كتاب الحج من الاختيارات الفقهية  7

كتاب الحج من الاختيارات الفقهية 7

الدرس في كتاب الحج من الاختيارات الفقهية 7، الدرس السابع:من( والمحرم إن احتاج وقطع شعره لحجامة أو غسل لم يضره ... والشاذوران ليس من البيت بل جعل عماداً له ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الإحرام ومحظوراته

يتناول هذا الفصل الأحكام المتعلقة بإحرام الحج والعمرة، مثل حلق الشعر عند الضرورة، وقتل الحشرات الضارة، وتناول بعض الحيوانات عند الضرورة. كما يشرح أحكام الصيد وفدية القتل في الإحرام.

تفاصيل أحكام الصيد والقتل في الإحرام

يتناول هذا الفصل تفاصيل أحكام الصيد للمحرم وفدية القتل، مشيرًا إلى أنواع الدماء التي تجب فيها الفدية مثل دم النسك ودم الإحصار ودم الصيد. كما يوضح الحالات التي يباح فيها قتل بعض الدواب في الإحرام.

أحكام الطواف واستلام أركان البيت

يتناول هذا الفصل حكم استلام الركن اليماني والشاذروان في الطواف، موضحًا أن الركن اليماني يستلم مباشرة دون تقبيل أو إشارة، بينما الشاذروان ليس من البيت بل هو علامة على حدوده.

منهجية الجمع بين الأقوال الفقهية

يتناول هذا الفصل ترجيح الصواب في الجمع بين القولين المختلفين في بعض المسائل الفقهية، ويبين خطأ بعض الفقهاء في نقلهم عن بعض العلماء ترجيح أحد القولين على الآخر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والمحرم إن احتاج وقطع شعره لحجامة أو غسل لم يضره. والقمل والبعوض والقراد إن قرصه قتله مجانًا، وإلا فلا يقتله. ولا يجوز قتل النحل، ولو بأخذ كل عسله، وإن لم يندفع ضرره إلا بقتله جاز. وهذه تبع، هذه مسائل تبع لكلامه على فدية الأذى. وقد علمنا أن فدية الأذى نزلت في قصة كعب بن عجرة في الصحيحين، ونزل بها القرآن، وفسرت هذه الآية السنة. وكذلك علمنا أن فدية الأذى كانت في حلق كل الشعر، شعر الرأس. وهل القليل منه يلحق به؟ مر معنا أن الصحيح لا يلحق به، لحديث ابن عباس في البخاري وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، ولم يذكر أنه أفدى. ولو كان ذلك واجبًا لبينه عليه الصلاة والسلام بقوله أو فعله. ومر معنا أنهم اختلفوا بحد القليل والكثير، والصحيح أنه لا حد في ذلك. بعضهم قال: القليل ربع الرأس، وما أكثر من ربع الرأس فهو كثير. وبعضهم قال: النصف. وبعضهم قال: الثلث. والصحيح أنه لا حد، لكن لا شك أنه إذا استوعب أكثر الرأس فهو من الكثير. لكن إذا كانت هناك جراحة مثلًا، فهو لم يرد أولًا حلق رأسه، وحلق ما يحتاج للجراحة، فالصحيح أنه لو حتى استوعب النصف فهو ليس بكثير؛ لأنه ليس لترفه بل لضرورة. وثانيًا، كذلك ليس هناك نص طريح يدل على الحد بين القليل والكثير. وإن فعل شيء من الفدية احتياطًا فهذا من عنده. ومر معنا: هل يلحق به كذلك البشر، كحلق الأضفار ونحوه؟ ومر معنا أن الكثير من الفقهاء الحق به الأضفار. وعلى هذا اختلفوا كذلك في حد القليل والكثير. منهم من قالت: ثلاث أضفار فما فوق الكثير، وما تحت فالقليل. والصحيح أنه لا يلحق الأضفار. ومع ذلك لا يعني أن يتساهل في قص أضفاره، لا، بل يمسك عن قص أضفاره وسائر شعره، سواء شعر الرأس أو شعر الإبط أو أي شعر آخر. هذا هو مقتضى العمل بعموم الإحرام، وهو الأحوط. لكن إذا احتاج إلى فعل شيء من ذلك فلا حرج عليه. وهل إذا فعله ناسيًا عليه شيء؟ فيه خلاف، والصحيح وتحت الخلاف تفاصيل كثيرة. والصحيح أن الناس معذور. فقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الصائم: «فإنما أطعمه الله وسقاه». فهذا من باب أولى. ومرت معنا قاعدة: أن ترك المأمور وفعل المحظور يختلفان في الحكم. ففعل المحظور يسقط الحكم والإثم معًا. وأما ترك المأمور فيسقط الإثم ولا يسقط الحكم. يعني إذا وقع ناسيًا أو خطأ أو أكره عليه، فمثلًا من ترك الصلاة ناسيًا لا تسقط عنه الصلاة، يسقط عنه الإثم لكن لا تسقط الصلاة. من نام عن صلاة أو نسيها، فوقتها إذا ذكرها. وهذا مأمور. لكن من أكل أو شرب صائمًا، هذا محظور، فيسقط عنه الإثم والحكم معًا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما أطعمه الله وسقاه». والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. والمتماثلات يلحق بعضها ببعض. وهنا لما كان هذا المحظور في الحج في معنى المحظور، فهو كذلك بالنسيان يسقط فيه الإثم والحكم معًا. وهذا هو الصحيح والصواب. فمن نسي فقص شيئًا من شعره فلا حرج عليه، أو أخطأ فكذلك. «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا». جاء في حديث العباس -معنا من حديث أبي هريرة- أن الله عز وجل قال بعد نزول هذه الآية في الحديث القدسي: «قد فعلت». فقوله هنا: والمحرم احتاج وقطع شعره لحجامة، الحجامة واضحة، فسيحلق بقدر المكان الذي يحتاج لحجامة، فلا بأس في هذا ولا حرج فيه. وقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام احتجم وهو محرم. وفي رواية: وهو محرم وصائم. وقوله: «أو غسل» يعني إذا كان قد لبد شعره تلبيدًا شديدًا وتضرر، بعض الناس يتضرر فيحتاج أن يدفع الضرر، فلا بأس. وأما في غير ضرورة فلا؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات. وأما قوله: والقمل والبعوض والقراد إن قرصه قتله مجانًا؛ لأن بعض الفقهاء يقول: في هذا فدية، كما أن في الصيد فدية، فكذلك في سائر الحيوانات والحشرات فدية؛ لأنه روي عن بعض الصحابة أن الجراد فيه فدية، وأنه صيد. فروي عن بعض الفقهاء -ويروى عن بعض الصحابة- ولم أقف على شيء صحيح أنهم جعلوا في بعض هذه فدية. والصحيح التي تدل عليه عمومات الشريعة، ولم يثبت ما يخالفه من قول وفتاوى السلف الصالح: أن كل ضار إذا قتل -سواء لدفع الضرر عن نفسه أو كذلك لدفع الضرر به أو أي كيفية كانت- فإنه لا شيء عليه. ويختلف الحكم فيما كان ليس بضار، ولكنه اعتدى عليك، فيفرق بين دفع الضرر عن نفسك وبين دفع الضرر -يعني عن نفسك منه- وبين دفع الضرر عنك به. فالأول ليس فيه فدية، والثاني فيه فدية. مثاله: لو اعتدى عليك كلب عقور، فأنت لا حرج عليك في قتله، سواء قتلته لأنه سيضرك أو سيضر غيرك، أو حتى على الصحيح قتلته لأنك خشيت على نفسك الهلاك فأكلته للضرورة؛ لأنه أصلا قد أبيح قتله لأنه كلب عقور. صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة في الصحيحين، ومعناه في حديث ابن عمر: «خمس يقتلن في الحل والحرام». وفي رواية: «أربع كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرام». وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحية والفأرة والغراب الأبقع والكلب العقور. وكذلك ماذا ذكرت الفأرة؟ ذكرت الحدأة. نعم، خمسة: الحدأة. وفي رواية الأربع لم يذكر الحية. فهذه الخمس الضارة -سواء قتلها ليدفع ضررها، ليدفع ضررها عن نفسه منها، أو يدفع ضررها ليس عن نفسه ولكن للغير، للناس الآخرين- أو حتى قتلها ليدفع الضرر عن نفسه بها - يعني مثلًا ليأكلها عند الضرورة- يجوز. أكل هذه أم لا يجوز؟ حتى ولو كان ليأكلها. الصحيح أنه ليس فيه شيء. بخلاف الصيد، الصيد فيه تفصيل. فلو أنه اعتدى عليك حمار وحشي أو وعل أو ثور بري، فما استطعت أن تدفع ضرره إلا بقتله، هو الصيد. لو قتلته عامدًا وأنت محرم ففيه فدية. «فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوو عدل منكم» يعني يحكم اثنان من أهل الخبرة: ماذا يساوي هذا من بهيمة الأنعام؟ فقاسوا الأرنب على صغير المعز، وقاسوا الضبع على كبير الشياة، وهكذا كل شيء وجعلوا له قياس. والنعامة على البدنة. لكن إذا اعتدى عليك لا شيء عليك فيه. وإذا أنت اعتديت عليه -أنت محرم- ولا تريد أن تصطاد، لكن وقعت بضرورة، تمشي في طريق الحرام وأنت مسافر، أصابك هلاك، ما عندك طعام ولا شيء، فوجدت هذا الصيد تريد أن تأكله للضرورة، هل الضرورة تبيح لك المحظورة؟ ومعنى أنه لا شيء عليك: الصحيح عليك فدية. فدية الصيد عليك. والدماء الثابت الوارد في النص بنصوص الكتاب والسنة -بالتفصيل خمسة، وبالإجمال أربعة- دم النسك، وهو دم الهدي -قارنًا أو متمتعًا- ودم الإحصار: «فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي». ودم الصيد: «فجزاء مثل ما قتل من النعم». ودم فدية الأذى، هذه أربعة. فدية الأذى حديث كعب بن عجرة: «فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك». هذه أربعة بالإجمال، وبالتفصيل تصير خمسة. أين يخرج الخامس؟ من أين يخرج؟ الخامس من أين يخرج؟ نعم. النسك فيه اثنان: فيه نسك القارن ونسك المتمتع. نعم، فعلى هذا: الصحيح أنه لا فدية في دم فيما زاد عن هذه الأربعة، إلا ما روي عن الصحابة في الجمع، فيحمل أن هذا بآثار موقوفة. هذا ورد بآثار موقوفة على ما تقدم. فإذا قوله: والقمل والبعوض والقراد، والقراد هو الذي يلتصق بالجسد، ونادرًا ما يكون في الإنسان، وكثيرًا ما يكون في الحيوان -في الهر والكلب- وما كان بمعنى. وقد ينتقل من الحيوان إلى الإنسان. فهذا يقول: إن قرصه قتله مجانًا يعني ليس فيه فدية. ومعنى كلامه: إن لم يقرصه لا يقتله. وإن قتله ففيه فدية. والصحيح أنه ليس فيه فدية؛ لأنه يلحق بالخمس التي تقتل في الحل والحرم. والصحيح أن هذا الباب ليس محصورًا بهذا العدد. فالقاعدة عند الفقهاء والأصوليين -أي عند المحققين منهم- أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر. فقوله: «خمس يقتلن» الصحيح أنه ليس لإفادة الحصر، بل هذا لذكر الأهم، أو ما يغلب الابتلاء به، أو ما يكثر السؤال عنه. أو إن شئت فقل: كما قال بعض الفقهاء: أصول الدواب الضارة. فجعل الكلب العقور فيما كان بمعناه من السبع -كالأسد والفهد والنمر وغيره- مما هو ضار من السبع. وألحق بالحية كل زاحف فاسق ناهش ضار -كالعقرب وسائر الزواحف الضارة- وألحق بالغراب والحدأة كل طائر كبير أو صغير ضار. وألحق بالفأرة -الفأرة- كل ما كان بمعناها من الدواب الضارة. وهذا هو الصحيح: أنه لا ينحصر. فالبعوض والقراد والقمل وما كان بمعناه مما هو ضار يقتل -سواء قرصك أو لم يقرصك- وسواء كان لك أو كان لإنسان آخر. لا تتورع في قتل بعوضة. ويروى أن ابن عباس رضي الله عنه سأله أهل العراق عن قتل البعوض، فتعجب، قال: «عجبًا لكم يا أهل العراق! يعني تقتلون الحسن والحسين وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وتسألون عن قتل البعوض!». ونحوهم الخوارج الذين تورعوا في خنزير نصراني وتجرأوا على بطن زوجة صحابي -امرأة حامل- بقروا بطنها استحلوا دمها على أنها مرتدة، وهي امرأة صحابي. والخنزير تورعوا فيه. الخوارج الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية -يعني يفهمون الدين بفهم مغلوط- يدخلون من باب ويخرجون من باب آخر. وهكذا كل من لم يفقه دين الله ربما وقع في غلطات كبيرة -كالخوارج والرافضة- يقول: ولا يجوز قتل النحل، ولو بأخذ كل عسله. وإن لم يندفع ضرره إلا بقتله جاز. وينبه بهذا إلى نوع من الدواب لا يجوز قتله بحال إلا للضرورة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس، وجماعة عن غيره -رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة- بإسناد حسن، وحسنه العلامة الألباني في مواضع من كتبه: أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد. النملة معروفة، وهو يشمل جميع أجناس النمل -إلا ما يضرك فتدفع ضرره بقتله- وهكذا النحلة هي التي تصنع العسل. ويجوز قتلها لدفع ضررها. وهل يجوز قتلها للعلاج بها؟ الصحيح يجوز تبعًا لا ابتداء. ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. يعني مثلًا إذا ثبت بالطب -ما يسمى بالطب البديل- أن لسعة النحلة تنفع من مرض ما، فأنت تأتي بالنحلة لا لتقتلها لكن لتلسع بها. والغالب أنها إذا لسعت تموت. الغالب أنها إذا لسعت تموت. فأنت تجعلها تلسع وتتركها. إن ماتت فأنت لم تقصد قتلها، وقصدت دفع الضرر بها. وإن لم تمت فذاك شيء كتبه الله لها. فالحاصل: لا يجوز قتل النحل. وهكذا بمعنى النحل: النمل والهدهد والصرد. والصرد نوع من الطير. قال رحمه الله: ويسن أن يستقبل الحجر الأسود في الطواف. قوله: ويسن أن يستقبل الحجر الأسود في الطواف يعني يتوجه إليه بجسده. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في استلام الحجر أربع كيفيات. الكيفية الأولى: تقبيله مباشرة -يعني بفمك- تقبل الحجر الأسود إن استطعت دون الزحام، ولا ضرر بنفسك ولا بغيرك، ولا فتنة لغيرك ولا لنفسك، افعل هذا، قبله بفمك. الكيفية الثانية: أن تمس بيدك وتقبل يدك -يعني تمد يدك تمس الحجر الأسود وتقبل يدك- الكيفية الثالثة: إذا لم تستطع بيدك وأنت راكب على بعير، أو أنت بعيد ومعك عصًا، تمد العصًا فتمس الحجر الأسود وتقبل المكان الذي مست العصًا الحجر الأسود. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قبل بمحجن. والمحجن: العصا التي يستعين بها الراكب على دابته. والكيفية الرابعة: أن تشير إشارة، تشير بيدك. وهذه الكيفية وهذه الكيفيات الأربع تكون في ابتداء الطواف، في كل طوفة في بدايتها. ويكون معها التكبير، تقول: «الله أكبر». وتقبل بفمك أو بيدك أو بالعصًا أو بالإشارة. ويسن أن تقول: «بسم الله» في أول الطواف، وليس في كل طوفة. الآن عندك سبع طوفات، ليس في كل طوفة تقول: «بسم الله الله أكبر» «بسم الله الله أكبر» «بسم الله الله أكبر» مثل ما يفعل العوام. العوام في كل طوفة «بسم الله الله أكبر». وبعضهم يريد التأكيد ثلاث مرات: «بسم الله الله أكبر» ثلاث مرات. وهذا خطأ. والسنة: يقول «بسم الله» في أول الطواف فقط. أما في الشوط الثاني والثالث والرابع والخامس إلى السادس يقول: «الله أكبر» فقط بدون «بسم الله» ومر واحدة. وأما الشوط السابع فلا يقول شيئًا؛ لأنه قبل الطواف ليس بعد الطواف في ابتداء الطواف. ويخطئ الكثير كذلك من العامة، بل بعض المبتدئين من طلبة العلم في هذا. وهذا خلاف الصواب. ومما يمس لكنه لا يقبل: الركن اليماني، وهو الركن الذي يكون قبل الحجر الأسود. الكعبة لها أربعة أركان، ركنان يمانيان وهما الركنان المتجهان إلى الجنوب، وسمي يمانيان لأنهما إلى جهة اليمن. وهذا الركنان تعرفهما: أنك إذا كنت في النهار فسيكون شروق الشمس عن يسارك وغروبها عن يمينك، فما واجهته من الكعبة بعد ذلك فهذا ركنان يمانيان، وهما معروفان. وللحجر الأسود علامة، وهو ذاك الوعاء الذي حفظ به الحجر الأسود -أي ما بقي من الحجر الأسود بعد رد ما قد سرق منه في عهد الباطنية- الشاهد: فهذان الركنان اليمانيان هما الذان يستلمان فقط، لا يجوز مس شيء من الأركان إلا هذين الركنين. والركن اليماني يمس من دون تقبيل، لا تقبل مباشرة ولا تقبل يدك ولا تقبل بعصًا، بل ولا تشير إشارة. إذا لم تستطع أن تمسه، إنما فيه كيفية واحدة فقط. نحن قلنا في الحجر الأسود: كم كيفيات؟ أربعة. أما الركن اليماني ليس فيه إلا كيفية واحدة فقط. إن استطعت أن تستلمه مباشرة فعلت، وإلا لا تفعل شيء آخر. لا تقبيل لا بواسطة ولا بغير واسطة، ولا حتى إشارة. ليس فيه إشارة. هذه هي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وقد صح عن ابن عمر أنه نهي عن استلام غير الركنين اليمانيين، وعن غيره من الصحابة. وأما الحجر الأسود -على ما تقدم- وغير الركنين اليمانيين أبدًا لا يستلم شيء من أركان البيت. وما يقابل الركنين اليمانيين يسمى بالركنين الشاميين. وفيه ما يسميه العامة: وفيه العامة بحجر إسماعيل. وهي تسمية خطأ. وهو ذاك التحليق الذي فيه علامة أساس البيت الذي لم يستطع أهل مكة أن يعيدوا البيت عليه حين انهدم عليهم البيت. انهدم البيت ولم يستطع أهل مكة أن يعيدوه من خالص وصالح أموالهم إلا على الذي هو عليه اليوم. فإنهم أخذوا على عهدهم عهدًا أن لا يضعوا في البيت إلا مال حلال. فما وجدوا من خالص أموالهم الحلال إلا هذا الذي هم عليه، بنوا فيه هذا البيت. فالجزء الباقي الذي لم يستطيعوا إكماله وضعوا له هذه العلامة ليدل أنه من البيت. ولهذا جاء في الصحيح -في صحيح مسلم- من حديث عائشة قال عليه الصلاة والسلام: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لا أعدت البيت على أساس إبراهيم». ما هو أساس إبراهيم؟ أن يمد البيت إلى هذا الموضع الذي يسميه الفقهاء بالشاذروان، ويسميه العامة بحجر إسماعيل. يسميه العامة بحجر إسماعيل. والذي سماه النبي عليه الصلاة والسلام أساس إبراهيم. أساس إبراهيم. فالشاهد: هذا الموضع من البيت كذلك لا يمس. وقد صح عن عمر أنه قال في الحجر: «أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع». كما جاء في الصحيح في البخاري وغيره: «ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك». يعني أن تقبيله رضي الله عنه للحجر ليس لكونه فيه بركة أو لأنه ينفع ويضر، ولكن تعبدًا لله واتباعًا لسنة رسول الله. ولا ينافي ذلك كونه يحط الخطايا حطًا؛ لأن الله جعله يحط الخطايا. ولا ينافي أنه حجر نزل من الجنة. فالشاهد: فرق بين أن تعتقد أنه ينفع ويضر، وبين أن تفعل ذلك طاعة لله واتباعًا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: ويسن أن يستقبل الحجر الأسود في الطواف. قلنا: لاستقبال بالجسد، لا بأس أن تستقبل. وأما ما بقي فلا يسن. يعني أركان البيت، بقية أركان البيت. قال: ويسن القراءة في الطواف للجهر بها. فأما إن غلط المصلين فليس له ذلك إذن. وجنس القراءة أفضل من جنس الطواف. ومعنى أن الذي يطوف يسن له في طوافه أن يدعو وأن يقرأ ما يتيسر من القرآن، وأن يسبح ويستغفر ويهلل، ينوع بين هذه العبادات والأذكار. تارة يدعو لنفسه ولغيره، وتارة يستغفر ويهلل ويكبر، وتارة يعود إلى قراءة القرآن، وهكذا. لكن يقول: لا ينبغي له أن يجهر بالقراءة حتى يشوش على المصلين في المسجد الحرام. وبه نعرف خطأ ما يفعله الكثير من العامة من رفع أصواتهم في التلبية داخل المسجد الحرام. أولًا: التلبية تنقطع برؤية بيوت مكة، أو برؤية البيت -على أحد قولين- فهي تنقطع. ثانيًا: لو كان في أذكار الطواف أو كذلك في دعاء، فإنه لا ينبغي أن يكون على حساب التشويش على المصلين. وقوله: جنس القراءة أفضل من جنس الطواف يعني أن القراءة أفضل من الطواف، لكن لا يعني ذلك أن تكون القراءة على حساب التشويش على الناس. فإذن هو في طواف وفي عبادة يخفض قراءته. وكما يقال في هذا الموضع، فيقال في كل ما كان بمعناه من مناسك وأفعال الحج والعمرة: لا ينبغي أن يكون فيها أذية للآخرين. قال رحمه الله: وشاذروان ليس من البيت، بل جعل عمادًا له. هكذا في هذا الموضع من الاختيارات. وجاء عنه رحمه الله في مواضع أخرى من كتبه -مثل شرح العمدة- أنه قال: وإن اخترق الحجر في طوافه أو الشاذروان لم يصح له. قاله أحمد في رواية الأثرم؛ لأن الحجر من البيت. هنا يقول: إنه ليس من البيت، أي شاذروان. وهناك يقول: إنه من البيت. فظن بعض أهل العلم أن هذا تعارضًا. وبعضهم أخذ بما في هذه الاختيارات، وبعضهم أخذ بما في كتبه الأخرى. والصحيح أنه لا تعارض بين هذين القولين. ويجمع بينهما: بأنه رحمه الله أراد أن يفرق بين الشاذروان الذي هو نفس الجدار، وبين ما بعد الجدار من الفضاء. فكأنه يقول: نفس الشاذروان -الجدار المبني- هذا الذي هو عبارة عن هلال أقل من نصف دائرة -من رأى الكعبة يعرف هذا الشاذروان- الشاذروان عبارة عن بناء مثل الهلال الصغير، أو نستطيع أن نقول: أقل من نصف دائرة. وكان ارتفاعه قديمًا عبارة عن ستة عشر أصبعًا -يعني ثلثي ذراع- وعرضه ذراع. والذراع يحسب بيد الرجل المعتدل: أربع وعشرين أصبعًا. هذه أربعة أصابع، وهذه أربعة: ثمانية أصابع. هذا الذراع المعتدل عند العرض يساوي أربع وعشرين أصبعًا. فكان عرض هذا الشاذروان أربع وعشرين أصبعًا: ذراع. وارتفاعه ثلثي ذراع -يعني أقل من الذراع- ستة عشر أصبعًا. ولكنه زيد مع مر التاريخ، وهو اليوم في زماننا هذا ما يعادل تقريبًا أكثر من ذراعين -أكثر من ذراعين- يمكن ذراعين ونصف ارتفاعه، وعرضه يمكن ذراع ونصف تقريبًا. انتبه لهذا. وهذا مقصود. فالشاذروان الذي -وهذا البناء يرى شيخ الإسلام- أن البناء نفسه ليس من البيت، وإنما جعل حدودًا لنهاية البيت. فحدود البيت من داخل الشاذروان. لماذا؟ قال: لأن من أمانة معنى كلامه -من أمانة من بنى هذا الشاذروان- أن يحفظ المساحة التي هي للبيت. المساحة التي هي للبيت حتى يكون هذا الفضاء بين الشاذروان وبين جدار البيت هو من البيت. ولهذا قال: والشاذروان ليس من البيت يعني نفس البناء، بل يعل عمادًا له يعني حماية وسور حتى يعرف أن من هنا وما بعده البيت. وقوله في الموضع الآخر: أن الشاذروان والحجر من طاف به فطوافه لا يصح؛ لأنه لم يكمل طوافه؛ لأنه اخترق البيت، لم يطف من خلف الشاذروان. هذا صحيح كذلك. فلو أن إنسان طاف فوق الشاذروان -على القولين- فعله صحيح أو ليس بالصحيح؟ صحيح، طوافه صحيح. طوافه صحيح. وبهذا نعرف أنه لا تعارض بين ما روي عن شيخ الإسلام في هذين القولين. وهذا هو الصواب. وبه نعرف خطأ ما نقله بعض الفقهاء عن شيخ الإسلام بترجيح أحد هذين القولين، والانتصار للطرف الآخر. والصواب: الجمع بين هذين القولين على هذا الجمع. وبهذا الحد نكتفي لانتهاء الوقت. والله تعالى أعلم.