كتاب الأطعمة  10

كتاب الأطعمة 10

الدرس في كتاب الأطعمة 10، تابع باب آداب الأكل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

آداب الأكل في الإسلام وتوجيهات النبي

يتناول هذا الفصل آداب الأكل في الإسلام، مشيرًا إلى أهمية الحمد والدعاء بعد الطعام والنهي عن الأكل متكئًا. كما يفصل في معنى الاتكاء المنهي عنه ويستشهد بالأحاديث النبوية.

شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الأكل والإقعاء والاتكاء وتفسير العلماء

يفسر هذا الفصل حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل تمرًا مقعيا، ويوضح معاني الإقعاء والجثي والاتكاء، ويبين آراء العلماء في الاتكاء المنهي عنه.

آداب الجلوس أثناء الأكل وتجنب الاتكاء

يتحدث هذا الفصل عن آداب الجلوس أثناء الأكل، ويشير إلى أن النهي عن الاتكاء يشمل الوضعيات التي تدل على التكبر أو الشره، ويُفضل الجلوس بطريقة تساعد على الأكل بالقدر المناسب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: «والحمد عند الفراغ والدعاء ولا يأكل متكئا»، كذلك من مسائل هذا الباب: باب آداب الأكل. الحمد عند الفراغ يعني: يحمد الله عز وجل بما ثبت من الأدعية الثابتة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الفراغ من هذا الأكل. والدعاء: ففرق بين الحمد وبين الدعاء، فالحمد يكون لنفسه، والدعاء لنفسه ولغيره. وقد أشار في الشرح رحمه الله إلى بعض هذه الأدعية والمحامد التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم. من ذلك ما رواه الإمام البخاري وغيره من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدة قال: «الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفى ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا». وأشار كذلك إلى حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، فيه ضعف: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين». وهذا الحديث مشهور حتى عند بعض العامة، لكنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالأفضل أن يقتصر المسلم على الأدعية الصحيحة الثابتة، حتى ولو كان في فضائل الأعمال، ففي الصحيح غنية عن الضعيف. ومن هذه الأدعية ما جاء في حديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أو كان يقول: «الحمد لله الذي يطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة». ونحوها من الأدعية الكثيرة التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإن تلك الأدعية الصحيحة مع ما فيها من موافقة السنة، فيها بإذن الله إصابة ما جاء فيها من ثواب. فمثلا حديث معاذ بن أنس الجهني، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: أن من قال ذلك غفر له ما تقدم من ذنبه. وهكذا كذلك في ذلك التعبد لله عز وجل بهذه الألفاظ التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذه الأدعية منافع كثيرة للعبد، فليست هي ذكرا يذكر فحسب، ولكنه يتعبد لله عز وجل به، وله أثر على صاحبه، فيبارك الله له في طعامه وفي شرابه، وفي كذلك الانتفاع من هذا الطعام. ومن الأدعية أن يدعو قبل الطعام، هكذا قال بعض أهل العلم: إذا رأى أنه في حاجة إلى الطعام وأراد أن يعرض، كما جاء في حديث أبي هريرة، فإنه يقول: «اللهم أطعم من أطعمنا واسق من سقانا». وهكذا كذلك: «أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار»، ونحو ذلك من الأدعية التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وبعد الطعام أن يقول: «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم»، وغير ذلك مما ورد في هذا الباب. وقوله رحمه الله: «ولا يأكل متكئا»، أي: من آداب الأكل أن لا يأكل الآكل متكئا. وأشار إلى حديث وحيفة عند البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما أنا فلا أكل متكئا». وجاء الحديث بلفظ: «لا أكل وأنا متكئ». والحديث في معنى هذا الباب كثيرة. منها حديث عبد الله بن بسر في قصة الأعرابي الذي أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم جاثيا على ركبتيه، فقال الأعرابي: ما هذا يا رسول الله؟ فذكر معنى الحديث أنه عبد لا يأكل متكئا. والحديث رواه الطبراني وابن ماجة بإسناد حسن، وقد حسنه الحافظ ابن حجر في الفتح. وهكذا كذلك الكثير من الأئمة، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه. ومنها حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه فيما رواه الإمام مسلم، وله ألفاظ كثيرة عند الإمام أحمد، وهكذا عند ابن ماجة وجماعة من أهل السنن والمسانيد. وأصل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل تمرا وهو مقعي. والإقعاء معروف: أن ينصب رجليه ويتكئ بإليتيه على عقبيه لا يضعهما على الأرض. وهذه الأكلة أكل المتخفف في أكله. ولهذا جاء في بعض الروايات قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما أنا عبد أكل كما يأكل العبد». وجاء في رواية أنه أكل مستوفزا. ومعنى مستوفزا فسر أنه الإقعاء، وفسر أنه الاتكاء بالإليتين على العقبين مع نصب الركبتين، وهو معنى من معاني كذلك الجثي. فهذه الأحاديث بينت معاني كثيرة من أهمها ثلاثة: أولها كونه عليه الصلاة والسلام لا يأكل متكئا، وكونه عليه الصلاة والسلام ثبت عنه كيفيات معينة في الأكل كالجثي والإقعاء ونحوها من الجلسات التي ليس فيها تمكن. وهكذا كذلك كونه عليه الصلاة والسلام يقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد». فهنا فهم العلماء من هذه الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل متكئا، وقال: «لا أكل متكئا»، وأكل مقعيا وهو مجثي وهو مستوفز، لأجل ثلاثة معاني: المعنى الأول أن لا يشابه الجبابرة والملوك والمتكبرين في أكلهم، وهم يأكلون متكئين أو مستلقين، لأن ذلك خلق ينافي معنى التواضع والعبودية التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد». والمعنى الثاني أن في هذه الأحاديث فائدة أخرى، وهي أن الآكل لا ينبغي له أن يجلس جلسة يطمئن في أكلته، فتكون سببا لشرهه في الأكل. فكل أكلة فيها معنى الاتكاء التي لا تعينه على الاقتصاد في أكله، بل تفتح عليه الشره، فهو يدخل في معنى هذا الاتكاء الذي احترز منه عليه الصلاة والسلام. ثم ها هنا يأتي كلام أهل العلم في معنى الاتكاء، اختلف أهل العلم في معنى الاتكاء اختلافا كثيرا. فمنهم من ذكر أن كل معنى من معاني الاتكاء فهو منهي عنه. وقد أشار الخطابي وهكذا نحوه ابن الأثير إلى أن الاتكاء في اللغة هو الاستواء على وطاء متمكنا، ومنه التربع. وأن العام ما خصوه بالاتكاء على اليمين وعلى الشمال، يعني باليد على اليمين وعلى الشمال. وأن هذا الفهم ليس بصحيح، وأن الصواب معنى كلامهما التعميم في هذا الحكم. وخالفهم ابن الجوزي رحمه الله، بل رجح أن معنى الاتكاء هو الاتكاء على اليمين والشمال، وليس الاتكاء المقصود هو الاتكاء على الأرض مطلقا. والإمام ابن القيم رحمه الله والحافظ ابن حجر رحمه الله أشار إلى معنى ما ذكره الخطابي وابن الأثير. والإمام ابن القيم رحمه الله أشار إلى أن معنى الاتكاء المنهي عنه هو كل اتكاء ينافي معنى العبودية، وكذلك يعين على الأكل بشره. وألمح رحمه الله إلى أن الأكل متربعا يدخل في هذا المعنى. وسئل الإمام مالك رحمه الله: أيأكل الرجل ويده على الأرض؟ قال: أنا أتقيه، وما سمعت فيه شيئا، يعني يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى نمنع الناس منه. وعلى هذا رواية عن جماعة من أهل العلم، كما رواية عن ابن سيرين والزهري وجماعة جواز الأكل متكئا، وأن النهي إنما هو للكراهة. وسئل شيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله عن الأكل متكئا هل يدخل فيه التربع؟ أشار رحمه الله لأن الإمام ابن القيم رحمه الله ألمح إلى أنه يدخل فيه، ثم قال: ولا أرى أن هذا يدخل في النهي، والظاهر أن النهي إنما يقتصر على الاتكاء يمينا وشمالا ونحو هذا الكلام. ذكر العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، منها في تعليقه على هذا الحديث في الصحيحة. وخلاصة القول في هذه المسألة أننا كما فهمنا من هذه الأحاديث أن معنى النهي تناول ثلاثة أشياء: أولها كما تقدم أن لا يشابه الجبابرة والمتجبرين والمتكبرين والمترفين في أكلهم على وجه الاتكاء. فيدخل في هذا كل صورة فيها الاتكاء على هذا الوصف، سواء على اليمين أو على الشمال، كأن يتكئ على الوسائد بيده اليمنى أو بيده اليسرى، ويأكل وهو متكئ على الوسادة أو على الأريكة، وهو في نصف ضجعة أو كذلك حتى وهو مستلقي. فكل هذه المعاني التي فيها معنى التجبر والتكبر وفعل حال المترفين والملوك ونحوهم يدخل في معنى هذا النهي. وهكذا المعنى الثاني: كل صفة وكيفية تعين على الشره في الأكل، ولا تعين على القصد فيه. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ينبغي أن يقتصد في أكله، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لهوائه. وعلى هذا المعنى يقال في التربع تفصيل: إن كان الإنسان التربع يجعله يأكل بشره، فالأفضل في حقه أن لا يقعد متربعا. مع أن بعض الناس لا يستطيع أن يأكل وهو غير متربع، خصوصا إذا كان دسما يثقل عليه القعود وهو ناصب أحد الرجلين أو وهو مقعي. فهنا لتضرره وأذيته وحرجه، وقد رفع الدين عن الحرج: «ما جعل عليكم في الدين من حرج»، يقال لمثل هذا: لا بأس أن تجلس متربعا ما دمت تتضرر، لكن احرص على أن تقتصد في أكلك، لا تكن هذه الجلسة سببا لأن تشره في أكلك، لأن هذا لا ينفعك بل يضرك. وهكذا يقال حتى لغيره، إذا كان ماذا لا يجد الراحة في أكله إلا متربعا، يقال: كل متربعا، لكن لا تشره في أكلك. وإن كان الأفضل والأكمل أن يقعد قعدة يكون فيها إعانة لنفسه على عدم الشره في الأكل، ومنها الإقعاء أو نصف أحد الرجلين. وبمثل هذا يقال في كل جلسة من الجلسات التي يسأل عنها. والمعنى الثالث من المعاني التي أشار إليها بعض أهل العلم، وألمح إلى هذا ابن الأثير رحمه الله: أن بعض أهل الطب ذكر أن الاتكاء في الأكل سبب لعدم انتفاع الآكل بأكله، وأن عدم الاتكاء سبب لانتفاعه بأكله، وكذلك عدم الإكثار من الأكل، كأن يكون مستوفزا أو مقعيا. وذكر بعض أهل الطب المعاصر أن هذا المعنى الذي أشار إليه بعض أهل العلم صحيح، لأن موضع انتفاع هذا الإنسان من طعامه إذا كان في جلسته يكون مقعيا يكون فيه إعانة لدخول الطعام براحة، وهذا أنفع. وكذلك تقليل حجم موضع الطعام حتى لا تمتلئ تماما، وهذا بالنسبة لكمية الأكل كذلك أنفع. ففي كلا الحالين هو أنفع له في دخوله وفي بقائه، فلهذا كانت هذه الجلسة من أحسن ما ينبغي أن يجلسها الآكل في أكله. فخلاصة ما يذكر في هذه المسألة كما سمعنا أن المسلم ينبغي عليه أن يجلس جلسة يكون فيها عدم موافقة أولا للجبابرة ونحوهم، وثانيا أن لا يكون فيها كذلك سبب لشرهه في الأكل، وثالثا أن يكون فيها ما فيه سلامة صحته وانتفاعه بطعامه. هذه ثلاثة معان يتتبعها الآكل بالجلسة والكيفية التي يرى أنها أنفع له. وبفعل النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكره أهل العلم يعلم أن من أحسن هذه الكيفيات أن يقعد قعدة لا يكون فيها الطمأنينة على الأرض، كأن ينصب أحد الرجلين أو يتكئ على العقبين أو كذلك يتكئ على القدمين، ولا يضع إليتيه على الأرض، بل إليتيه على عقبين. فكل هذه الكيفيات وما كان بمعناها، ولا شك أنها تختلف من طعام إلى طعام ومن حال إلى حال، تدل أنها هي الأنفع لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبهذا يكون المؤلف رحمه الله انتهى من خلاصة ما ذكره في هذا الباب: باب آداب الأكل. وقد اقتصر رحمه الله على أهم الآداب التي تذكر في هذا الباب، وإلا فغيره ذكر آدابا أخرى أكثر، لكنه رحمه الله اقتصر في هذا الباب على ذكر أهم هذه الآداب. وبهذا ننتهي، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.