الدرس في كتاب الطب 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش شرح الإمام الشوكاني لكتاب الطب، مبينًا جواز التداوي وأفضلية التفويض لمن يقدر على الصبر، مستندًا إلى أحاديث نبوية تشير إلى مشروعية التداوي. يُوضح أن التفويض أفضل لمن يستطيع الصبر مستدلاً بأحاديث نبوية عن الصحابة.
اختلف العلماء في حكم التداوي بين الاستحباب والوجوب والجواز، والصواب هو التفصيل حسب الضرر الديني أو الجسدي. التداوي مستحب إذا لم يترتب عليه نقص في الدين أو الدنيا، والصبر أفضل إذا كان التداوي يضر بالدين.
التداوي بالأمور المحرمة أو الخبيثة لا يجوز، سواء كانت محرمة لكونها نجسة أو لكونها محرمة شرعًا. هناك أحاديث نبوية تدعم هذا الحكم، مثل نهي النبي عن الدواء الخبيث والتداوي بالخمر.
الحكم يرتبط بالعلة ارتباطًا وثيقًا، حيث يتواجد أو ينعدم معها. تم التطرق إلى هذا الموضوع وسيتم استكماله في درس لاحق، مما يبين أهمية فهم العلل في الأحكام الشرعية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: كتاب الطب، يجوز التداوي، والتفويض أفضل لمن يقدر على الصبر، ويحرم بالمحرمات، ويكره الاكتواء، ولا بأس بالحجامة والرقية بما يجوز من العين وغيرها. أورد -رحمه الله تعالى- هذا الكتاب في سياق ذكره لما ذكر -رحمه الله- هنا من كتب وأبواب تتعلق بالأشربة والأطعمة، فناسب أن يذكرها هنا كتاب الطب. وكما تقدم، كتاب الطب -أي هذا مكتوب- يتعلق بأحكام الطب، والمراد بالطب ها هنا ما يؤخذ من معنى «طب يطب» ويطب من التطبيب، وهو علاج الجسم والنفس، فهما أمران: علاج الظاهر وعلاج الباطن، وكله يدخل في معنى الطب. وهذا معلوم حتى عند أهل الكفر من الفلاسفة وغيرهم، فالطب طبان: طب يكون بالأمور الحسية، وطب يكون بالأمور المعنوية. وقوله -رحمه الله-: «يجوز التداوي والتفويض أفضل» أشار بهذا أولًا إلى مشروعية التداوي، فإنه دل عليه الشرع وعلى جوازه. وهل التداوي أفضل أو التفويض -أي ترك التداوي- في هذا خلاف بين أهل العلم كما سيأتي -إن شاء الله- التنبيه عليه. وأما مشروعية التداوي، فأدلته كثيرة، وقد أشار إلى بعض هذه الأدلة في الشرح، منها ما جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء»، وفي لفظ: «دواء». وفي حديث جابر في صحيح مسلم: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله» -يعني إذا وقع الدواء بما يناسب الداء حصل الشفاء-. وأشار إلى حديث أسامة بن شريك -رضي الله عنه- فيما رواه أحمد وغيره، وهو كذلك صحيح: «حين قالت الأعراب: يا رسول الله، ألا نتداوى؟ قال: نعم، عباد الله، تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء»، وفي لفظ: «دواء إلا داء واحدًا. قالوا: يا رسول الله، وما هو؟ قال: الهرم» -يعني الشيخوخة-. وجاء في حديث أبي سعيد عند الحاكم وغيره بإسناد حسن بمجموع طرقه نحو هذا، وفيه قال -عليه الصلاة والسلام-: «إلا السام». قالوا: وما السام يا رسول الله؟ قال: «الموت». وذكر في أوله: «ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله». وهكذا كذلك أشار في الشرح إلى حديث أبي خزامة، وفيه قلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقى نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: «هي من قدر الله». وهو حديث حسن كذلك. فهذه الأحاديث لو تأملناها ودققنا النظر فيها، فيها ما يدل على ما هو زائد عن المشروعية، فيها ما يدل على ما هو زائد عن المشروعية. فترى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمرهم بالتداوي: «نعم، عباد الله، تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء». وقوله فيما إذا وافق الدواء الداء: «برئ بإذن الله». وهكذا كذلك غيرها من الأحاديث التي تدل على هذا المعنى. بل في قوله: «إلا السام، إلا داء واحدًا»، وذكر الهرم، يدل على أن المسلم ينبغي أن لا ييأس من العلاج والبحث عن الدواء، فكل داء له دواء إلا ما ذكر في هذين الأمرين. فماذا يعني هذا الاستثناء؟ يعني الحث على التداوي، يعني الحث على التداوي فيما دون هذين الأمرين. وهذا يفهم منه ما هو زائد عن معنى الجواز، والله أعلم. وهنا ننتقل إلى ما أشار إليه في المسألة الثانية في قوله: «والتفويض أفضل لمن يقدر على الصبر». وأشار -رحمه الله- هنا إلى حديث ابن عباس في الصحيحين: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتته امرأة سوداء، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي. قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. قالت: أصبر». وجاء في لفظ في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أن امرأة جاءته، فقالت له نحو قول هذه المرأة» -من الجنون-. فبعض أهل العلم قال: إنها نفس هذه المرأة. وقال بعضهم: بل هي امرأة أخرى. واللمم هو الجنون، ولهذا حمل بعض أهل العلم أن الصرع الذي كان فيها كان من مس الشيطان، يعني تصرع كالمجنونة. وأجابها النبي -صلى الله عليه وسلم- بنحو هذا الجواب المذكور في حديث ابن عباس. وهكذا أشار -كما ترونه عندكم في الشرح- إلى حديث ابن عباس في الصحيحين، وفيه ذكر السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وفيه: «الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون». فهنا فهم عدد من أهل العلم أن هذه الأحاديث -كما ذكر المؤلف -رحمه الله- يفيد فيها أفضلية التفويض لمن استطاع أن يصبر، لمن استطاع أن يصبر. وقد اختلف أهل العلم -كما تقدم- في أمر التداوي وتركه، فمنهم من ذهب إلى استحباب التداوي، ومنهم من ذهب إلى وجوبه، ومنهم من ذهب إلى جوازه. وفي مقابله: منهم من ذهب إلى أفضلية التفويض وترك التداوي، ومنهم من ذهب إلى تحريمه، ومنهم من ذهب إلى كراهته. والصواب في هذا ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وتلميذه ابن القيم -رحمه الله- من التفصيل جمعًا بين الأدلة، فتارة يكون واجبًا وتارة يكون مستحبًا -أي التداوي- وتارة يكون جائزًا. فإن كان عدم التداوي يلحق ضررًا بالدين أو هلاكًا للجسد، فلا يجوز ترك التداوي. وعمومات الأدلة التي تدل على هذين المعنيين كثيرة. فإن كان لا يؤدي إلى هذين المعنيين، فالأصل في هذا استحباب التداوي إذا كان مما يُعلم أنه لا يترتب عليه نقص في الدين أو حتى الدنيا. فإن كان يترتب عليه ذلك، فالصبر أفضل. ولا يخفى بعد هذا التفصيل أنه قد يُعلم من حال بعض الناس أن الأفضل في حقه الصبر. وعلى هذا يُحمل قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حق هذه المرأة السوداء؛ فإنه -عليه الصلاة والسلام- قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. قالت: أصبر». فرأى النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا التخيير ما فيه الإشارة لها أن صبرها هو الأفضل لها. ولهذا جاء في لفظ حديث أبي هريرة: قالت: يا رسول الله، لا أترك الجنة تجاوزني -أو قالت: تجزني- يعني: ما دمت قد أخبرتني بهذا، كيف أترك الجنة؟ بل آخذ الضمان على الجنة، فاختارت الصبر. ثم دعت -طلبت- أن يدعو لها أن لا تتكشف، فدعا لها أن لا تتكشف -عليه الصلاة والسلام-. وهكذا يقال: من علم من نفسه أن بحثه عن الدواء قد يشغله ويؤخر دينه، وقد يضر بدينه، فصبره أفضل -صبره أفضل- إذا استطاع الصبر. وعلى هذا يحمل ما روي من آثار كثيرة عن الصحابة والتابعين وعدد من الأئمة في صبرهم عن بعض الأدواء وعدم تداويهم، يحمل أنهم رأوا صبرهم خير لهم في دينهم؛ إذ بعض الأدواء تشغل الإنسان، فتضيع عليه من الوقت -أي البحث عن العلاج- تضيع عليه من الوقت والمال ما يكون سببًا لنقصان الدين، فآثروا الصبر مع ما يُعظم لهم من الأجر على البحث عن الدواء. وغالبًا مثل هذه الأدواء تكون من الأدواء التي يشق علاجها أو يطول أمر علاجها. وأما ما قد اشتهر علاجه، فإن هذا قد كان التداوي به في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنه ومن الصحابة ومن بعدهم، ولم يكن ذلك مما يشك فيه. ومن تأمل الأدلة في هذا الباب، رأى أنها تجتمع حول هذه المعاني. فمثلًا: الحمى تبرد بالماء، قال -عليه الصلاة والسلام-: «في الحمى أنها من فيح جهنم، فأبردوها بالماء». وهكذا كذلك غيرها مما يُعلم أنه سبب للشفاء، كالعسل لمن به شيء في بطنه. ومثل ما صنع النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أمر العرنيين أن يشربوا من ألبان الإبل -حديث أنس في الصحيحين- وأبوالها؛ لما اجتووا المدينة حتى صحوا وسمنوا. وهذا مشهور عند العرب قديمًا وإلى يومنا هذا. وغير هذا كثير مما هو بهذا المعنى. وبهذا -كما قلنا- تجتمع الأدلة في هذا الباب. ومما يُذكر في هذا المعنى: أن التداوي -بعد هذا وبهذا التفصيل- لا ينافي التوكل، لا ينافي التوكل؛ كما أن دفع الجوع والعطش والحر والبرد لا ينافي التوكل. وبه يُعلم حقيقة تفسير حديث ابن عباس، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه. فقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون»، ليس معناه ترك التداوي والتطبب مطلقًا، وأن ذلك من كمال التوكل. بل إن الأخذ بالأسباب هو من التوكل. وقد ذكر العلماء أن التوكل أصلا لا يتم إلا بشروطه. ومن شروطه الأخذ بالأسباب. أول شروطه: معرفة الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته؛ فمن لم يعرفه كيف يتوكل عليه؟ وثانيها: أن يعتمد على الله -سبحانه وتعالى- مسبب الأسباب. وثالثها: أن يأخذ بالأسباب. ولهذا كان من لم يأخذ بالأسباب توكله ناقص. قاتل النبي -صلى الله عليه وسلم- واتخذ درعًا وسيفًا ومغفرًا على رأسه، ومركوبًا يركبه، وجيشًا ينصره، وأسبابًا كثيرة، كلها لا تنافي التوكل، بل لا يصح التوكل إلا بالأخذ بها. فإذن ليس معنى التوكل ترك الأسباب التي يتوصل بها إلى ما فيه الخير في الدين وفي الدنيا. وبهذا يعلم أن ترك التداوي ليس من التوكل، بل مع العلم أنه الخير في الدين والدنيا يكون نقصًا في التوكل. على العكس: يكون نقصًا في التوكل. لكن من التوكل: أن يطلب الإنسان كمال الدين بترك بعض الدنيا، أن يطلب كمال الدين بفوات بعض الدنيا، هذا من التوكل. هذا من التوكل ما دام يطلب كمال الدين، فهو لو نقص عليه شيء من الدنيا لا يبالي، كما لا يخفى. كذلك أن العبد قد لا ترفعه أعماله، ولكن قد يكون بعض البلاء سببًا لرفعته في الآخرة؛ كما جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عند أحمد بإسناد حسن: «إن الله ليرفع العبد الدرجة بغير عمل يعمله، ولكن ببلاء يبتليه». فإذا هكذا تجتمع الأدلة في هذا الباب. ومنه كذلك ويناسب ذكرها هنا -حتى لا تلتبس مسائل التوكل- حديث أسامة في الصحيحين في الطاعون؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهم إذا وقع الطاعون في أرض فلا يدخلوها، وإذا وقع وهم في أرض فلا يخرجوا منها. فلا يخرجوا منها. فهنا يفهم حقيقة التوكل؛ إذن هذا من الأخذ بالأسباب الذي هو لا ينافي التوكل على الله -سبحانه وتعالى- لعدم الوقوع في هذا الداء والضر الذي الوقوع فيه قد يكون سببًا في نقصان الدين ونقصان الدنيا. ولما قيل لعمر -رضي الله عنه- في ذلك حين نهاهم أن يدخلوا إلى أرض فيها طاعون، قالوا: أتفر من قضاء الله؟ قال: «نفر من قضاء الله إلى قضاء الله». فالله هو الذي أمر بهذا كما جاء في سنة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. فإذن هذا كله يدور حول معنى التوكل، فلا ينافي التوكل الأخذ بالأسباب. وهكذا منه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما جاء في البخاري معلقًا، وفي خارج البخاري موصولًا صحيحًا: «فر من المجذوم فرارك من الأسد». فإذن هذا كذلك فيه هذا المعنى. وحديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «لا يوردن ممرض على مصح». فكلها تدور حول هذا المعنى، معناه: أن الإنسان يجتنب الأسباب التي توقعه فيما ينقص دينه ودنياه، ولا ينافي ذلك التوكل، بل هو من التوكل على الله -سبحانه وتعالى-؛ إذ ليس معنى التوكل أن يترك الإنسان الأسباب أو يرمي بنفسه إلى التهلكة، فقد نهينا عن ذلك. ثم ذكر -رحمه الله تعالى- حكم التداوي بالمحرمات، فقال -رحمه الله-: «ويحرم بالمحرمات» -يعني يحرم التداوي بالأمور المحرمة- وأشار في الشرح إلى حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- الذي رواه الإمام مسلم: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الدواء الخبيث». وهو يتناول معنى الخبث المعنوي -أي المحرم- وكذلك الخبث الحسي الذي كذلك يدخل في هذا المعنى. فلا يجوز التداوي بالخمر؛ لأنه خبيث، كما لا يجوز التداوي بالنجاسات؛ لأنها كذلك خبيثة. وجاء صريحًا عنه -عليه الصلاة والسلام- في حديث معناه صحيح تؤيده نصوص كثيرة، في قوله: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام». وأشار إلى أن هذا الحديث -حديث أبي الدرداء- في إسناده من يكون سببًا في ضعف هذا الحديث. لكن الحديث له شواهد وطرق يرتقي بها إلى الحسن. بل جاء في صحيح مسلم نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التداوي بالخمر كما أشار إليه. وفي حديث ابن مسعود: «إن الله لم يجعل شفاء. إلا داء واحدًا». وفي حديث ابن عمر: «عباد الله، إنما عند الله لا ينال بالحرام، إنما عند الله لا ينال بالحرام». وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي تدل على هذا المعنى. فلا يجوز التداوي بكل ما هو محرم وخبيث -خبيث لخبثه المعنوي كأن يكون حرامًا، وخبثه الحسي كأن يكون نجاسة وما كان بمعناها-. فإن قال قائل: فكيف بأبوال الإبل؟ الجواب: أبوال الإبل ليست نجسة، بل هذا دليل حديث أنس بالصحيحين على أنها ليست نجسة، ويدل على هذا أحاديث كثيرة. ولهذا قال العلماء: «بول وروث ما يؤكل لحمه ليس بنجس». وأما ما لا يؤكل لحمه، فبوله وروثه نجس. فلا يجوز التداوي بالحرام حتى ولو قيل: إنه ثبت بالتجربة أن فيه علاجًا. فيقال: لا يجوز ذلك. على أنه هذا ليس بالصحيح. فنحن نؤمن بما أخبر به نبيه -رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها». وفي هذا اللفظ: «لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم». نؤمن بهذا ونصدقه ونعلم أن كل شيء يدعى فيه خلاف هذا فهو باطل. وما أكثر الأشياء التي يدعى أنها سبب للشفاء! فيأتي أهل الطب فينقض هذا، اليوم يثبتون أنه سبب للشفاء، وغدًا يقولون: أبدًا، بل هو يزيد في الداء. وهذا كثير. وكذلك له أمثلة عديدة عند أهل الطب. ولهذا نحن نطبق ما علمناه مما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وجاء في شريعة الله في هذا الباب. فلا يجوز التداوي بالحرام. وإذا كان هذا الحرام زالت صفة حرمته، هل يجوز التداوي به؟ قال بعض أهل العلم: إذا كان الوصف غير موجود، فنعم يجوز؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فإذا مثلًا بعض ما يكون أصله مسكرًا، ولكنه انحل وصار ليس مسكرًا، وتغير وصفه واسمه وكذلك عينه، فهنا يجوز العلاج والتداوي به؛ لأنه ليس خمر لا في وصفه ولا في اسمه ولا كذلك حتى في أثره. وقد تقدم معنى هذا المعنى فيما سبق. فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. طيب، نكتفي بهذا، ونترك الباقي -إن شاء الله- إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.