الدرس في كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 6، الدرس السادس:من( والكذب والغيبة والنميمة إذا وجدت من الصائم ... وهل تجب كفارة الجماع في رمضان لإفساد الصوم الصحيح أو لحرمة الزمان؟فيه قولان الصواب:الثاني ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش أحكام الصيام وتأثير الذنوب عليه، ويبين أن الذنوب لا تبطل الصوم ولكنها قد تذهب بأجره. يستحب للصائم أن يقول 'إني صائم' عند الشتم.
يشرح حكم شم الروائح الطيبة للصائم، ويعدد المفطرات مثل الجماع والأكل والشرب. شم الروائح الطيبة لا بأس به إذا لم يكن لها جرم.
يفطر الصائم إذا أكل أو جامع في نهار رمضان عالماً ذاكراً مختاراً، أما الجاهل أو الناسي أو المكرَه فلا يفطر. يعذر بالجهل والنسيان حتى في الجماع.
يشرح حكم الكفارة على الزوجين عند الجماع في رمضان، وتكون عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا. الكفارة تكون على من طاوع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والكذب والغيبة والنميمة إذا وجدت من الصائم، فمذهب إمام الأربعة أنه لا يفطر، وإن كان فيه خلاف في مذهب أحمد. ومذهب إمام أن لا يفطر، ومعنى أن لا يعاقب على الفطر كما يعاقب من أكل أو شرب. والنبي صلى الله عليه وسلم حيث ذكر «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش» لما حصل له من الإثم المقاوم للصوم، وهذا أيضا لا تنازع فيه بين الأئمة. ومن قال إنها تفطر بمعنى أنه لم يحصل له مقصود الصوم، أو أنها قد تذهب بأجر الصوم، فقوله يوافق قول الأئمة. ومن قال إنها تفطر بمعنى أنه يعاقب على ترك الصيام، فهذا مخالف لقول الأئمة. وهذه مسألة أخرى من مسائل الصيام التي اختلف فيها أهل العلم، وهي تتعلق بالذنوب والمعاصي عموما، والغيبة والنميمة والكذب خصوصا. وذلك لأن أهل العلم أكثرهم على أن الذنوب والمعاصي لا تفطر كفطر آكل الطعام وشارب الشراب، ولكن معناه أنها تذهب أجر الصيام. وعلى هذا حمل حديث «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش». ونص من نص من أهل العلم الغيبة والكذب والنميمة، لأنه جاء تخصيصه في بعض الأحاديث. فقد جاء عند البيهقي من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلين رآهما يحتجمان وهما صائمان ويغتابان أثناء الاحتجام، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم». وجاء معناه من حديث جابر بن عبد الله عند ابن جرير وغيره. وهذا هو مناسبة ذكر المؤلف رحمه الله لهذه المسألة بعد مسألة الحجامة، حتى أن بعض أهل العلم جعل أن فطر الحاجم والمحجوم ليس لأجل الحجامة، وإنما لأجل الغيبة المذكور في هذا الحديث. وعلى هذا فذهب بعضهم إلى أن الحجامة لا تفطر بذاتها، ولكن لما كان معها من هذا المعنى وهو ذكر الغيبة. ثم اختلفوا هل فطره بالغيبة معناه فطر كفطر الآكل والشارب، أو معناه ذهاب الأجر؟ فقال بالأول طائفة، وقال بالثاني طائفة. والصواب أن المقصود هو ذهاب الأجر، فهو مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»، أي ذهب أجر عمله، وليس معناه أن يقضي أعماله. على أن هذا الحديث لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أشار الحفاظ إلى ضعف هذا الحديث. فرواية حديث سمرة فيها غياث بن كلوب الكوفي وهو مجهول، وفيه علل أخرى. وهكذا كذلك حديث جابر بن عبد الله لم يصح. وقد مر معنا أن الحفاظ أعلوا أحاديث الحجامة، ولهذا أشار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى أنه ينبغي حمل ما نقل عن بعض أهل العلم، ومنه ما روي عن الإمام أحمد في أحد الروايات عنه أنه يفطر، فهو محمول على ذهاب الأجر، أي لم يحصل له مقصود الصيام. على هذا ينبغي أن يحمل كلام أهل العلم الذي فيه الفطر، ومثله حديث أبي هريرة الذي أشار إليه، رواه الإمام أحمد وغيره: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه التعب والنصب». فمعناه أن الصائم الذي لا يتق الله في صيامه، فإنه يفسد على نفسه أجر الصيام، وليس معناه أنه يبطل صيامه، وعليه أن يقضي يوما مكانه. ومثله قول النبي عليه الصلاة والسلام في من لم يدع قول الزور والعمل به: «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، وهو في الصحيح. ومعناه هذا المعنى، بل هو يؤكده. ففيه إشارة إلى أن صيامه صحيح، ولكن ليس له أجر لأجل عمله. وقوله: «بالزور» وهنا فائدة، روي هذا الحديث «رب صائم حظه من صيامه» معناه من حديث ابن عمر، لكنه لم يصح. أشار الحفاظ أنه حديث معلل. خلاصة هذه المسألة أن المقصود بفطر الصائم بالذنوب والمعاصي عموما، والغيبة والنميمة والكذب خصوصا، على ما جاء في حديث سمرة وجابر لو صحا، أي صح إذا صح الحديثان، فيحمل على ذهاب الأجر، لا على بطلان الصوم كبطلانه بالأكل والشرب، هذا هو الصحيح. قال رحمه الله تعالى: وإذا شتم الصائم استحب له أن يجهر بقوله: «إني صائم». وسواء كان الصوم فرضا أو نفلا، وهو أحد الوجوه في مذهب أحمد. وهذا الاستحباب لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في متفق عليه من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين». إلى أن قال: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». قال العلماء: يقول ذلك مرتين. منهم من قال: يذكر نفسه في الأولى، ويذكر المعتدي عليه في الثانية. وقيل: أن الصائم يقول ذلك مرتين تأكيدا لنفسه ولغيره بعظمة الصيام وحرمته. فيستحب للصائم إذا شتم أو اعتدي عليه أن يقول: «إني صائم»، وذلك تأديبا لنفسه وتأديبا لغيره، وهو كذلك وعظ لنفسه ووعظ لغيره. فينكسر الإنسان إذا ذكر نفسه بهذا، وقد يمنعه الغضب من الانتقام. وهكذا كذلك قد يستفز من اعتداء من يعتدي عليه بالشتم أو غيره. لكن إذا قال مثل هذه الكلمة احتسب ما وقع له لله سبحانه وتعالى، طمعا بما عند الله جل وعلا. وهذا من حكمة الله عز وجل في شرعه ودينه، شرع مثل هذا على لسان نبينا عليه الصلاة والسلام لعلمه أن هذا يحصل به تهذيب للنفس وضبط لها، وهو كذلك. وقوله: «وسواء كان الصوم فرضا أو نفلا» كما ذكر، هو أحد الوجوه في مذهب الإمام أحمد. وقد اختلف المنقول عن إمام أحمد، وهو كذلك عن أهل العلم. اختلفوا أهل العلم في هذه المسألة: هل هذا الحكم خاص بصيام الفرض أم هو كذلك في النفل؟ ظاهر الأحاديث أنه جاء في الفرض، ومع ذلك لا مانع أن يعمل به حتى في النفل، لأن كظم الغيظ وكظمه والصبر على الأذى مطلوب في صيام الفرض وفي غيره، بل وحتى في غير الصيام. والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. فلا مانع من العمل به في الفرض والنفل. قال رحمه الله تعالى: وشم الروائح الطيبة لا بأس به للصائم. وناسب ذكر هذا لأن الحديث الذي يتناول المسألة السابقة ذكر فيه معنى الرائحة، ففيه: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». فهذه مسألة قبل ذكر ما ذكره المؤلف رحمه الله، مناسبة لذكر الحديث. خلوف فم الصائم ما هو؟ الرائحة التي تخرج من فم الصائم بسبب صيامه، هل الرائحة تخرج من الفم أو من الجوف؟ الصحيح أنها من الجوف، وإن كانت تخرج إلى الفم، لكن ليست هي من الفم مباشرة، وإنما من الجوف. فهو من أثر عدم الطعام في الجوف تنبعث هذه الرائحة. وعلى هذا فهل معنى ذلك أنه لا يستحب إزالة هذه الرائحة؟ هذه مسألة. إذا كان خلوف من الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، هل معناه أن الصائم يبقي الرائحة الكريهة هذه حتى يبقى له الأجر؟ ثم ثانيا: إذا كان يبقيها، هل الرائحة تزول بالسواك أو بغيره في الفم؟ والصواب في هاتين المسألتين أن ما ورد هو لذكر الفضل، وليس لإبقاء الرائحة، بل يثبت الفضل حتى ولو أزال الإنسان الرائحة. وقد باب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في كتاب الجهاد بابا في فضل من اغبرت قدماه في سبيل الله. فالإنسان الذي يخرج في سبيل الله في قتال وهكذا على الصحيح ما كان بمعناه، فتغبر قدماه له أجر. بل كل ما يناله من مشقة له فيه أجر. ولكن هل معنى ذلك أن الإنسان يبقي الغبار كلما تأخر الغبار فيه فالأجر يبقى أكثر؟ هل هذا معناه؟ الجواب: لا. فالله عز وجل أعلم بمن اغبرت قدماه في سبيل الله. ولهذا أتبع رحمه الله هذا الباب بباب آخر يشير فيه إلى جواز إزالة هذا الغبار، وذكر حديث عمار في عين مسح النبي صلى الله عليه وسلم الأذى عنه. فإذن لا مانع من بقاء الفضل مع إزالة الرائحة الكريهة، خصوصا وقد ورد معنا في الأحاديث بعموماتها أن المسلم ينبغي أن يعتني بطيب نفسه، فإن الله جميل يحب الجمال. فلو قدر هذا المعنى وفهم، إذن لا بأس أن يزيل الإنسان هذه الرائحة بسواك أو بأي شيء آخر. وبه نعرف كذلك خطأ من ظن أن هذا ليس بالصحيح. وبعض الفقهاء يقول: لا يجوز السواك من بعد الظهر، بناء على هذه المسألة وفهمها الخاطئ. والصحيح ما سمعنا. على أن بعض أهل العلم ذكر أن الرائحة لا تزول حتى ولو طيب الفم، لأن الرائحة تنبعث من الجوف من البطن، وليس من الفم. فالخلاصة أنه يجوز ذلك. ثم تأتي بعد هذا هذه المسألة، وهي شم الروائح الطيبة بالنسبة للصائم، ما حكمها؟ قال: وشم الروائح الطيبة لا بأس به للصائم، وذلك لأنه ليس من مفطرات الصيام شم الروائح الطيبة. لكن يقيد إذا كانت هذه الروائح ليس لها جرم. أما إذا كان لها جرم فإنها تفطر. فالمفطرات التي يفطر بها الصائم خمسة باتفاق أهل العلم أو بقول جمهور أهل العلم، والذي اتفقوا عليه أربع: الجماع، لما ورد من نص الكتاب والسنة. وهكذا كذلك الأكل والشرب، والثالث الحيض، والرابع ما كان بمعنى الأكل والشرب. والخامس إنزال المني عمدا. فهذه الخمسة مفطرات الصيام. وزاد بعض أهل العلم الحجامة والقيء، وقد علمنا حكم الحجامة فيما تقدم، وخلاف أهل العلم فيه. وزاد بعضهم سابعا: تعمد القيء. والصحيح كذلك أن القيء لا يفطر. وأما حديث: «من ذرعه القيء فليس عليه القضاء، ومن استقى فعليه القضاء»، حديث أبي هريرة الذي رواه أحمد والترمذي وداود وغيرهما، أو غيرهم، فالصحيح أنه ضعيف مرفوعا، ضعفه أحمد والبخاري وجماعة من الحفاظ. وإنما الذي صح موقوفا عن ابن عمر وعن علي وجماعة، فيما رواه البيهقي وغيره. وقد روي من فتوى أبي هريرة وابن عباس، فضلا عن غيرهما، أنه لا يفطر. وسبق معنا ما روي أن الفطر إنما مما دخل، لا مما خرج، إلا إن كان القيء دخل إلى الجوف، يعني ابتلع منه شيء، فتعمده فيفطر بذلك، أو مرض معه فيفطر لأجل المرض. وليس في هذا الباب شيء صحيح صريح يدل على الفطر. الشاهد: هذه المفطرات، ومن المفطرات ما كان بمعنى الأكل والشرب. وقد علمنا من معنى الأكل والشرب المغذيات، ومنها كذلك الدخان الذي له جرم. فالمدخن وإن كان لم يأكل ولم يشرب، لكنه يتلذذ تلذذا كتلذذ الآكل والشارب بدخول هذا الجرم إلى جوفه. فمن كان كذلك فهو مفطر. فشراب الدخان يفطر بذلك. وهكذا على القول الصحيح أبخرة الطعام إذا تلذذ بها المستنشق لها، وكان لها جرم. أي أبخرة الطعام، بخار الطعام الذي له جرم يستنشقه هذا الصائم متلذذا به، فهو بمثابة فطر المدخل على الصحيح من أقوال أهل العلم. وبه نعرف أن الفطر لا يكون فقط بدخول الطعام والشراب وما كان بمعناه من الفم، سواء دخل من الفم أو دخل من الأنف. حتى أنه يدخل بعض الطعام والشراب من الأنف، كما تعرفون، وهو الذي كان يسمى قديما بالصعوط. الصعوط هو إدخال شيء من جهة الأنف. فإدخال شيء من جهة الأنف مفطر للصائم. ومنه ما يفعله بعض الناس ممن هو مدمن التبغ فيستنشق التبغ من الأنف، ما يسمى هذا في بعض المناطق التنباك معروف. لكن هذا الفعل، الشم في الفم، لكن في الأنف بعضهم استعمله في الأنف. ومثل أصحاب المخدرات يفعلون هذا في الأنف. فمثل هذا يفطر. حتى نص بعض مشايخنا أنه يفطر الصائم باستنشاق ما يتلذذ به. ومثله ومنه الغراء، بعض الناس مدمن الغراء، تعرفون الغراء الذي يسمى البوستيك. فمن الناس يستعمله كما يستعمل المخدر، ويسمونه في بعض الجهات تشفيط. سأل بعض الناس أحد المشايخ عن التشفيط: هل يفطر؟ قال: يفطر. قالوا: يا شيخ إنه ليس أكل ولا شرب. قال: أليس الدخان يفطر؟ قالوا: نعم. قال: فالتشفيط يفطر. فهو يتلذذ بهذه الرائحة، وهذا يقوم مقام الطعام والشراب فيحصل له ما يحصل للمدخن وزيادة. فهو بهذا يفطر، يصير بهذا مفطرا. وهكذا كذلك قد يدخل المفطر حتى من الفرج إذا قام مقام الطعام والشراب، فإنه يفطر كما علمنا في مسألة الحقنة. وسيأتي معنا إن شاء الله أن هذه المفطرات إنما هي مفطرة بشروط، من هذه الشروط أن يحصل العلم بالحكم والعلم بالوقت. ومن هذه الشروط الذكر، أي لا يكون حالا نسيانا. ومن هذه الشروط الاختيار، كما سيأتي إن شاء الله. فالحاصل: شم الروائح الطيبة لا بأس به، طيبا أو غيره، حتى الطعام، بشرط أن لا يكون لهذه الروائح جرم. فإن كان لها جرم يتلذذ به، فهو يفطر بهذا. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء». صحاح الترمذي من حديث زيد بن خالد. والمراد بتفطيره أن يشبعه. أورد رحمه الله هذا الحديث ليشير به إلى ما بعده من مسائل، وهكذا كذلك إلى ما سبق مع ما فيه من فضل تفطير الصائم. فأولا فيه فضل تفطير الصائم. وقد روي في هذا الباب أحاديث كثيرة، أصحها وأحسنها حديث زيد بن خالد الجهني رحمه الله، الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، وهو حسن بشواهده. وقد صححه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، في الإرواء وفي صحيح الترمذي وابن ماجه وغيرها من الكتب الأخرى. وروي عن غيره، وأكثرها لم يصح. عن عائشة وجماعة، وأكثره فيه ضعف شديد. فالشاهد: هذا الحديث فيه فضل تفطير الصائم، وبين رحمه الله أنه يحصل التفطير بالإشباع. فمن أعطى صائما تمرة لم ينل هذا الأجر، ينال أجر التمرة والصدقة بها، لكن لا ينال أجر صيام يوم. فصيام اليوم بإشباع الصائم. من فطر صائما يعني أشبعه، فأغناه عن طعامه وشرابه الذي تركه طوال يومه. ولا شك أن التصدق على الصائم بالماء والتمر وما كان بمعناه مما يحصل به الدخول في الفطر، فيه أجر. لكن إذا كان يريد الأجر الكامل الذي ينال به أجر صيام يوم كيوم هذا الصائم، هو بإشباعه. وهذا معنى الحديث: «من فطر صائما فله مثل أجره»، يعني إذا أشبعت هذا الصائم عن صيامه في يومه. وفي هذا الحديث الإشارة كذلك إلى معنى الإفطار، فإن الإفطار يكون بالأكل والشرب وبما كان بمعناه مما يرغب فيه الصائم. ولهذا كانت المفطرات غير منحصرة بالطعام والشراب فقط، بل بالطعام والشراب والجماع، وهذه أصول شهوة الإنسان، وما يلحق بهذه الثلاثة، وما يلحق بهذه الثلاثة مما كان بمعناها. ثم قال: ومن أكل في شهر رمضان معتقدا أنه ليل فبان نهارا فلا قضاء عليه. وكذا من جامع جاهلا بالرفث أو ناسيا، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وإذا أكره الرجل زوجته على الجماع في رمضان، يحمل عنها ما يجب عليها. وهل تجب كفارة الجماع في رمضان لإفساد الصوم الصحيح أو لحرمة الزمان فيه؟ قولان. الصواب الثاني. هذه مجموعة من المسائل. أولها فيمن أكل في شهر رمضان معتقدا أنه ليل فبان نهارا فلا قضاء عليه. وهذا هو الخطأ. وقد علمنا أن المفطرات تكون مفطرة بالشروط الثلاثة: العلم، وهكذا كذلك الذكر، والثالث الاختيار. فمن وقع في مفطر من المفطرات وهو جاهل، فالصحيح أنه لا يفطر. وهذا هو قوله: «وكذا من جامع جاهلا بالرفث»، يعني جاهل بحكم الرفث، لا يعرف ما هو الرفث، أنه الجماع، أو من ظن مثلا أن الذي يفطر هو الإنزال، فجامع ولم ينزل، وظن أن هذا لا يفطر لجهله. إن كان جاهلا على الوجه الصحيح، وليس متجاهلا، فالصحيح أنه معذور. والجهل عذر، ويدل عليه عمومات الأدلة في هذا الباب، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا. وخصوص ما روي في الصيام. ففي الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أنه لما نزل قول الله جل وعلا: «فاكلوا واشربوا حتى يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض»، وضع تحت وسادته عقالا أسودا وآخر أبيض، فصار يأكل ويشرب وينظر إلى هذين العقالين. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره عليه الصلاة والسلام أنه ليس كذلك، وإنما هو سواد وبياض الفجر. فنزل قول الله جل وعلا: «من الفجر». ولم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام الرجل بالقضاء، فدل ذلك على أن الجهل عذر، أن الجهل عذر لا يقع به الفطر. وهكذا كذلك الخطأ. فمن أكل في شهر رمضان معتقدا أنه ليل، ولم يدري بدخول الفجر، مع بذل وسعه واجتهاده، وفرق بين الحريص وبين المضيع. فإن من الناس من يحرص، لكن ليس عنده مثلا ساعة، وليس بجانبه مسجد قريب، كبعض الناس الذين يكونون في البوادي والقرى النائية، أو في رؤوس الجبال، أو في أوساط الصحراء، أو في مدينة مزدحمة لا يسمع معها الأصوات، مع قلة المساجد، أو العمائر الكبيرة التي تكون مغلقة عن غيرها، وغير ذلك. فإذا حرص الصائم على الوقت، ثم حصل خطأ، فهو معذور بهذا الخطأ، لعموم الأدلة: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». ولخصوص ما روي في الصيام، في قصة حديث أسماء: أنهم أفطروا ظنا منهم أن الشمس قد غربت في يوم غيم، ثم ظهرت الشمس، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم على الصحيح بالقضاء. فدل ذلك أن الخطأ عذر، بخلاف من يكون عنده شيء من التساهل والتفريط. بعض الناس ربما تأخذه غفلة في النوم، فلا يدري إلا وقد نام، فيقوم بدل أن ينظر إلى الساعة وهي قريبة منه، أو يفتح النافذة وهي ليست ببعيد عنه، يهرع إلى الثلاجة يشرب ويأكل ويأخذ كل حاجته. وبعد ذلك ينظر إلى الساعة، أو ينظر إلى النافذة، ثم يسأل: أنا قمت من النوم ما دريت بالوقت، أكلت وشربت، ثم نظرت فوجدت الشمس ما شاء الله قد طلعت، أو نظرت في الساعة فوجدت الساعة السابعة أو السادسة، ما حكم صيامي؟ نقول: عليك القضاء واصل. وعليك القضاء، إذا صار متفيقا. قالوا: حديث أسماء نقول: حديث أسماء مع الحريص، وأما أمثالك المتلاعبون فلا تدخلهم رخصة حديث أسماء، لأن هذا الإنسان متلاعب. لو كان حريصا نظر في الساعة، فإذا نظر واجتهد ولم يدري، فقال: ما دمت لا أدري سأكل وأشرب، ثم تبين له أن الفجر قد طلع، فلا حرج عليه، واصل صومه، ولا حرج عليه في ذلك. فإذا قوله: «ومن أكل في شهر رمضان معتقدا أنه ليل فبان نهارا فلا قضاء عليه»، على هذا هو في حق من اجتهد وبذل الوسع فلم يتبين له. وأما من لم يجتهد ولم يبدل الوسع، فهذا عليه القضاء لتفريطه وتساهله وتضيعه. وكذا من جامع جاهلا، إذا كان صحيح أنه جاهل، فهذا معذور. وأما رجل يتجاهل ويتغافل، فهذا ليس بمعذور. كذلك لو كان ناسيا، فالنسيان عذر. والصحيح أنه عام في الطعام والشراب وفي غيره، حتى الجماع. إذا تحقق أنه ناسي على وجه الحقيقة، لعموم الأدلة كما تقدم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». ولخصوص ما روي في الصيام، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فيمن نسي فأكل أو شرب: «فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». وبعض أهل العلم يقول: لا يتصور النسيان في الجماع، كيف يمكن الإنسان ينسى؟ الجواب: هذا قد يقع عند أكثر الناس، أنه لا يتصور، لكن اجعل لشواذ الناس حالات استثناء، الناس لا يستوون في كمال عقولهم، ولا في قوة ذاكرتهم. وقد يحصل هذا الخطأ مع الأيام الأولى خصوصا عند من يكون في ذاكرته شيء، فإن الإنسان قد يغفل خصوصا مع النوم، فيحصل له شيء من النسيان، فيقع في مثل هذا. فإن وقع حقيقة أنه نسيان، فهو معذور. وأما إن كان تغافلا وتناسيا، والله عز وجل أعلم بما في الصدور، وإنما الأعمال بالنيات، فمثل هذا لا عذر له، ولا رخصة. وقوله: «وهو إحدى الروايتين عن أحمد»، يعني في الجماع أنه يعذر بالجهل والنسيان. والصحيح أنه يعذر لعموم الأدلة، وهو الذي اختار هنا الشيخ رحمه الله. وقوله: وإذا أكره الرجل زوجته على الجماع في رمضان، يحمل عنها ما يجب عليها. فهي ليس عليها شيء على الصحيح، حتى القضاء. الصحيح أنه ليس عليها القضاء، ولكن بشرط أن يكون هذا الإكراه من الإكراه الذي لا يكون لها اختيار. لأن الإكراه ينقسم عند أهل العلم لقسمين: إكراه ملجئ، وإكراه غير ملجئ. فما كان من الإكراه لصاحبه اختيار، فهذا على الصحيح أنه لا يعذر به. وأما إذا لم يكن معها اختيار، كرجل قوي مع امرأة ضعيفة، تمكن منها بقوته فأجبرها، فهي ليس عليها شيء حتى القضاء. لا يجب عليها القضاء، بل تواصل صيامها، وصيامها صحيح. والإثم على الزوج، والكفارة على الزوج، وليس عليها شيء. وعلى هذا يحمل عدم ذكر حكم المرأة في حديث أبي هريرة في قصة الرجل السائل. وأما قول من قال من أهل العلم: أن المرأة ليس عليها شيء، وأنه يكفي ما وقع في حق الرجل، فهذا ليس بالصحيح. بل إذا طاوعت المرأة زوجها، فعلى الرجل كفارة، وعلى المرأة كفارة، أن يعتق رقبة، وأن تعتق رقبة مع قضاء اليوم. فإن لم يجد فيصوم شهرين متتابعين، وتصوم هي كذلك شهرين متتابعين، هذا إذا طاوعته أو تساهلت، قالت: مكرها وهي ليست مكرها، إنما إكراه لها إرادة، فتساهلت في ذلك. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. فالاختيار قد يوجد في بعض أنواع الإكراه. يقول: وهل تجب كفارة الجماع في رمضان لإفساد الصوم الصحيح أو لحرمة الزمان فيه؟ قولان. قال: الصواب الثاني، يعني لحرمة الزمان. وماذا ينبني على هذه المسألة؟ أولا: ما معنى هذه المسألة؟ معناها أن هذه الكفارة التي هي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فيطعم ستين مسكينا، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة في قصة الرجل الذي جامع أهله في نهار رمضان، فقال: هلكت، القصة والحديث المشهور في الصحيحين. هل هذه الكفارة المغلظة لأجل الصيام، أو لأجل حرمة الزمان، أي شهر رمضان؟ في هذا قولان لأهل العلم. والصحيح أن ذلك لأجل حرمة الزمان. وماذا ينبني على ذلك؟ ينبني على ذلك أن من كان عليه القضاء، فجامع في وقت القضاء، قضاء رمضان. مثلا رجل عليه قضاء لسفر، وامرأة عليها قضاء لحيض، صاما معا في شوال قضاء يوم من أيام رمضان. فإذا جامع امرأته في شوال، وهما الاثنان يقضيان شهر رمضان، يوم من أيام شهر رمضان، فهل عليهما الكفارة؟ على القول الأول عليهما الكفارة، لأن الكفارة لأجل الصيام. وعلى القول الثاني عليهما القضاء فقط، وليس عليهما الكفارة. وهذا هو الصحيح، لعموم الأدلة في هذا الباب، ولأنه الأصل، وهو البراءة، براءة الذمة، إلا أن يرد شيء صحيح صريح. وهو قول جمهور أهل العلم من السلف ومن بعدهم، ولم يحكى عن أحد خالف في ذلك، إلا ما روي عن قتادة رحمه الله، قاس القضاء على رمضان. والصحيح خلاف ذلك. وقد نص العلماء في المطولات على هذه المسألة، وأن هذا هو الصحيح فيها. طيب نكتفي هذه الليلة بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.