزاره لأجل أن يشتد في الجري. وهذه السنة فعلها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنحن نفعلها كما فعلها. وهناك كما قلنا علامات خضراء لابتداء بطن الوادي وانتهائه، وهي علامة على الموضع الذي منه يسعى الرجل. وأما المرأة فلا تجري، لا تجري المرأة. وإذا كان مع الرجل المرأة يخاف ضياعها أو يخاف عليها الضرر فليترك هذه السنة لمفسدة لدرء مفسدة مضرة هذه المرأة، أو كان معه ضع