الدرس في شرح الدروس المهمة 49، الدرس الثاني عشر من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ المقطع بتوضيح شروط الوضوء العشرة وترتيب الكلام الفقهي حول الوضوء والصلاة. يُبرز أهمية فهم الترتيب في النصوص الفقهية.
يناقش هذا الجزء شروط صحة الوضوء مثل الإسلام والعقل والتمييز والنية. يُفصّل في أهمية النية ومدى استمرارها أثناء الوضوء.
يتناول هذا الفصل حكم النية في الوضوء وتأثيرها على صحة العبادات الأخرى، مشيراً إلى أن النية تقع في القلب ولا تحتاج إلى استحضار خاص.
يُسلط الضوء على الخلاف بين العلماء حول ضرورة النية في الوضوء، مستنداً إلى آراء بعض العلماء مثل ابن القيم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الدرس الثاني عشر: شروط الوضوء وهي عشرة: الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية، واستصحاب حكمها بألا ينوي قطعها حتى تتم طهارته، وانقطاع موجب الوضوء، واستنجاء واستجمار قبله، وطهورية ماء، وإباحته، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، ودخول وقت الصلاة في حق من حدثه دائم. جعل المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع الكلام على شروط الوضوء، وأخر رحمه الله تعالى الكلام على شروط الوضوء، لعله - والله أعلم - لأجل أن يكون فصلًا منفصلًا عما قبله؛ لأن ما قبله جعله لما ابتدأ في أركان الإسلام، وناسب أن يذكر من أركان الإسلام الشهادتين وما يتعلق بهما من أحكام. وكان مما يتبع الشهادتين الصلاة، وهو الركن الثاني، تكلم عن أحكام الصلاة. فلما فرغ من أحكام الصلاة، ناسب أن يذكر حكمًا مهمًا يتعلق بالصلاة، وهو شرط من شروط الصلاة، وهو الطهارة، ألا وهو الوضوء. فلذلك أتبعه بالصلاة؛ لأن أصل أركان الإسلام كان الكلام على الصلاة، وذكر الوضوء تبعًا. فلهذا أخره. والكثير من أهل العلم يقدم الكلام على الوضوء والطهارة عمومًا على الصلاة؛ لأن ذلك من شروط الصلاة. والأمر في هذا واسع. إذا علم المقصود، فالترتيب - كون هذا يقدم وهذا يؤخر - ما دام أنه لا يغير شيء من الأحكام، فلا حرج في ذلك. يكفي أن نعرف السبب في التقديم والتأخير، فيزول عند ذلك الإشكال، والله أعلم. وقوله: «شروط الصلاة»؛ الشروط جمع شرط، وعلمنا أن الشرط هو ما لا يتم الشيء إلا به، وهو ما يتقدم الشيء وليس من ماهيته. فمثلًا: الطهارة من شروط الصلاة، وليست الطهارة من ماهية الصلاة، بل هو شيء مطلوب قبل الصلاة، وهو كذلك مما لا تتم الصلاة إلا به. فإذن الشرط هو ما لا يتم الشيء إلا به، وليس من ماهية الشيء، وهو يتقدم ذلكم الشيء. والوضوء تقدم معنا معناه: هو التعبد لله بهذه الأفعال المخصوصة، المبتدأة بغسل اليدين والمختتمة بغسل الرجلين، على صفة الوضوء الكاملة التي تحتوي فرائضه وسننه. ويطلق لفظ الوضوء، ويراد به الفعل، وقد يطلق ويراد به الماء الذي يتوضأ به. والغالب أنه يفرق بين الفعل - بضم الواو - وضوء، والماء الذي يتوضأ به - بفتح الواو - وضوء. وقد يحصل التسامح، فيستعمل هذا لهذا، وهذا لهذا، وهذا قليل. قوله: «وهي عشرة»؛ هذا فيما ترجح لشيخنا رحمه الله تعالى، بما دلت عليه الأدلة، فيما رآه رحمه الله. وقد سبقه إلى ذلك جماعة من أهل العلم. وبعض أهل العلم زاد عن هذا، أو أنقص؛ إما لأنه أدخل بعض هذه الشروط في بعض، فنقصت بسبب الاختصار، وبعضهم فصل زيادة، فزادت. كما أن بعضهم لم يرى بعض هذه الشروط من الشروط، أو العكس، فكان سببًا في زيادة ونقصان هذه الشروط. فإذا قوله: «عشرة»؛ ليس لأن فيه نص، ولكن لأن هذا فيما غلب على الظن به، بما دلت عليه الأدلة، فيما رآه رحمه الله، وسبقه بذلك جماعة من أهل العلم. وقوله: «الإسلام»؛ أي الأول من هذه الشروط الإسلام؛ لأن الوضوء من غير المسلم لا يصح. فمن أعظم أسباب قبول الأعمال وصحتها وجود الإسلام؛ كما قال الله عز وجل في حق الصدقات: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾، فسبب رد صدقات هؤلاء المنافقين الكفر بالله. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». فغير المسلم من باب أولى يرد عليه عمله. بل قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. فالحاصل: لا يصح الوضوء بغير إسلام. قد يقول قائل: كيف يتصور مثل هذه المسألة؟ الجواب: العلماء يذكرون المسائل بالاستقراء، وبما ذكره العلماء باجتماع علومهم ومعارفهم ومسائلهم. فمر على الناس في زمانهم مسائل اقتضت التنبيه على مثل هذا الأصل. فمثلًا: لو أن رجلًا توضأ وهو كافر، ثم أسلم، فهل يجوز أن يدخل الصلاة بوضوءه الذي توضأ به قبل الإسلام؟ الجواب: لا؛ لأن وضوءه قبل الإسلام غير مقبول، ولا يصح منه. وقوله: «العقل»؛ لأن العقل مناط التكليف. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم المجنون حتى يفيق». ولأن الأعمال لا تصح إلا بقصد، التي هي النية؛ «إنما الأعمال بالنيات»، والمجنون ليس له قصد ولا نية؛ فلذلك عمله لا يقبل. وقوله ثالثًا: «والتمييز»؛ ومعنى التمييز: هو حصول معنى الإدراك عند الصغير؛ لأن الصغير إذا لم يكن مميزًا، لم يفرق بين الصواب وخطأ، وبين ما يحتاج لنية وقصد، وبين ما لا يحتاج. فيصير عمله لا فرق فيه بين الجد والهزل والعبث من المقصود. ومن كان هذا حاله، فلا يقبل منه عمل؛ فلابد من التمييز حتى يكون عمله مقصودًا. وما سبق يدل عليه؛ وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». والصبي إذا لم يكن مميزًا، ليس له قصد ولا نية. وقوله: «النية»؛ النية أخص من القصد؛ فالقصد هو التوجه للعمل، فيعرف أنه سيفعل العمل الفلاني. والنية هو أن ينوي بهذا العمل ما لأجله عمله؛ الوضوء للصلاة، وهذه الأفعال للوضوء، وهكذا. وحديث النية دليل عليه، وأدلته كثيرة. ثم قال رحمه الله تعالى: «واستصحاب حكمها بأن لا ينوي قطعها حتى تتم طهارتها». ومعنى استصحاب حكم النية: أي استمرار إبقاء هذا العمل بإبقاء نيته. وهذا الحكم قاله بعض أهل العلم؛ لظنهم أن النية إذا انقطعت أبطلة العمل. وفي هذا خلاف بين أهل العلم؛ فمن أهل العلم من لا يوافق على هذا الحكم، فيرى أولًا أن ابتداء الأعمال بنياتها يكفي في صحة الأعمال، وأنها لا تنقطع بنية القطع حتى يتم معها عمل؛ لأن هذا ربما فتح على الإنسان باب الوسوسة، فيدخل الإنسان في متاهات؛ يدخل الإنسان في متاهات الوسوسة إذا انفتح معه هذا الباب. واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم - كما جاء في صحيح مسلم وغيره -: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». فحديث النفس تجوز فيه؛ فالنية يدخل بها في العمل، وليس حديث القلب وحده يكفي في قطع العمل حتى يتبعه الفعل. فمثلًا: دخل الإنسان في ركعتي الفجر الراتبة، دخلها بنية لا شك. ودخل، ففي أثناء الصلاة حدث نفسه أن يقطع هذه الصلاة - النية - يريد أن يخرج منها؛ هل تنقطع الصلاة؟ أو حدث نفسه بالفعل أنه قطع الصلاة، وأن نيته قطعها؛ هل تنقطع الصلاة؟ على ظاهر هذا الكلام تنقطع الصلاة. وعلى القول الآخر: لا تنقطع؛ حتى يتبع هذا الحديث الذي في النفس بماذا؟ بعمل؛ كأن يخرج من الصلاة، أو يحصل له ما ينافي الصلاة؛ كحدث ونحوه. أما ما دام حديثًا في القلب؛ فلا يبطل بهذا أمر الصلاة. وفرق بين استصحاب النية قبل العمل، وبين استمرارها؛ فاستمرارها مطلوب، لكن ذهابه - الصحيح والله أعلم - أنه لا يزول إلا بأن يتبعه عمل؛ يتبعه بعمل. هذا أمر، وأمر آخر يتعلق بحكم النية خاصة في الوضوء؛ وهو أن من أهل العلم من يرى أن الوضوء من الأعمال التي لا تحتاج إلى نية. وذهب إلى هذا الإمام ابن القيم رحمه الله في بعض كتبه، في مواضع من كتبه أشار إلى هذه المسألة، وذكر أن النية دلت الأدلة الشرعية أنه يحتاج إليها للتفريق بين العادة من العبادة، وللتفريق بين العبادة والعبادة الأخرى. وأما الوضوء؛ فلا تلتبس بأي شيء من العادات، ولا تلتبس بعبادة مثلها؛ فلذلك من توجه لعمل الوضوء؛ فقد وقعت النية في قلبه، شاء أم أبى؛ لا يوجد إنسان يعمل أعمال الوضوء مرتبة من أولها إلى آخرها، ولا يستقر في قلبه نية أبدًا؛ لا يمكن. بل الصحيح: أن النية تستقر في القلب بمجرد توجهه لهذا العمل؛ لأن هذا العمل مما لا يلتبس بغيره. ولهذا كان الصحيح ما ذهب إليه الإمام ابن القيم رحمه الله؛ من أن الوضوء من الأعمال التي لا تفتقر إلى نية؛ لأن من توجه إليها ثبت في قلبه نية فعل الوضوء، شاء أم أبى. وعلى هذا؛ يكون ذكر النية ها هنا تحصيل حاصل؛ لأنها تقع من دون أن يحتاج الإنسان إلى أن يستحضرها؛ لأن هذه العبادة لا تلتبس بغيرها. ولا يعني ذلك أن الوضوء ليس فيه نية؛ ولكن معناه: أن النية تقع من دون تكلف بحث عنها. ولذلك لا حاجة أن يفتح باب الوسوسة؛ فيقال: هل نويت أو لم تنو؟ لأن كل من توضأ؛ لا بد أن يقع في قلبه أمر النية؛ سواء استحضر النية قبل الوضوء أو لم يستحضر. وهنا تأتي مسألة: وهي أن المقصود من النية هنا ليس التلفظ باللسان - كما تقدم وتكرر معنا في دروس سابقة - وإنما المقصود به ما يقع في القلب؛ فالتلفظ بالنية - كما مر معنا - نقص للعقل والدين؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. أما نقصان الدين؛ لأنه من المحدثات والبدع التي لم يفعلها السلف، ولدل عليه الدليل الشرعي. وأما نقصان العقل؛ لأن فاعله فاعل للعبث؛ فحاله كحال المجنون الذي يحدث نفسه بما يعلم ما سيعمله، وهو من العبث الذي لا ينبغي أن يفعله العقل. ولهذا كان نقصانًا للعقل واضح. وهنا تأتي مسألة أخرى كذلك من مسائل النية يذكرها الفقهاء، وناسب أن ينبه عليها؛ لأن بعض الحاضرين والسامعين قد تمر به، فيحتاج أن يعرف حكمها؛ وهي: هل الوضوء يحتاج إلى تخصيص نية؟ أم أن القيام بالوضوء يكفي في كل عمل؟ فمثلًا: نبه بعض الفقهاء إلى أن من توضأ ونوى به قراءة القرآن - أي بفعل هذا الوضوء - لا يصح له أن يصلي به؛ لأن نيته كانت لقراءة القرآن فقط. وهكذا ذكروا فروعًا ومسائل كثيرة تتعلق بمثل هذه التقسيمات. والصحيح: أنه لا حاجة لمثل هذا؛ فليس في الشرع ما يدل على مثل هذه القيود، ولا مثل هذه التخصيصات. بل الصحيح: أن كل من توضأ؛ حل له ما يحتاج إلى وضوء؛ سواء قراءة قرآن أو صلاة أو ذكر أو غير ذلك؛ حتى لو توضأ وأراد به النوم على طهارة، ثم أراد أن يصلي؛ صح له أن يصلي؛ لأن وضوء وضوءه ذلك وضوء شرعي؛ تستباح بمثله الصلاة. والآن يترجم أخونا أبو حديده - حفظه الله. فالخلاصة: أن استصحاب النية مما ذكره بعض أهل العلم - كما سمعنا - والصحيح: أنه ليس بلازم؛ فوجود النية يكفي في ذلك. وأن التشديد في هذا ربما يدخل الإنسان في شيء من الوسوسة؛ فكلما صلى قطع صلاته؛ يوسوس له الشيطان أن النية انقطعت استصحابها في مرحلة من مراحل الصلاة. واضح. وإذا وجد مثل هذا - خصوصًا مع بعض من يبتل بشيء من الوسوسة - فإن هذا يدخله في عالم الوسوسة الذي لا نهاية له، وهذا خطر عظيم. ولأجل هذا؛ وإغلاقًا لهذه المفسدة العظيمة؛ قال من قال من أهل العلم: أن وجود أصل النية في أول العمل يغني عن مثل هذا التشديد. على أن بعض أهل العلم - كما سمعنا من معنى كلام ابن القيم - يرى أن الوضوء أصلا من الأعمال التي تقع النية فيها بدون كلفة، ولا تحتاج إلى شيء من الاستحضار؛ لأنه لا يلتبس بغيره، والله أعلم.